Subscribe:

Ads 468x60px

08 سبتمبر، 2015

حقيقة أخرى ضائعة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 25 ذو القعدة 1436 9 سبتمبر 2015
حقيقة أخرى ضائعة - فهمي هويدي

بين أيدينا الآن شهادتان متناقضتان بشأن الأوضاع في سجن العقرب الذي يوحي اسمه بما لا يسر أو يطمئن.

الأولى صدرت عن المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر أعلنها في مؤتمر صحفي عقده يوم ٢٧ أغسطس الماضي وكانت في صالح السجن ووزارة الداخلية.
حيث فهمنا منها أن الأمور تسير هناك بصورة عادية لا مخالفة فيها ولا مؤاخذات،
فحقوق النزلاء محفوظة والرعاية الطبية مكفولة وكل شيء على ما يرام.

 الشهادة الثانية لها مصدران،
أحدهما الأستاذ محمد عبدالقدوس عضو المجلس الذي كان ضمن الوفد الثلاثي الذي زار السجن
 وأصدر بيانا في ٢٨/٨ نقض فيه ما ذكر في المؤتمر الصحفي،
وشكك في صحة المعلومات التي أعلنت.

 المصدر الآخر هو اللقاء الذي دعت إليه مؤسسة حرية الفكر والتعبير يوم ٢ سبتمبر، وهي منظمة حقوقية تعمل في ظل القانون.
وكان عنوان اللقاء هو: اسمعوا منهم.
 إذ دعت بعض أمهات وأهالي المسجونين، وطلبت منهم ان يدلوا بشهاداتهم ويخبروا الحاضرين بانطباعاتهم ومعلوماتهم عن أوضاع أبنائهم.

وكانت حصيلة الشهادات معاكسة تماما لما أعلن في مؤتمر اللجنة الممثلة للمجلس القومي.

وفي حين جاء بيان محمد عبدالقدوس مشككا في معلومات ومواقف تقرير المجلس فإن كلام الأمهات ذهب إلى أبعد، حتى بدا تكذيبا لتلك المعلومات.
حتى أن من يتابع الحدثين يجد أن بيان المجلس القومي صور سجن العقرب بأنه أقرب إلى الفندق أو المنتجع في حين أن كلام الأمهات صوره باعتباره في منزلة بين المسلخ والمقبرة.

لا يغيب عن البال أن المجلس القومي معين من قبل الحكومة وان مجاملته لها أمر قد يكون مفهوما،
 ولكن هناك فرقا بين المجاملة وبين قلب الحقائق، خصوصا حين يتعلق الأمر بكرامات البشر وحقوق الإنسان.

كما اننا نستطيع ان نتفهم مشاعر الأمهات والزوجات حين يرون ذويهن أثناء المحاكمات أو أثناء الزيارات الخاطفة،
 الأمر الذي يبرر مشاعر الصدمة ويبرر الجنوح إلى المبالغة.
وإذا صح ذلك فإنه يضعنا أمام مبالغـــــتين.

مبالغة المجلس القومي في مجاملة الحكومة، ومبالغة الأمهات والزوجات في تصوير معاناة ذويهن،
وبين هذه وتلك تتوه الحقيقة ويتعذر علينا أن نكون رأيا منصفا وموضوعيا.
وحين يحدث ذلك فإن الباب يتفتح على مصراعيه للبلبلة والشائعات وسوء الظن.

وفي هذه الحالة فإن المسألة لا تكون مقصورة على سجن العقرب ونزلائه، لأن الأمر وثيق الصلة بقضية حقوق الإنسان التي باتت محل لغط كثير ليس في مصر وحدها وإنما في المحافل الدولية أيضا.
ولعلها إلى جانب قضية الديمقراطية تشكلان أهم مصادر تجريح النظام القائم،
ناهيك عن انهما يستخدمان ضمن الشواهد الدالة على إجهاض ثورة ٢٠١١، وعودة سيات النظام القديم التي فجرت الثورة.

ما عاد سرا أن المجلس القومي لحقوق الإنسان لم يعد محل ثقة الكثيرين،
والفجوة صارت واسعة للغاية بين ذلك المجلس المعين وبين المنظمات الحقوقية المستقلة، حتى صار الطرفان يقفان على طرفي نقيض.

وعزز الشكوك ان وزارة الداخلية دأبت على استخدام المجلس في محاولة تحسين صورتها وتبرير سياساتها.
وحين قامت الوزارة بتصوير الزيارة الأخيرة خلافا لما هو متفق عليه ثم استخدمت الشريط المصور للدعاية للداخلية، فإنها وضعت المجلس في موضع التابع لإدارة العلاقات العامة بالوزارة وقوضت ما تبقى له من سمعة.

التفكير المحايد في الموضوع الذي يسعى إلى الإنصاف وإظهار الحقيقة يدعونا إلى البحث عن صيغة أو إطار لتحري الأمر بعيدا عن تحيزات المجلس القومي أو انفعالات الأمهات وآراء المتضررين.

ويخطر لي في الصدد أن أدعو إلى تشكيل لجنة مستقلة تمثل فيها نقابتا الأطباء والمحامين وتضم ممثلين عن المنظمات الحقوقية المستقلة، لكي تستمع إلى وجهات نظر أطراف الموضوع، وتقوم بزيارة سجن العقرب وغيره من السجون والنزلاء في زنازينهم وليس في غرف الاستقبال وفي ظل رقابة ضباط الأمن.

وإذا أعطيت الحرية لهؤلاء لكي يتقصوا الحقائق داخل السجون وخارجها، فسيكون بوسعنا أن نطمئن إلى خلاصة جهودهم.
وبغير ذلك فإن الشبهات والشكوك ستستمر، والمرارات والأحزان ستتراكم، ولن نتوقع خــــيرا بعد ذلك.

في أوساط الحقوقيين والمعنيين بالأمر إن ما يحدث في السجون من قهر أو تنكيل ليس إجراءات يباشرها رجال الشرطة من أنفسهم، ولكنها سياسات للنظام تترجم في كل قطاع بأدواته.

وإذ أثبتت التجربة أن ذلك نظر صائب وتقييم صحيح فإن المشكلة لن تكون في تشكيل لجنة بالمواصفات التي ذكرتها، ولكنها ستتمثل في القرار السياسي الذي يحدد الوجهة ويرسم المسار ويحدد جهات التنفيذ.

وإذا صح ذلك فإننا لا ينبغي أن نخاطب الداخلية وحدها، ولكننا سنصبح مدعوين لأن نرفع السقف بعض الشيء، لكي نخاطب الجهات الأعلى التي ترسم السياسات التي تتولى الداخلية تنفيذها.

وأرجو ألا يسألني أحد عن العنوان الصحيح في هذه الحالة.
.........................

3 التعليقات:

م/محمود فوزى يقول...

الأمر لايستحق البلبله او الحيرة
فهناك حقيقه تؤكد روايه الأمهات بل ربما تتجاوزها لمستوى أسوأ
والحقيقه هنا انه يوجد أكثر من 250 شخص ماتوا داخل السجون خلال العامين الماضيين فقط
وهذا رقم قياسي لم يحدث في أيام مبارك نفسه
فهل هذا امر طبيعي ام أنه يرشدنا الى طبيعه التعامل داخل السجون
هذا بالطبع بخلاف حالة المتهمين التى تبدو واضحه للعيان

Gamal Mohammed يقول...

|Am appalled an disappointed on how you have approached the issue at hand, what the mothers and wives are experiencing can not and should not be described as exaggeration, asking for an independent group to be formed and for it to verify the abuse of human right under the repressive dictatorship and at best naive both you and I know such a group would not be allowed to expose the regime. | am not sure what is the purpose of this article at all.

الأمير يقول...

الاستاذفهمي هويدي حين يتحدث عن رأيه الشخصي فانه يكون عادلا و مستوعبا للحقيقة و مقرا بها و له العديد متتامتان التي فضح فيها جرائم سجون و أقسام مصر ... و لكنه حين يتحدث عن أحكام عامك فان قواعد المهنية التي طالما التزم بها تفرض عليه التحدث بمنطق القضاء و الأدلة القاطعة و المستقلة و لذلك فهو يعرض شهادات الطرفين و يطالب بتحقيق و يدل علي مواطن الخطأ و القصور في كلا الطرفين بشكل حيادي حتي و ان كان في نفسه يعرف الحقيقة ... و لدلك يظل الاستاذ فهمي هويدي قامة شامخة من قامات الاعلام النزيه و المحايد الصادق ... وفقه الله

Delete this element to display blogger navbar