Subscribe:

Ads 468x60px

27 ديسمبر، 2015

حيرتنا إزاء معضلة السد

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 16 ربيع أول 1437 27 ديسمبر 2015
حيرتنا إزاء معضلة السد - فهمي هويدي

القرائن المتوافرة تدل على أننا خسرنا جولات التفاوض مع إثيوبيا حول موضوع سد النهضة.

ورغم أن ذلك لم يعلن رسميا، فإن تصريحات المسؤولين المصريين عن صعوبة المفاوضات،
وتأجيل الاجتماعات
ورفض الجانب الإثيوبي الاحتكام إلى المكتب الاستشاري الذي رشحته مصر،
 إضافة إلى لغة التشاؤم في أحاديث مختلف الخبراء والمسؤولين.
 كل ذلك يعبر عن الرسالة بصياغات مختلفة.

وهو تقدير إذا صح فمعناه أن خطوات البناء مستمرة ومتسارعة بمعدلاتها المقررة، بحيث ينتهي في موعده عام 2017 لتبدأ بعد ذلك عملية ملئه بالمياه التي يقدر لها أن تستمر نحو خمس سنوات.

وخلال تلك السنوات يفترض أن تنقص حصة مصر بنحو ١٢ مليار متر مكعب من المياه على الأقل.
وهو ما يعني أن نفقد نحو ٢٠٠ ألف فدان من الأراضي الزراعية، الأمر الذي تترتب عليه آثار كارثية عدة للخبراء فيها كلام كثير ومخيف.

لا مجال للتلاوم الآن والبحث عن كبش فداء لتحميله المسؤولية والتضحية به إرضاء لمزاج الرأي العام.

ذلك أن فتح ذلك الملف من هذه الزاوية يعد مضيعة للوقت لن تقدم أو تؤخر، في حين أن السؤال الكبير الذي ينبغي أن تبحث إجابته بكل جدية ومسؤولية هو:
 ما العمل؟

الفرضية التي ينبني عليها السؤال تنطلق من أمرين
 الأول ثبوت سوء نية ومراوغة الطرف الإثيوبي.
 والثاني عدم التعويل على المفاوضات مع الجانب الإثيوبي.

ومن ثم أهمية البحث عن بدائل في هذه الحالة.
 سواء ما ينبغي أن ينهض به الجانب المصري، أو من خلال التعاون مع السودان، أو بالتفاهم مع دول حوض النيل.

وكما يحدث في أي معركة فإن الملف ينبغي أن يوضع بكامله أولا أمام أهل الاختصاص والخبرة لتقدير الموقف وتحريره من مختلف جوانبه.

 أعني بذلك الموقف من المفاوضات وحقيقة المخاطر المحتملة في حالة اكتمال بناء السد، والبدائل المطروحة أمام جهة القرار السياسي في هذه الحالة سواء من الآن وحتى يكتمل بناء السد، وفي أثناء ملئه خلال فترة السنوات الخمس التالية، ثم بعد امتلائه وانخفاض حصة مصر من المياه.
 وما هو موقف السلطة ومسؤولية المجتمع في كل مرحلة.

قرأت تصريحا لوزير الخارجية المصري تحدث عن أن مصر قادرة على حماية أمنها المائي.
وهو تصريح حماسي طيب كان مناسبا لعنوان الصفحة الأولى بجريدة الأهرام يوم ١٩/١٢.
وهو يطمئننا ــ إذا صح ــ بطبيعة الحال.
إلا أن الوزير لم يقدم لنا أية قرينة أو معلومة تؤيد كلامه،
 لذلك فإن تصريحه كان بمثابة فرقعة إعلامية جرى فيها استعراض العضلات للاستهلاك الداخلي، ومن ثم يتعذر أخذها على محمل الجد.

ما أفهمه أن قضية حيوية ومصيرية بهذا الشكل ينبغي أن تعالج من ثلاثة مداخل هي:

* تقدير الموقف على النحو الذي ذكرت بشجاعة وشفافية. من خلال توافق الخبراء والمسؤولين على تأثير المشروع على مصر وما إذا كانت ستواجه مجاعة مائية أم لا ومتى؟

* إشراك الرأي العام في الصورة. بمعني تنوير الجماهير بالمخاطر المحتملة وإعدادهم لتحمل المسئولية ــ بترشيد استهلاك المياه مثلا ـ في حالة ما إذا دخلت مصر في طور الفقر المائي قبل حلول المجاعة لا قدر الله.

*
الاتفاق على الخيارات المتاحة أمام السلطة للتعامل مع الأزمة في كل مرحلة.
 وتلك الخيارات تتراوح بين البدائل الممكنة والاتصالات اللازمة مع الدول ذات الصلة والإجراءات القانونية التي يمكن اتباعها لإلزام الطرف الآخر بعدم الإضرار بالمصالح المصرية كما تقضي بذلك الاتفاقات الموقعة.

وفي كل الأحوال فإنه لا غنى عن الحفاظ على الاتصالات وجسور التفاهم المنشودة بين القاهرة والخرطوم.
الأمر الذي يستلزم تصفية الأجواء بين البلدين والكف عن فتح الملفات الخلافية التي تباعد ولا تقرب وتقطع ولا تصل.

لا أعرف أن الرأي العام في مصر أحيط بشيء من التطورات الأخيرة، باستثناء التصريحات المتشائمة أو الحماسية التي تمس المشاعر ولا تطرح الحقائق.

لذلك لايزال المجتمع يتصرف في استهلاكه للمياه غير مدرك أن مشكلة في الحاضر أو المستقبل. فلا تمهيد ولا تنوير ولا تحذير.
والتعبئة الإعلامية مشغولة إما بتصفية الحسابات الداخلية وإما بمتابعة التنافس على مناصب البرلمان وأغلبيته.

لقد ولى الزمن الذي كان يقبل فيه الادعاء بأن السلطة تعرف وسوف تتولى الأمر من جانبها، ولينصرف كل واحد إلى شأنه الخاص.
فقد دخل الجميع في السياسة بعد ثورة يناير ٢٠١١ وأصبح من حقهم أن يعرفوا، لا لكي يطمئنوا على مستقبل بلدهم وأجيالهم فحسب، ولكن أيضا لكي يقوموا بما عليهم في مواجهة الأزمة المحتملة.

 وقبل هذا وبعده فليس معقولا أن يلوح خطر من ذلك القبيل في الأفق ثم يظل الناس بمعزل عن إدراك أبعاده.

ذلك أنه إذا لم تصارح السلطة المجتمع في أمر بهذه الجسامة فمتى تصارحهم إذن؟
وكيف يطالب الناس بالاطمئنان والثقة في الحكومة إذا ما تم التعامل مع المجتمع الذي هو الأصل الباقي بحسبانه «كومبارس» يستدعي للتصفيق والتظاهر عند الطلب، في حين تظل البطولة مقصورة على نخبة تحتكر السلطة والقرار، والأخيرون عابرون وزائلون.
......................

Delete this element to display blogger navbar