Subscribe:

Ads 468x60px

15 أغسطس، 2015

ترزية التاريخ

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 30 شوال 1436 – 15 أغسطس 2015
ترزية التاريخ – فهمي هويدي

من يتابع ما نشرته وسائل الإعلام المصرية خلال الأيام السابقة على حلول ذكرى فض اعتصام رابعة (أمس ١٤ أغسطس) لا تفوته ملاحظة أن الذي قيل هذا العام هو ذاته الذي قيل في العام السابق مع بعض الإضافات القليلة.
فقد تكرر الكلام عن التحريض ضد الجيش والشرطة، وتخزين السلاح، ومبادرة المعتصمين إلى مهاجمة الشرطة التي «اضطرت» إلى استخدام السلاح دفاعا عن النفس.. إلخ.

إلا أن متحدثا على أحد القنوات ذهب إلى أبعد يوم الأربعاء الماضي ١٢/٨، حين قال إن المعتصمين سهلوا الدعارة وأقاموا خياما للنكاح،
 كما أقاموا خياما أخرى لتيسير تعاطي المخدرات.

وكان ذلك اكتشافا جديدا لم يذكر من قبل وانفرد به المتحدث «حصريا».
لا يهم أن يكون القائل في هذه الحالة مديرا سابقا لاتحاد كرة القدم، لأن الأهم أن الكلام جرى بثه تليفزيونيا، وأن المجال والأجواء العامة باتت تحتمل الترويج لمعلومات من ذلك القبيل.

لأن معالجات الحدث في الإعلام تتم في ظل الظروف التي تعرفها، فإن الأمر يمكن أن يكون مفهوما.

ذلك أن أي متحدث بات بوسعه أن يطلق العنان لخياله، ويأخذ راحته في تقييم ما جرى والمزايدة على الجميع في عرض الوقائع. ولا تثريب عليه في ذلك ولا لوم؛
إذ طالما أنه راكب للموجة ومدرك لاتجاه الريح فإنه سيظل في السليم. حتى إشعار آخر على الأقل.

والأمر كذلك. فليس مستغربا أن يعيد المتحدثون والمعلقون سرد ما قالوه في العام الماضي بتفاصيله وأحيانا بنصه.

ويظل الباب مفتوحا على مصراعيه لزيادة العيار حبتين أو أكثر ـ كما نقول ـ بحيث يتم التصعيد في الدرجة مع ثبات الحفاظ على النوع.

ولأن الأمر كذلك فإنني أستطيع أن أسجل الآن مضمون وعناوين ما ستنشره أو تبثه وسائل الإعلام حين تحل المناسبة في العام القادم طالما ظلت الأوضاع السياسية كما هي.
خصوصا أنني أتصور أن جعبة الهجاء أفرغت ما فيها،
إذ بعد إضافة تسهيل الدعارة وتعاطي المخدرات في سيناريو العام الحالي، فإن خيالي لا يتوقع أكثر من ذلك في سيناريو العام القادم أو الذي يليه.

ليس عندي أي دفاع عما جرى في رابعة سواء من جانب المعتصمين أو الذين فضوا الاعتصام.

لكن أستطيع أن أقرر أمرين،
الأول أننا نقرأ وقائع الحدث من وجهة نظر واحدة، هي بالدرجة الأولى وجهة نظر النظام القائم والمؤسسة الأمنية، في حين لن يتاح لأي باحث منصف أو محلل موضوعي أن يكوِّن رأيا إلا بعد أن يستمع إلى وجهة النظر الأخرى التي هي مغيبة ومحجوبة في الوقت الراهن. الأمر الثاني أن هناك اختلافا في توصيف ما جرى. يختلف باختلاف موقع المتحدث.

فالضحايا والحقوقيون المستقلون يصفونه بأنه «مذبحة»،
أما الموالون للسلطة، وهم الأغلبية الساحقة في وسائل الإعلام، فإنهم يصفونه أحيانا بأنه موقعة، ومنهم من يعتبره عدوانا على الشرطة والجيش. أو حلقة في مسلسل إشاعة الفوضى لإسقاط الدولة.

النقطة التي تهمنا في الموضوع هي أن التاريخ المعتمد والموثوق فيه هو وحده الذي تتجرد كتابته من الهوى السياسي.

وإذا كان معلوما أن الحقيقة تظل أولى ضحايا الصراعات فإنه في المجتمعات غير الديمقراطية بوجه أخص يصبح ذلك التجرد في كتابة التاريخ مستحيلا، ذلك أنه لابد أن يستلهم وجهة نظر السلطة ويعبر عنها. بحيث يصنف الكتاب في هذه الحالة ضمن «ترزية التاريخ»،

وهو ما أبرزه جورج أورديل في روايته الشهيرة (١٩٨٤) الذي صور فيها واقع إنجلترا إذا ما خضع لحكم النازي.
وكانت «وزارة الحقيقة» هي التي تكتب التاريخ وتتولى صياغة وقائعه بحيث يظل «الأخ الأكبر» هو محوره ومحركه دائما.

أشرت من قبل عما قرأته بخصوص التجربة الإسبانية.
ذلك أن إسبانيا خضعت لحكم الجنرال فرانكو في أعقاب الحرب الأهلية بين الجمهوريين واليمينيين التي استمرت بين عامي ٣٦ و٣٩،
وخلال سنوات حكمه التي استمرت حتى عام ١٩٧٥ فإن الرجل فرض على المجتمع روايته لوقائع وسنوات الصراع بين الجانبين، حيث أدى الجمهوريون فيها دور الشيوعيين الأشرار في حين قدم اليمينيون باعتبارهم المنقذين والطيبين والأبرار.

وحين مات الرجل في ذلك العام كان المجتمع منقسما بحيث بدا أن ذلك الانقسام الذي هدد الوحدة الوطنية يشكل عقبة في سبيل إقامة الديمقراطية في البلاد.

وأدركت النخبة الحاكمة أن الطريق إلى تحقيق الوحدة المنشودة وإعادة الاصطفاف الوطني لا سبيل إلى تحقيقهما إلا بإعادة كتابة التاريخ الحقيقي والصحيح للمجتمع الإسباني.

ولتحقيق ذلك الهدف شكلت عدة لجان وعقدت جلسات استماع تحدث فيها الشهود الأحياء
وانتهى الأمر بطي صفحة التاريخ الذي روج له فرانكو وجماعته، وتم التوافق على رواية للحقائق كما كانت وليس كما صاغتها آلته السياسية.

الشاهد أنه في المجتمعات غير الديمقراطية فإن الطرف المتغلب ـ شأن أي منتصر ـ هو الذي يكتب التاريخ
أما في ظل الديمقراطية فإن المجتمع هو الذي ينهض بتلك المهمة من خلال أهل الاختصاص والخبرة الذين ينتخبهم.

بسبب من ذلك فأزعم أننا سنحتاج إلى وقت طويل نسبيا لكي نقرأ التاريخ الحقيقي للأحداث التي أعقبت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وليس لاعتصام رابعة والنهضة فحسب.

ورغم الجهد المتميز الذي بذلته لجنتا تقصى حقائق أحداث ثورة ٢٠١١ ومرحلة حكم المجلس العسكري، إلا أن ذلك الجهد الذي جرى التعتيم عليه يغطى مرحلتين فقط من مسيرة ما بعد الثورة. ولا يزال الغموض يكتنف المراحل الأخرى.

 وإلى أن تستعيد مصر انخراطها في المسار الديمقراطي فإننا سنظل نستقبل ما يجرى الترويج له باعتباره القراءة السياسية للتاريخ كما يراها الطرف المتغلب.
وليس القراءة الواقعية المجردة عن الهوى التي تتحرى الحقيقة بخيرها وشرها ولا تميز بين الغالب والمغلوب.
................

5 التعليقات:

نبيه البكري يقول...

ياحاج فهمي لا تذ كر الدمقراطية ثانية لانه لو حصلت في مصر سيكون ذلك من علامات القيامه الكبري خلينا في العلامات الصغري

نبيه البكري يقول...

ياحاج فهمي لا تذ كر الدمقراطية ثانية لانه لو حصلت في مصر سيكون ذلك من علامات القيامه الكبري خلينا في العلامات الصغري

م/محمود فوزى يقول...

أعتذر عن نشر المقال دون ضبط وقد أعدت نشره الان

م/محمود فوزى يقول...


لى تحفظ على نقطه من كلام الاستاذ فهمي هويدي مع احترامي الكامل له
حيث قال
(أن هناك اختلافا في توصيف ما جرى. يختلف باختلاف موقع المتحدث.)
وما يفهم من الجمله ان الامر ملتبس وغامض
بينم الواقع أبشع مما يتخيل أحد ولا يحتمل أي لبس
فالمذبحه اذيع جزء منها على الهواء (بطريقة ما) على اكثر من قناه
كما أن الجثث كانت واضحه للعيان
تم حرق المصابين احياء
هناك جثث متفحمه كثيره اقر بها الطب الشرعي نفسه
بل ان هناك من تم التعرف على جثة قريبه عن طريق تحليل _دي ان ايه – بسبب احتراق الجثه كاملة
وهى ليست أول مجزره وان كانت ابشعها فقد كان هناك قبلها الكثير مثل الحرس الجمهوري والمنصه
كما ان الاستاذ فهمي هويدي يقر بأن طرف السلطه يمنع تماما اى محاوله لتعقب الحقائق ويضطهد ويعاقب
فهل اذا كان لذيه نسبه من احتماليه الصدق فهل سيقوم بذلك؟


م/محمود فوزى يقول...

نبيه البكري
مازال هناك امل باذن الله
-وستعود للشعب حريته باذن الله

Delete this element to display blogger navbar