Subscribe:

Ads 468x60px

21 نوفمبر، 2015

الحنين للطوارئ

صحيفة الشرق القطريه السبت 9 صفر 1437 21 نوفمبر 2015
الحنين للطوارئ – فهمي هويدي

أستغرب حفاوة الشبيحة المصريين بقرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بإعلان الطوارئ، لسببين رئيسيين؛
 أحدهما يتعلق بالطوارئ في فرنسا..
والثاني يتعلق بالطوارئ في مصر؛

 ذلك أنها في فرنسا استثناء وهي في مصر قاعدة؛

 ذلك أن قانون الطوارئ الفرنسي صدر في عام ١٩٥٤ أثناء حرب الاستقلال في الجزائر التي كانت فرنسا تعتبرها جزءا منها،
ومنذ ذلك الحين فإنها لم تفعل إلا في أوقات محدودة ولمدة قصيرة لمواجهة الاضطرابات التي حدثت في السنوات ١٩٦١ و١٩٨٥ و٢٠٠٥.

في مصر الموقف مختلف، ذلك أنها ظلت خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير في حالة طوارئ ثابتة.

إذ يذكر المستشار طارق البشرى أن الطوارئ أو الأحكام العرفية أعلنت ومورست في مصر لأول مرة في عام ١٩٣٩ مع اشتعال الحرب العالمية الثانية..
ومنذ ذلك الحين وحتى الآن فإنها ظلت سارية. ولم ترفع إلا لفترات بسيطة للغاية لا تبلغ السنوات العشر.
وحتى في فترات رفعها فإن السلطة كانت تستصدر من القوانين ما يمكنها من ممارسة السلطات الاستثنائية على المواطنين.

ففي سنة ١٩٥٤ مثلا صدر قانون تدابير أمن الدولة ليحل محلها حين رفعها.
وفي عام ١٩٧٢ صدر قانون حماية الجبهة الداخلية
وفي عام ١٩٨٠ صدر قانون الوحدة الوطنية
وفي ٢٠١٣ صدر قانون منع التظاهر وفي العام الحالي ٢٠١٥ صدر قانون الإرهاب. وهكذا.

من ناحية أخرى فالفرق شاسع في آلية وملابسات الطوارئ في البلدين.

فالقانون الفرنسي يسمح لرئيس الدولة بالانفراد بإعلان الطوارئ في حالة وجود خطر جسيم يهدد النظام العام لمدة ١٢ يوما فقط.
وإذا أراد أن يمددها لأكثر من ذلك فإن ذلك ليس من حقه، ولكنه حق الجمعية الوطنية التي عليها أن تصدر قانونا بذلك.

وما حدث بعد مذبحة الجمعة الماضية حين أصدر الرئيس الفرنسي قرار الطوارئ فإنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن ألقى خطابا أمام اجتماع استثنائي لمجلسي النواب والشيوخ.

 كما أنه اجتمع مع رئيسي المجلسين وقادة الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من مؤيديه وخصومه الألداء. لكي يستمع إلى آرائهم في الخطوة التي ينوى اتخاذها.
 أي أنه رجع إلى المجتمع ممثلا في رموز الطبقة السياسية ولم يخاطب لا العسكريين ولا الأمنيين.

في فرنسا لا تحمي حالة الطوارئ السلطة التنفيذية من الرقابة القضائية، في حين أن مجلس الدولة في مصر قرر عام ٢٠٠٨ أن إعلان الطوارئ من الأعمال السيادية التي لا يمكن للمحاكم مراقبتها.

إذ تذكر الدراسة التي أعدها موقع صدى مصر أن مجلس الدولة الفرنسي يحق له البت في القضايا التي تطالب بوقف العمل بحال الطوارئ إذا رأى المواطنون أن أسبابها لم تعد سارية.
وهو ما حدث عام ٢٠٠٥ حين نظر مجلس الدولة قضيتين طالبتا بوقف العمل بحالة الطوارئ الجزئية إلى أعلنت آنذاك. بعدما مددها البرلمان في أعقاب مضي الـ١٢ يوما، بسبب اندلاع أعمال الشغب في بعض ضواحي باريس، واستمرت مدة ثلاثة أسابيع، بعدما انتقلت إلى بعض المدن.

 في هذا الصدد نقلت دراسة الموقع عن باحث الدكتوراة المصري في جامعة بواتييه الفرنسية أحمد القهوجي قوله إن انعدام الرقابة القضائية يعتير الفارق الجوهري بين تطبيق الطوارئ في كل من مصر وفرنسا.

ذلك أنه في الحالة المصرية أصبحت الطوارئ حالة أبدية مرتبطة بأهواء النظام الحاكم دون أن تتاح للأفراد المتضررين إمكانية الطعن فيها،
 الأمر الذي جعل تطبيق الطوارئ في مصر بعيداً تماما عن رقابة القضاء.

ما يثير الدهشة في حفاوة الشبيحة المصريين بإعلان الطوارئ في فرنسا، والدعوة الضمنية لتطبيقها في مصر أنه لم يعد هناك مجال، ولا أصبحت لدينا حاجة لإعلان الطوارئ بصفة رسمية. ليس لأننا أصبحنا ضد الإجراءات الاستثنائية التي تلجأ إليها السلطة بحق المواطنين. ولكن لأن جهابذة القانون والأمن نقلوا مواد الطوارئ المتعارف عنها من قانون الطوارئ،
وأخبرونا بأن عصر الطوارئ انتهى، في حين أنهم ضحكوا علينا حين ألغوا العنوان ثم نقلوا كل مواد الطوارئ ووزعوها على القوانين العادية.

وبدلا من أن تظل بمثابة أحكام استثنائية تطبق في ظل أوضاع الضرورة الاستثنائية، فإنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من القوانين العادية المعمول بها.
وذلك ما حدث بالنسبة لمد الحبس الاحتياطي ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية ومنع التظاهر بالقانون وصدور قانون خاص للإرهاب.

ورغم أن مصادرة الأموال والممتلكات لا تتم في ظرف الطوارئ إلا أننا فتحنا الأبواب بعد ذلك لتلك المصادرات.

 الخلاصة أن كل ما يبيحه قانون الطوارئ تحول إلى أحكام قانونية مستقرة وجزءا من النظام القانوني العادي.

لذلك أدهشني مطالبة البعض بإعلان للطوارئ التي هي قائمة بغير إعلان،
ولم أجد لذلك تفسيرا سوى أنه يحسد حنين الشبيحة للمصطلح الذي يحدث رنينه بما يشيعه من خوف وتوتر بين الناس.

حين ناقشت الأمر مع الحقوقي البارز الأستاذ نجاد البرعي. قال لي إن الشرطة الفرنسية اعتذرت لجميع البنايات التي اقتحموا بعض الشقق فيها لضبط الإرهابيين وطلبوا منهم إعذارهم لأنهم اضطروا إلى ذلك.
ثم قال لي معقبا أعطونا سياسة وبرلمانا وقضاء وشرطة كتلك التي في فرنسا ولن نتردد في تأييد الطوارئ والاحتفاء بها.
......................

Delete this element to display blogger navbar