Subscribe:

Ads 468x60px

28 نوفمبر، 2015

العدل والحرية أولا

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 16 صفر 1437 – 28 نوفمبر 2015
العدل والحرية أولا – فهمي هويدي

لا أعرف إلى أى مدى يمكن ان نأخذ على محمل الجد فكرة لجنة الأخلاق والضمير التى أثيرت فى اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخير مع مجلس العلماء والخبراء المصريين.

صحيح أنه ليس هناك قرار فى الموضوع، إلا أن الثابت أن مسألة تشكيل اللجنة طرحت، واقترح لها أن تلحق بالرئاسة،
وقد أبرزتها عناوين الصحف التى صدرت يوم الخميس ٢٩/١١، بعدما ذكرها المتحدث باسم الرئاسة فى تلخيصه للموضوعات التى عرضت أثناء الاجتماع الذى عقد يوم الأربعاء،
 كما أنه حرص على أن يسجل رأى الرئيس السيسى فى الموضوع الذى عرضه بقوله:
 إن منظومة القيم والأخلاق فى المجتمع تعد الحاكم الأول لسلوك المواطنين..
كما انها تقوم بدور جوهرى فى تقدم الشعوب والأوطان،
وتمثل حافزا ووازعا لمزيد من العمل والإنتاج.
فضلا عن نشر الرقى والتحضر فى جميع مناحى الحياة.

عند الحد الأدنى فإن الرئيس لم يعترض على فكرة اللجنة وانه أكد على أهمية الدور الذى تقوم به الأخلاق والضمير.
 ولأن الفكرة طرحت دون اعتراض أو تحفظ من جانبه، كما ذكرها المتحدث باسم الرئاسة ضمن الموضوعات الحيوية التى أثيرت فى الاجتماع، وأبرزتها عناوين صحف الصباح، فإننا نصبح بإزاء كلام لا نستطيع أن نتجاهله.

ورغم ان الاجتماع أثيرت فيه موضوعات أخرى عديدة، تعلقت بالتعليم والصحة، إلا أن مسألة لجنة الأخلاق والضمير حظيت بالنصيب الأوفر من الإبراز الإعلامى ومن تعليقات مواقع التواصل الاجتماعى التى استعرض فيها ظرفاء المصريين مواهبهم.

من حيث الشكل لى على الفكرة عدة ملاحظات ألخصها فيما يلى:

أنها تتعامل مع موضوع فضفاض ليس فى عناوينه فحسب، وإنما فى مضمونه وتعريفه أيضا، لأن مسألة القيم والأخلاق فيها جانب نسبى، بحيث إن ما يعد منها إيجابيا مع مجتمع معين قد يصبح سلبيا فى مجتمع آخر.

أننا درجنا فى مصر على ان من يريد ان يقتل موضوعا أو يرحله إلى المستقبل المجهول فإنه يشكل له لجنة تتولى المهمة.

أنه بعد اجتماع الرئيس مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمناقشة الملفات المهمة المحلية والإقليمية، فإنه بدلا من ان يلتقى بالسياسيين ليتشاور معهم فى تلك القضايا، فإنه اجتمع مع بعض الشخصيات العلمية المحترمة التى طرحت أمامها العناوين سابقة الذكر، ولم يكن الشأن السياسى وتحديات المرحلة من بينها.

أن تشكيل لجنة لأجل القيم والأخلاق فيه تبسيط شديد للموضوع. يربطه بإجراءات يتعين اتباعها ويفصله عن مجمل البيئة الاجتماعية والسياسية التى تشكل فيها القيم.

وذلك ينقلنا إلى الشق الأصعب فى الموضوع الذى لم يتوقف فيه الجدل بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة والقانون.

 وكنت قد تطرقت إلى الفكرة فى كتابى «التدين المنقوص» الذى صدر قبل أكثرمن ربع قرن، وأفردت فيه فصلا عنوانه «الحكومة وأخلاق الناس»،

 أشرت فيه إلى الجدل الدائر بين رجال القانون والفلسفة حول طبيعة العلاقة بين القانون والأخلاق والتفرقة بين الأخلاق الخاصة والأخلاق العامة والمدى الذى تقف عنده مسئولية السلطة فى أخلاق الناس..
وهل كل ما هو غير أخلاقى يصبح غير قانونى بالضرورة. وهو ما أجبت عنه بالنفى،
حيث لا يمكن ولا ينبغى أن يتم التطابق بين الاثنين.
إذ لا تستطيع السلطة مثلا أن تجرم كل الكذب إلا فى حالات وحدود معينة.

مما تطرقت إليه أيضا فكرة الدور الذى يقوم به أداء السلطة بما تمثله من قدوة فى صياغة القيم المساندة فى المجتمع،
وهو ما تختزله العبارة الشهيرة التى تقرر أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فى إشارة صريحة إلى أن دور السلطة فى تشكيل إدراك الناس يتجاوز دور القرآن ذاته بكل جلاله.

بمعنى ان النموذج الذى تقدمه السلطة يلعب دورا أسياسيا فى إعلاء شأن بعض القيم أو الحط من قدرها.
 وهو ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسى هلفيتيوس فى القرن الثامن عشر، عندما قال ان التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر فى طبيعة السلطة وإنما تؤثر السلطة فى خصائص الشعب وأخلاقه.

هذا المعنى عمقه وأصّله عبدالرحمن الكواكبى فى كتابه الشهير «طبائع الاستبداد». إذ خصص فيه فصلا عالج فيه مسألة الاستبداد والأخلاق، وآخر عن الاستبداد والتربية.

 وفى الفصلين ذكر ان أجواء الحرية والعدل والمساواة تمثل البيئة الصحية التى تنمو فيها الفصائل وتترعرع.

 أما الاستبداد فهو مفسدة كبرى تدعو الناس إلى الانحطاط والتسفل، ومما قاله
«إن الاستبداد يضطر الناس إلى استباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق والتذلل، وإلى مراغمة الحس وإماتة النفس ونبذ الحد وترك العمل.. إلى غير ذلك من الخصال الملعونة».

 إن تهذيب الأخلاق وتنقية الضمائر أكبر بكثير من أن تنهض به لجنة، وهى مسئولية دولة تعلى من قيم العدل والحرية والمساواة. من ثم فقبل أن ندفن الملف فى لجنة علينا أن نتحقق أولا من التزام الدولة بتلك القيم.

وكل جهد يبذل خارج هذا النطاق يتعذر أخذه على محمل الجد.
......................

Delete this element to display blogger navbar