Subscribe:

Ads 468x60px

26 سبتمبر، 2015

«نوبل» لهذه السيدة

صحيفة الشرق القطريه السبت 12 ذو الحجة 1436 – 26 سبتمبر 2015
«نوبل» لهذه السيدة – فهمي هويدي

الموقف الأخلاقي للسيدة أنجيلا ميركل من قضية اللاجئين يحرجنا ويشعرنا بالخجل،
 كان ذلك انطباعا أوليا حصلته من متابعة تصريحاتها حول الموضوع، خصوصا أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقدته ببرلين في ٣١ أغسطس الماضي ودعت فيه إلى اتساع الصدور لاستقبال اللاجئين،

 وقالت بوضوح إن حكومتها لن تتسامح مع الذين يشككون في كرامتهم،
 كما حذرت من المشاركة في المظاهرات المعادية التي دعا إليها البعض انطلاقا من خلفياتهم العنصرية واليمينية المتطرفة.
وهو كلام تبنى لغة مختلفة مغايرة لما اعتدنا أن نسمعه من السياسيين الأوروبيين في المواقف التي يكون العرب طرفا فيها.

ازداد تقديري للسيدة حين قرأت ما كتبه الأستاذ غسان شربل رئيس تحرير جريدة الحياة اللندنية (نشر في ٢١/٩) عن لقاءاته في برلين مع بعض اللاجئين السوريين،

وفي تقديمه لحواراته التي أجراها معهم ذكر أن ألمانيا استقبلت في السنة الحالية نحو نصف مليون طالب لجوء.
 وتتوقع أن يقترب العدد من المليون مع نهاية السنة وذكر أن تكاليف استقبال اللاجئين وتأمين إقامتهم هذه السنة يتوقع أن تصل إلى أكثر من ستة بلايين يورو.
كما تتوقع الحكومة تكاليف مشابهة في السنة المقبلة إذ واضح أن الحكومة الألمانية سارعت إلى تقديم تسهيلات خصوصا للسوريين ووفرت حكومات الولايات ٤٠ ألف مكان إضافي للإقامة.
 وأسهمت الدولة في تطويق المتخوفين والمتعصبين بالقول إن ألمانيا تحتاج إلى شباب وعائلات وأيدٍ عاملة وأن موجة اللجوء لن تؤدي إلى تقليص الخدمات أو زيادة الضرائب.

أضاف الأستاذ شربل أن السلطات الألمانية تسارع إلى توفير مقر إقامة مؤقت للواصلين، فتستقبلهم في مدارس أو صالات رياضية أو أبنية أخلتها الشرطة،
 بعدها تستمع محكمة إلى طالب اللجوء وتسأله عن هويته وظروف مغادرته،
 تسأل السوريين حاليا عما تعرضوا له في بلدانهم وما إذا كانوا شاهدوا جرائم وعمليات تعذيب.

 في الإقامة المؤقتة يحصل اللاجئ على طعام مجاني ورعاية طبية و١٤٠ يورو شهريا.
ولدى حصوله على الإقامة يعامل وكأنه ألماني عاطل عن العمل.
 تأمين صحي وبدل لاستئجار بيت وفق مواصفات معينة ومصروف شهري قدره ٣٦٠ يورو لمن هو فوق الرابعة والعشرين ولا يقل المبلغ عن مائتين لكل طفل.
 تعطى الملاجئ فرصة تعلم اللغة الألمانية على نفقة الدولة، فضلا عن بطاقة مخفضة لاستخدام وسائل المواصلات.

مما ذكره أيضا أن سياسة ميركل ومواقفها جعلت الحكومة والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام تتعامل برحابة مع اللاجئين الواصلين.
 لذلك تنادي أطباء من برلين لمساعدتهم واستجاب لندائهم ألف طبيب وبينهم عدد من أصل عربي.

من ثَمَّ فإنها نجحت في إيجاد جو إيجابي حاصر المتخوفين من تسلل إرهابيين بين اللاجئين أو من «موجة إسلامية» ستغير مع الوقت وجه ألمانيا بفعل عمليات لم الشمل.
وخلص من ذلك إلى أنها اتخذت قرارا تاريخيا كبيرا هو أن تكون ألمانيا في السنوات المقبلة متعددة وملونة.

أيا كانت الدوافع الأخرى التي دفعت السيدة ميركل إلى تبني ذلك الموقف، فالذي لا شك فيه أن العامل الأخلاقي والإنساني كان له حضوره بينها.

 ولم يكن الأمر مقصورا على النبل الأخلاقي فحسب، لأن إعلان ذلك الموقف والالتزام به احتاج إلى شجاعة من نوع خاص.
 ذلك أن السيدة تنتمي إلى حزب (الديمقراطي المسيحي) له قواعده التي لم يرحب بعضها بسياستها،

 ثم إن لها معارضين وخصوما يتصيدون، فضلا عن أن موقفها كان بمثابة سباحة ضد التيار في أوروبا التي تنافست بعض دولها في إقامة الحواجز والأسوار لوقف تدفق اللاجئين،
 فضلا عن أنها تعج بالحركات اليمينية التي تثير المخاوف مما أسمته «أسلمة أوروبا»، إلى جانب التحذير مما يوصف بأنه إرهاب إسلامي.

هذه الرحابة التي أشاعتها المستشارة الألمانية في أوساط بلادها كان لها صداها في أنحاء أوروبا، سواء على صعيد النخبة السياسية أو في أوساط الرأي العام بصورة أو أخرى.

لذلك أزعم أنه إذا ما حدث بعض التعقل والتصرف المسؤول من جانب الدول الأوروبية في موضوع اللاجئين، فسيظل لهذه السيدة ابنة القس اللوثري نصيب فيه.

ولا غرو والأمر كذلك أن تسلط عليها الأضواء بقوة في المرحلة الراهنة، رغم أنها ظلت تصنف باعتبارها أقوى امرأة في العالم طوال السنوات من ٢٠١١ وحتى ٢٠١٥، طبقا لإعلان مجلة فوربس الاقتصادية ذات الشهرة العالمية في ذلك المجال.

حين أعلنت موقفها إزاء تسونامي اللاجئين، نشرت مجلة «سليت» الفرنسية مقالا للكاتب دانيال فرنيه مترجم الحياة الشخصية للإعلام تساءل فيه عما إذا كانت السيدة ميركل لغزا يصعب اختراقه أم شخصية معقدة.
وذكر أنها حين أطلقت العنان لقيمها المرجعية والتزامها الأخلاقي فإنها تصرفت بمسؤولية، واحترمت القواعد المعمول بها، ولم تسمح لأي منهما أن يعتدي على حدود الآخر.

الشجاعة التي أبدتها السيدة البالغة من العمر 61 عاما، ظلت سمة لها لازمتها طيلة حياتها، منذ عملت نادلة في حانة أثناء دراستها للفيزياء في جامعة كارل ماركس،
وحين شقت طريقها في مجال الدراسات الفيزيائية والسياسية،
واحتفظت في زواجها الثاني بلقب زوجها الأول وزميلها في الدراسة خلال السبعينيات اولريش ميركل، وتدرجت في مراتب الحزب ومواقع السلطة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

حين يقارن المرء الصورة التي رسمها رئيس تحرير جريدة الحياة بتلك التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي للاجئين السوريين وهم مكدسون في بعض أقسام شرطة المدن الساحلية، ينتابه شعور بالحزن والخزي،
إلا أنني تداركت الأمر بعد ذلك وقلت إن السلطات لم تخصهم بتلك المعاملة المهينة، لأنها عاملتهم بمثل ما تعامل مواطنيها.
وهو ما نبهني إلى أن المشكلة ليست في المقارنة بين أوضاع اللاجئين عندهم وعندنا، ولكنها أعمق من ذلك بكثير، لأن المقارنة الصحيحة تكون بين موقع الإنسان واحترام كرامته في الحالتين.

لا يكفي أن تظل السيدة ميركل أقوى امرأة في العالم، لأن موقفها في قضية اللاجئين يرشحها بجدارة لنيل جائزة نوبل للسلام.
ليتهم يعطونها ما تستحق.

.............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar