Subscribe:

Ads 468x60px

13 ديسمبر، 2015

محاولة للفهم

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 2 ربيع أول 1437 13 ديسمبر 2015
محاولة للفهم - فهمي هويدي

هذه العناوين نشرتها الصحف المصرية خلال اليومين الماضيين:
 حقوقيون: الانتهاكات غير مسبوقة (المصري اليوم)
ــ ٥ سنوات سجنا لضابط شرطة عذب متهما حتى الموت بالبحيرة (الشروق)
 ــ الخارجية: حقوق الإنسان ركيزة أساسية للتحركات المصرية (الأهرام).

 ما أثار انتباهي في العناوين أنها إذا وضعت جنبا إلى جنب قد تعطي انطباعا بأنها توجه رسائل مختلفة ومتناقضة.

ذلك أن القارئ قد يحتار في تفسيرها، إذ حين تكون الانتهاكات غير مسبوقة كما نقلت الصحيفة عن بعض الحقوقيين، فقد يكون مستغربا وغير مفهوم أن يحاكم ضابط شرطة لأنه مارسها وعذب مواطنا حتى الموت؛ لأنه في هذه الحالة يطبق السياسة المعتمدة مع المحتجزين.

خصوصا أن الشخص الذي مات من التعذيب في قسم شرطة مدينة رشيد (اسمه علي الكسبري) كان متهما بحيازة سلاح دون ترخيص، ولم يكن «إرهابيا» ولا محتجزا على ذمة قضية سياسية.

وتظل الحيرة تلاحق القارئ حين تقع عيناه على العنوان الذي يتحدث عن حرص مصر على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان إلى الحد الذي يجعلها بمثابة ركيزة أساسية لتحركاتها وسياساتها الداخلية.

من جانبي لم أجد تناقضا بين العناوين كما قد يبدو، وبالتالي لم أستشعر تلك الحيرة التي يمكن أن يقع فيها القارئ، بل إنني وجدتها متناغمة وتوجه رسائل دقيقة إلى المتلقين.

 لذلك وتبديدا للحيرة ومنعا للبلبلة خطر لي أن أعرض قراءتي لتلك الأخبار، علها توضح مضمونها الذي تصورته متناغما كي لا يلتبس الأمر على أحد.

فالقول بأن الانتهاكات غير مسبوقة فرضية صارت من المعلوم في السياسة بالضرورة.
إذ بات ذلك محل إجماع بين جميع المنظمات الحقوقية في مصر، المستقلة منها والمجلس القومي لحقوق الإنسان الذي عينته الحكومة متوقعة أن يرد لها الجميل.

أعني أن الجميع متفقون على حدوث الانتهاكات، والخلاف حاصل في درجته.
 أعني أن النوع متفق عليه ولكن التفاوت حاصل في الدرجة فقط،

إذ بح صوت المنظمات المستقلة (١٤ أو ١٥ منظمة) وهي تندد كل حين بالانتهاكات، من الاحتجاز العشوائي إلى تمديد أجل الحبس الاحتياطي إلى التعذيب والاختفاء القسري وإساءة معاملة المسجونين ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية... إلخ.

أما المجلس القومي لحقوق الإنسان فقد كرر في أكثر من مرة أن التعذيب غير ممنهج، وشهد ذات مرة بأن المعاملة في السجون على ما يرام،
فالرعاية الطبية متوافرة والطعام يكاد ينافس ما تقدمه فنادق الخمس نجوم،
ولم يخل الأمر من تصريحات رسمية أخرى اعتبرت أن الانتهاكات مجرد أخطاء فردية ينبغي عدم تعميمها.

أما كونها غير مسبوقة؛ فذلك مما تجمع عليه المنظمات المستقلة التي لديها إحصاءات وبيانات موثقة تؤيد شهادة نشطائها معتمدة على المقارنة بين ما يحدث الآن بما حدث في السابق. لذلك فالكلام لا تغليط فيه ولا مبالغة.

الخبر الثاني الخاص بالحكم بسجن الضابط الذي عذب مواطنا حتى الموت في البحيرة ينبغي أن يقرأ بتمهل حتى يفهم على وجه صحيح.
ذلك أن الضابط المتهم عمره ٢٤ عاما ومن ذوي الرتب الصغيرة (ملازم أول).
 أعني أنه وهو في بداية حياته العملية بدا ملتزما بثقافته وقام بتعذيب المواطن الذي وقع بين يديه.
وأغلب الظن أنه استغرب إدانته، لأنه نفذ ما تعلمه ولم يفعل أكثر مما يفعله زملاؤه ورؤساؤه،
ولا أستبعد أن يكون قد توقع أن يكافأ على حزمه وشدته،
وعلى أسوأ الفروض فإنه يعلم مسبقا أنه لن يحاسب على فعلته،
وأنه إذا حوكم وأدين فهناك حيل ومخارج كثيرة لتأمينه وتبرئته في نهاية المطاف.

الأهم من ذلك أن الخبر تمت صياغته بصورة دقيقة نسبيا، ذلك أن الصحف التي نشرته ذكرت أنه أدين لأنه عذب مواطنا «حتى الموت».
وهو ما يمكن أن يقرأ بحسبانه إدانة للضابط الشاب ليس لأنه عذب المواطن شأن غيره من المواطنين،
ولكن لأنه بالغ في التعذيب الأمر الذي أدى إلى مقتل الرجل،
 وهو ما ترتب عليه انفضاح ما جرى، وذيوع الخبر بين أهله وجيرانه ووصوله إلى الجرائد والمنظمات الحقوقية.

بمعنى أن الأمر لو وقف عند حدود التعذيب فإنه يمكن التسامح معه باعتبار أن تلك هي القاعدة المعمول بها.
 أما إيصال المسألة إلى حد الموت فذلك هو المحظور الذي كان ينبغي تجنبه، ويستحق من يقع فيه أن يعاقب، بأن تشهر في وجهه بطاقة الإنذار الصفراء، وليس الحمراء بطبيعة الحال.

أما بيان وزارة الخارجية الذي اعتبر حقوق الإنسان ركزية أساسية للتحركات المصرية، فقد جاء بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لتلك الحقوق.

وكانت الوزارة مضطرة لإصدار بيان يغطي الموقف، فكلفت من كتب موضوع إنشاء بهذا الخصوص، لا لإقناع الأجانب الذين يعرفون أكثر مما نعرف من تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، ولكن لمخاطبة المصريين وسد الخانة حتى لا تبدو الوزارة مقصرة أمام الجهات العليا.

ولذلك جاء بيان الوزارة متضمنا ما ينبغي أن تقوله جهة رسمية في المناسبة.
وبإبراز جريدة «الأهرام» له على الصفحة الأولى تحقق المراد وأبرأت الوزارة ذمتها أمام الجميع، وأكدت التزامها بالانضمام إلى قائمة المستنفرين للدفاع عن الدولة المصرية.

على الأقل فهكذا قرأت الأخبار، وخشيت أن يساء فهمها!
...................

Delete this element to display blogger navbar