Subscribe:

Ads 468x60px

16 أغسطس، 2015

الرقابة للجميع

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 1 ذو القعدة 1436 – 16 أغسطس 2015
الرقابة للجميع - فهمي هويدي

في المكسيك قاموا بتركيب كاميرات في الشوارع لضبط الذين يلقون فيها القمامة والنفايات،
وفي مصر قررت وزارة الأوقاف تركيب كاميرات في المساجد الكبرى لمراقبة المصلين.

الخبر الأول نقلته الوكالة الفرنسية من العاصمة المكسيكية «مونتيري»،
وذكرت فيه أن رئيس إحدى البلديات في شمال البلاد (بلدية سان نيكولا دى لوغارزا) وجد أن أفضل وسيلة لضمان نظافة المدينة هي تركيب تلك الكاميرات لالتقاط صور المخالفين لفضحهم من خلال وضع الصور في «لوحات الخزي» لكي يصبحوا محل ازدراء المجتمع واحتقاره.

وهذا الإجراء لجأ إليه بعدما لم تفلح الغرامات وحملات التوقيف في ردع المخالفين.
ذلك أن النظام المتبع يقضي بتجميع النفايات كل صباح بواسطة شاحنات يعلن على السكان وصولها بحيث يخرج كل منهم لوضع نفاياتهم فيها،
إلا أن البعض يستسهل إلقاء النفايات في الشوارع أثناء الليل لتتولى الشاحنات نقلها بعد ذلك.

وفي ظل الوضع المستجد فإن الكاميرات سترصد صور هؤلاء لمعاقبتهم بالغرامة والتوقيف.
لكنه إذا ارتكب المخالفة ثلاث مرات فسوف تعلق صورته في إحدى لوحات الخزي، التي كتبت عليها عبارة تقول:
 تم إيقافه بسبب وساخته!

الخبر الثاني نشرته جريدة الشروق يوم الجمعة الماضية(١٤/٨)، حيث أبرزته على صفحتها الأولى تحت العنوان التالي:
 الأوقاف تتابع المساجد الكبرى بكاميرات لمراقبة الأئمة.

وفي الخبر أن وزارة الأوقاف أصدرت بيانات ذكر أنها اتخذت هذه الخطوة التي أبلغت بها المديريات الفرعية ضمن خطة لرصد الحركة في المساجد خاصة من قبل الجماعات المتشددة.

وأشار البيان إلى أن البنوك والشركات و«المولات» تقوم بتركيب الكاميرات للمراقبة ولا أحد يعتبر ذلك انتهاكا.

ذكر البيان أيضا أن القرار سيتم تطبيقه بالمساجد الكبرى في القاهرة التي توجد بها صناديق للنذور يخشى تعرضها للسرقة.
وسيطبق بعد ذلك بالمساجد الكبرى بالمحافظات تمهيدا للتوسع في تطبيق القرار على جميع المساجد بعد ذلك.

قبل التعليق على الفكرة لدى ملاحظتان على بيان وزارة الأوقاف.

 الأولى أن المقارنة بين المساجد والبنوك والشركات والمولات في غير موضعها، لأن جمهور الذاهبين إلى المساجد له مقاصد مختلفة تماما عن عملاء البنوك والشركات.
وإذا كان تأمين الأخيرين مفهوما إلا أن تصوير الأولين مستغرب.

 الملاحظة الثانية أن البيان أعطى انطباعا في البداية بأن الغرض من التصوير في المساجد هو حماية صناديق النذور من السرقة، ثم ذكر بعد ذلك أن التجربة ستعمم على كل المساجد،
 الأمر الذي يعني أن الحديث عن تأمين صناديق النذور مجرد ذريعة لتغطية هدف مراقبة المصلين،

علما بأن مراقبة الخطباء والأئمة ليست واردة ولا تحتاج إلى كاميرا لأن خطب الجمعة تسجل على الخطباء بوسائل أخرى، وليس هناك ما يبرر أن تسجل بالصورة فضلا عن الصوت.

ولا تنس أن الخطيب ما عاد يعتلي منبره إلا بعد الحصول على تصريح يسمح له بذلك.
ولا تصدر التصاريح إلا بعد اتخاذ التحريات اللازمة، ناهيك عن أن الخطبة ذاتها معروف موضوعها وأولها وآخرها مسبقا.
وإذا صح هذا التحليل فهو يعني أن الهدف الحقيقي من العملية هو مراقبة المصلين فقط.

فكرة تركيب الكاميرات في الأماكن العامة ليست جديدة، ذلك أنها منتشرة حقا في المحال التجارية والأسواق فضلا عن الشوارع المهمة. وهو ما يتم لأسباب أمنية مفهومة.
 لكن تركيبها في المساجد أمر غير مألوف (ليس معروفا وضع الكنائس في هذه الحالة).

وقد قيل لي إن الجامعات باتت تحفل بمثل تلك الكاميرات التي تراقب الطلاب وتصور المتظاهرين ومنظميها. وذلك بدوره أمر غير مألوف.

وإذا كانت الكاميرات التي يتم تركيبها في الأماكن العامة يراد بها حماية المشروعات الاقتصادية وتأمين المجتمع ضد الخارجين على القانون،
 فإن التوسع في العملية والذهاب إلى حد تصوير المصلين رواد المساجد أو تصوير الطلاب في الجامعات أمر لا يفسر إلا بأنه نوع من ترهيب ناقدي النظام ومعارضيه،
الأمر الذي يشيع حالة من الخوف بين المصلين وطلاب الجامعات.

ولك أن تتصور النتائج المترتبة على إشاعة ذلك الخوف.
 ذلك أني سمعت من أحد الموظفين قوله إنه قرر ألا يؤدي الصلوات في المسجد القريب من بيته الذي اعتاد على أن يتردد عليه كلما سنحت له الفرصة.

ولكي يتجنب أن يصبح محلا للاشتباه أو المساءلة فإنه قرر الاكتفاء بأداء صلاة الجمعة فيه فقط.
ولن يؤديها في مسجد واحد أخذا بالأحوط، وإنما سيختار مسجدا مختلفا في كل مرة.

تخويف طلاب الجامعات له آثاره الأسوأ في المدى البعيد.
 ذلك أن هؤلاء الذين يراد تكميمهم وتدجينهم وهم في سنوات الدراسة يفترض أنهم قادة المستقبل الذين تعلق عليهم الآمال في الغد الأفضل.
وحين يجرى تشويههم وإخصاؤهم من الآن فإنهم سيصبحون عبئا على المستقبل وأحد مصادر النكوص وخيبة الأمل.

إن المصلي الذي يخاف الله حين يدرك أن الكاميرات تراقبه سيصبح ضحية الخوف من الحكومة.
وطالب الجامعة الذي يخضع للمراقبة سيتحول إلى فأر مذعور لا شخصية له ولا رأى ولن يستشعر الأمان إلا إذا انبطح وصار جزءا من القطيع.

هذا إذا لم يدفعه الخوف لأن يصبح مرشدا للأمن وجاسوسا على زملائه.
ولا تنس أن دعوة من ذلك القبيل وجهت إلى طلاب الجامعات وصنف المستجيبون لها ضمن الطلاب «الوطنيين»!

لو ترك الحفاظ على الأمن لرجال الأمن
ــ ولو صرف وزير الأوقاف الجهد الذي يبذله لرقابة المساجد والمصلين في محاولة الارتفاء بمستوى الخطباء وتحسين الخدمة بالمساجد.
ولو انشغل المديرون والعمداء بتحسين العملية التعليمية واستعادة الجامعات مكانتها الجليلة.

لو أدى كل مسؤول واجبه الوظيفي كما يجب، لكان للبلد شأن آخر.
 لكن أغلب أولئك المسؤولين تحولوا إلى قيادات أمنية.
وحولوا مسؤوليهم إلى مرشدين ومخبرين واعتبروا ذلك معيارا للولاء والثقة

 ــ إننا نسرع الخطى على طريق الندامة.
.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar