Subscribe:

Ads 468x60px

30 أغسطس، 2015

جهات مجهولة وأسباب غامضة

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 15 ذو القعدة 1436 – 30 أغسطس 2015
جهات مجهولة وأسباب غامضة - فهمي هويدي

أضم صوتي إلى المتضامنين مع العالم المصري الدكتور محمد منير مجاهد، نائب رئيس هيئة المحطات النووية، الذي تم استبعاده من منصبه بناء على أوامر سيادية، نظرا لوجود تحفظات أمنية عليه.

وأزعم أن تضامن نفر من المثقفين والهيئات العامة مع الرجل يعد ظاهرة إيجابية وصحية. باعتبار أن ذلك إذا لم يؤد إلى التراجع عن قرار الاستبعاد، وهو الأرجح لأن أوامر تلك الجهات المجهولة لا ترد، فإنه سوف يطمئنه إلى أنه لا يقف وحيدا، وأن هناك أصواتا في المجتمع تسانده وتستنكر الإجراء الذي اتخذ بحقه.

كذلك فإنني أتفهم جيدا وأعبر عن تقديري للرجل الذي رفع صوته بالاستنكار وطالب بالتحقيق معه فيما نسب إليه، مضيفا أنه لا يطالب بتجديد تعاقده مع هيئة الطاقة النووية، لكن يرفض أن يستبعد بسبب الاعتبارات الأمنية، لأنه يرفض التشكيك في وطنيته.

لقد أحسن الرجل حين لم يصمت وإنما شرح موقفه وقضيته للرأي العام حين نقلت عنه وسائل الإعلام أن رئيس هيئة المحطات النووية أبلغه في منتصف شهر يوليو الماضي بقرار استبعاده بسبب الأوامر السيادية والتحفظات الأمنية.

 أضاف أنه التقى بعد ذلك وزير الكهرباء الذي أبدى دهشته الشديدة مما جرى ــ على حد قوله ــ وأخبره بأنه سيتابع الموضوع وسيبلغه، إذا عرف، باسم الجهة الأمنية التي تحفظت على مشاركته في المشروع، والأسباب التي دعتها إلى ذلك.

لم يكتف الدكتور مجاهد بذلك لأنه وجه رسالة إلى رئاسة الجمهورية طالب فيها بإخطاره باسم الجهة الأمنية التي تحفظت على مشاركته في مشروع محطة «الضبعة» وأسبابها في ذلك.

وألح في المطالبة بإجراء تحقيق مستقل حول ما جاء في مسوغات استبعاده للتأكد من صحتها.

وفي التصريحات التي نقلتها على لسانه جريدة «التحرير» يوم الجمعة ٢٨/٨.
قال الرجل إنه بعد مضى شهر من مطالباته تلك فإنه لم يتلق ردا لا من وزير الكهرباء ولا من رئاسة الجمهورية.

تجدد القصة لدينا مشاعر الحيرة والقلق.
الحيرة إزاء تلك الجهات الغامضة التي تتخفي وراء عناوين فضفاضة لا تقل غموضا، بما يفتح الباب واسعا للتأويل وإساءة الظن.
ذلك أنني أتحدى أن يوضح لنا أي مسؤول أو خبير في القانون أن يبين أصل ومضمون الجهات السيادية، التي يمكن أن تندرج تحتها جهات عدة تتراوح بين جهاز الأمن الوطني إلى رئاسة الجمهورية مرورا بمختلف أجهزة المخابرات والرقابة.

وإذا صح أن وزير الكهرباء فوجئ بقرار استبعاد الدكتور منير مجاهد رغم أنه يعمل في جهة يفترض أن للوزير علاقة بها. فينبغي أن نقلق حين نقرأ أن قرارا من ذلك القبيل صدر دون علم الوزير،
ويظل القلق مستمرا حين يعجز الوزير عن أن يجد تفسيرا لما جرى، فلا يعرف من هي الجهة التي أصدرت القرار ولا يحاط علما بأسباب استبعاد العالم الكبير، فيحجم عن الرد على تساؤلاته.

وإذا كانت رئاسة الجمهورية تعلق أحيانا على بعض البرامج التليفزيونية، فكان أولى بها أن ترد على رسالة عالم بحجم ووزن الدكتور منير مجاهد، لكي تحفظ للرجل كرامته وترد اعتباره.

عندي ملاحظتان في الموضوع ألخصهما فيما يلي:

*
أن ما جرى مع الدكتور مجاهد ليس ظاهرة استثنائية ولكنه سلوك بات شائعا في ظروف مصر الراهنة.
إذ لم يعد مستغربا أن يقصى أي شخص من منصبه مهما علا مقامه أو كان وزنه العلمي والثقافي تنفيذا لأوامر الجهات السيادية أو الأجهزة الأمنية.

 كما أن الغموض الذي يحيط بأسباب الإقصاء بدوره ليس أمرا استثنائيا. لأنه صار القاعدة المعمول بها.
ولأنها لا تخضع لأي حساب وهى أيضا فوق القانون، فهي ليست مطالبة بأي إيضاح أو تفسير.
وإذا سكتت فلا توجد جهة في البلاد تجبرها على الكلام.

وهذا المصير الذي انتهى إليه الدكتور مجاهد سبقه إليه جيش من العلماء والمهنيين والموظفين الكبار والصغار الذين أقصوا من مناصبهم تنفيذا لأوامر الجهات المجهولة، التي صدرت لأسباب مجهولة،

ورغم أن ذلك أدى إلى هدم مستقبل هؤلاء الضحايا إلا أنه يشكل في الوقت ذاته إساءة بالغة إلى النظام القائم سواء فيما يخص احترامه لكرامات الناس أو احترامه لقيمة القانون.

استطرادا أضيف أن ما جرى للعالم الكبير أمر سيئ للغاية، إلا أنه بالمعيار النسبي يظل أفضل من غيره. ممن زج بهم في السجون ولفقت لهم القضايا ودمرت حياتهم المهنية، فضلا عن العائلية وأودعوا وراء الشمس لآجال غير معلومة.

*
الملاحظة الثانية أنني وجدت أن كثيرين ممن أعربوا عن غضبهم ورفعوا أصواتهم احتجاجا على ما جرى للدكتور منير مجاهد، لم نسمع لهم صوتا ولم يعبروا بأي صورة من صور التضامن والاحتجاج حين لقى نفس المصير مئات أو آلاف الأشخاص الآخرين.

أتحدث عن المثقفين اليساريين والليبراليين الذين هبوا للدفاع عن قضيته، في حين سكت أغلبهم أو صفقوا حين عصفت الأوامر السيادية والقرارات الأمنية بآخرين من مخالفيهم.

علما بأن هؤلاء أنفسهم ما برحوا يطالبون بإطلاق سراح أفراد بذواتهم من المحبوسين ظلما في حين لا يشيرون بكلمة إلى مظلومية مئات أو آلاف الأبرياء الآخرين الذين يتوزعون على مختلف السجون.

وذلك أحد أوجه أزمة النخبة في مصر الذين نكتشف في بعض الاختبارات أن بعضهم يدافع عن شلّته أو جماعته ولا يدافع عن قيمة أو مبدأ.

في هذه الحالة فإنني أرجو ألا أكون مبالغا أو متجنيا إذا صنفتهم ضمن المنافقين وليس المناضلين.
.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar