Subscribe:

Ads 468x60px

08 أكتوبر، 2015

شهادة الاغتراب والدهشة

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 24 ذو الحجة 1436 – 8 أكتوبر 2015
شهادة الاغتراب والدهشة - فهمي هويدي

إحدى البديهيات التي غابت عن وسائل الإعلام عندنا أن المتلقي مشاهدا كان أم قارئا أو مستمعا هو صاحب الحق الأول فيما يبث أو ينشر.

أقول ذلك بعدما لاحظت أن الكثير مما يبث وينشر يخاطب السلطة ويهمها ولا يخاطب الناس.
كما أن بعض الإعلاميين أصبحوا يتراشقون وينقلون معاركهم الشخصية على شاشات التليفزيون وصفحات الصحف، في حين أنها لا تهم الناس في قليل أو كثير.

وهو ما اعتبره ضمن الأعاجيب التي طرأت على فضائنا الإعلامي وأفقدته وظيفته ومعناه،
 بل شوهت أجيالا من الشبان الموهوبين، الذين كان يمكن أن يضيفوا الكثير لو أنهم نشأوا في بيئة مهنية أفضل.

هذا الخلل في الأداء الإعلامي الذي أهدر العديد من القيم المهنية التي ظنناها من الثوابت يشعر أمثالي من «قدماء المحاربين» بالغربة والدهشة.

الأمر الذي ذكرني بالملاحظة التي أبداها الصحابي أنس بن مالك حين انتقد معاصريه من التابعين فقال:
 إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في عيونكم من الشعر، إذ كنا نعدها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من الموبقات.

إذ خطر لي، إن ذلك عين الحاصل عندنا، بعدما صرنا نصادف أعمالا في الإعلام المرئي والمقروء، يراها بعض القائمين على أمر المهنة في الوقت الراهن أمورا بسيطة وعادية، في حين أنها كانت تعد من «الموبقات» في الخمسينيات والستينيات.

يكفي أن تعلم أن الخطأ اللغوي كان يعد جريمة تنتقص من قدر الصحفي،
 أما الخطأ الإملائي فقد كان يعد فضيحة يقرع بسببها المحرر ولا تغتفر له.

تغيرت الدنيا صحيح، لكنها لم تتقدم كثيرا في الساحة الإعلامية على الأقل.
إذ انتقلنا من الصحافة الخاصة إلى صحافة الدولة التي أصبحت تصدر ما سمى بالصحف القومية.
وظل الإعلام المسموع والمرئي معبرا عن النظام وتحت سيطرته.
ثم ظهرت الصحافة الحزبية مع إقرار التعددية السياسية.
وفي وقت لاحق برز الإعلام المستقل على الصعيدين المقروء والمرئي،
وهيمن رجال الأعمال على ذلك النوع الأخير، مما أدى إلى تراجع حسابات وشروط المهنة أمام حسابات وتطلعات الوافدين الجدد.
ومع تطور وسائل الاتصال عرفنا ما يمكن أن يسمى بالإعلام الخاص، حيث أصبح لكل راغب صفحة أو صحيفة خاصة في الفضاء الإلكتروني.
وهذه الأخيرة أصبحت خارج السيطرة ولم تعد تخضع لأي قواعد.

في هذه الأجواء تداخلت في المهنة حسابات الأطراف المختلفة وظل للسلطة دورها التقليدي الذي تضاعف واتسع نطاق تأثيره كما برزت حسابات رجال الأعمال والمنابر السياسية المختلفة.

وفي هذا الخضم تراجع حظ القارئ الذي ظل طول الوقت يلعب دور المتلقي قليل الحيلة أو عديمها.
 صحيح أن المتلقي وجد متنفسا له من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي تزايدت فيها أعداد المغردين والمدونين بمضي الوقت.

إلا أن الكتلة البشرية الأوسع ظلت خاضعة لتأثير وتعبئة وسائل الإعلام التقليدية، المرئي منها بالدرجة الأولى ثم المقروء.
ولا تزال تلك الوسائل صاحبة التأثير الأكبر على بحر البشر الواسع.

وفي الوقت الراهن فإنها صارت أهم أبواق السلطة ومنابرها، وكان طبيعيا في هذه الحالة أن يتقدم أداؤها السياسي على المهني ودورها التعبوي على التنويري.

وفي ظل ذلك الترتيب في المهام والأدوار تآكلت قيم المهنة حينا بعد حين. فصار الولاء مقدما على الكفاءة، والهتاف مقدما على الحوار،
ولم يعد الإعلامي باحثا عن الحقيقة ولا معبرا عن ضمير المجتمع، وإنما غدا مندوبا للسلطة وواعظا ومصدرا للحقيقة.

الدور السياسي أدى إلى تضخم ذات الإعلامي وحوله إلى مندوب للسلطة وأحد صناع الرأي العام،
وفي هذه الحالة تداخل الخاص عنده مع العام، الأمر الذي أقنعه بأن معاركه الشخصية من الأمور التي يتابعها الرأي العام وينشغل بها «جمهوره».

لأن المعيار ظل سياسيا وأمنيا في المقام الأول، فكل ما عدا ذلك أصبح يهون ويحتمل.
خصوصا أن الأداء الإعلامي لم يعد خاضعا لأي ضوابط من ذلك القبيل الذي يحمى قيم المهنة وتقاليدها.
فانفلت العيار على النحو الذي صرنا نلحظه على الشاشات وفي بعض الكتابات التي تصنف ضمن «الموبقات».

لا أعرف إن أحدا درس مدى إسهام ذلك الانفلات في التراجع المشهود في نسبة مشاهدي البرامج التليفزيونية الحوارية وكذلك التراجع المماثل في معدلات توزيع الصحف،
 لكن الذي لاشك فيه أن المتلقي ملَّ تجاهله في وسائل الإعلام.

وحين يحدث ذلك فإنه يشهد بعمق الأزمة ويصبح داعيا إلى علاج أسبابها.
 إلا أنني وجدت قلقا مماثلا على تآكل قيم وتقاليد عدة مهن أخرى،
إذ أسمع أن ذلك حاصل بين الأطباء والمهندسين والمحاسبين والقضاة والمحامين، وغيرهم، وهو ما يدعو إلى توسيع دائرة البحث للتحقق مما إذا كان ذلك الادعاء حقيقة أم وهما،

وإذا صح أن له ظلا من الحقيقة فإن ذلك يثير أسئلة أكبر،
إذ يتعين التعرف على مصدر ذلك التآكل،
 وهل هو من داخل المهنة أم من خارجها،
 وهل هي أزمة مهن أم أنها أزمة مرحلة يمر بها الوطن.

 لا أملك إجابة على تلك الأسئلة إلا أنني أرجو أن نعطيها حقها من التفكير.
..............................

Delete this element to display blogger navbar