Subscribe:

Ads 468x60px

06 يوليو، 2015

يحدث في الكوكب الآخر

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 19 رمضان 1436 6 يوليو 2015
يحدث في الكوكب الآخر - فهمي هويدي

رفضت هيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي) دعوة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى عدم استخدام اسم الدولة الإسلامية في تسميتها لتنظيم «داعش».

 ورد المدير العام للهيئة توني هول هذه الدعوة في مقال له، نشر يوم السبت (٤/٧)، بقوله:
إن بي بي سي عندما تعرف مجموعة أو مؤسسة فإنها تأخذ في الاعتبار كيفية تعريفها لنفسها، مشيرا إلى إدراك الهيئة أن استخدام اسم الدولة الإسلامية وحده يعني وجود هذه الدولة والاعتراف بشرعيتها، وهذا تعبير غير دقيق..
 لذلك فإن الهيئة سوف تستخدم من الآن فصاعدا اسم الدولة الإسلامية «المزعومة»، لافتا إلى أن استخدام كلمة «داعش» قد يوحي بأن الهيئة تدعم التنظيم، وهو أمر مخالف لمبدأ الحياد الذي تحرص الإذاعة على الالتزام به.

كان كاميرون قد انتقد في حديث لإذاعة بي بي سي جرى بثه في ٢٩ يونيو الماضي هيئة الإذاعة البريطانية لوصفها تنظيم داعش بالدولة الإسلامية، قائلاً:
إن التنظيم ليس دولة إسلامية وإنما هو نظام رهيب وهمجي،
وبعدما أعلن موقفه وجه ١٢٠ نائبا في مجلس العموم رسالة إلى الإذاعة المذكورة قالوا فيها إنه «من الواجب عدم استخدام الدولة الإسلامية لأنه يعني إضفاء الاحترام على المتطرفين الإسلاميين بلا داعٍ»، وطالبوا باستخدام داعش عوضا عنه.

ملاحظة رئيس الحكومة البريطانية مهمة في ذاتها، ورد مدير الإذاعة البريطانية أهم في دلالته،
 فالرجل ــ ديفيد كاميرون ــ على حق في تحفظه على تسويق مصطلح الدولة الإسلامية، لأنه بالفعل تعبير مضلل وزائف، يشوه الإسلام ويوجه إليه إهانة بالغة.
 ليس أمام الغربيين فحسب وإنما أمام المسلمين أيضا.

(بالمناسبة فإنه من المؤسف والمخجل في ذات الوقت أن بعض الخصوم في مجتمعاتنا العربية تصيدوا ممارسات داعش واعتبروها نموذجا يسعى الإسلام السياسي لفرضه.
وفي سعيهم لتصفية حساباتهم المحلية وتخويف الناس من الإسلام السياسي، فإنهم ذهبوا إلى أن النموذج الذي قدمته داعش هو المثل الذي يتطلع الجميع لاحتذائه).

 ولست أشك في أن رئيس الوزراء البريطاني حين أبدى تحفظه ووجه باستخدام مصطلح «داعش» لم يكن يدافع عن صورة ومفهوم الدولة الإسلامية،
وأرجح أنه عارض استخدام تلك اللافتة لكي لا تشكل عنصر جذب لشباب وفتيات المسلمين في بريطانيا، الذين التحق بعضهم بالفعل بصفوف داعش تأثرا بجاذبية فكرة الخلافة والدولة الإسلامية التي تلهب خيالاتهم.

أما أهمية رد مدير هيئة الإذاعة فتكمن في أنه دافع عن استقلال تقاليد مؤسسته في مواجهة رئيس الحكومة، رغم الصلة المعروفة بين الـ«بي بي سي» والخارجية البريطانية.

فالرجل لم يعتبر كلام ديفيد كاميرون توجيهات أو أوامر لرئيس السلطة التنفيذية، وإنما هي مجرد وجهة نظر تسمع وتحترم ولا تلزم.
وكان الرجل موفقا حين آثر استخدام مصطلح الدولة الإسلامية المزعومة، لأنه جمع بين العنوان الذي اختارته الجماعة لتعرف به نفسها، وبين التقييم الموضوعي لشرعيتها التي لا تزال مجرد ادعاء مفروض بالقوة حتى الآن.

أدري أن الواقعة بسيطة في بريطانيا، ولولا أن وكالة الأناضول للأنباء أشارت إليها في أخبار السبت الماضي لمرت دون أن يشعر بها أحد.
لكني أزعم أنها عميقة الدلالة بالنسبة للقارئ العربي، الذي لا بد أن يدهشه أن يطلق رئيس الحكومة توجيها باقتراح معين فيرده مدير الإذاعة وينشر على الملأ حيثيات رفضه له.
وفي رده يعتبر أن تقاليد مؤسسته في حيادها الموروث أهم وأولى بالاتباع من اقتراح رئيس السلطة التنفيذية.

دهشة العربي مبررة، في ظل غياب مفهوم الفصل بين السلطات وتآكل فكرة استقلال المؤسسات داخل الدولة.

صحيح أن الدساتير المكتوبة في بلادنا درجت على أن تنص على فصل السلطات واستقلال المؤسسات، لكن خبرة الواقع دلت على أن أمثال تلك النصوص ليست سوى عبارات إنشائية أريد بها تجميل الواجهات في المحافل الدولية.

وهي ذات الخبرة التي صكت العبارة التي تقول إن كلام الرئيس رئيس الكلام، بمعنى أنه لا يحتمل نقدا ولا نقضا، وهو آخر كلام. في السياسة والقانون وفي الحرب والسلم وفي التشريع والقضاء.

في أهمية الفصل بين السلطات في النظام الديمقراطي يستشهد رجال القانون بما جرى للرئيس الأمريكى ليندون جونسون، حين دان وندد بالجرائم البشعة، التي ارتكبتها عصابة من المهووسين، كان يقودهم رجل غريب الأطوار هو تشالز مانسون.
وكانت أبرز ضحاياهم الممثلة الأمريكية شارون تايت، التي قتلوها مع آخرين.

 ذلك أن الرئيس جونسون كان قد أطلق تصريحاته أثناء نظر القضية أمام القضاء عام ١٩٧١.
لكنه ما إن فعلها حتى تعرض لعاصفة من الهجوم والتنديد من جانب المحامين، الذين انتقدوا كلامه، واعتبروه تدخلا في القضاء وإحراجا للمحكمة.
وطالبوا الرئيس بأن يلزم حدوده، ويكف عن الكلام في الموضوع، ليتيح للعدل أن يأخذ مجراه دون تأثير من رئيس الدولة.

حين يقع المرء على مثل هذه القصص، فإنه يستشعر خليطا من مشاعر الحسرة والحزن، لأنه يكتشف أننا نعيش في كوكب آخر يفتقد إلى الكثير من تقاليد وأعراف العالم المتحضر.
 الأمر الذي يذكرنا بأننا نعيش حقا في القرن الواحد والعشرين، لكننا لا ننتمي إليه.
.........................

1 التعليقات:

bahaa يقول...

جونسون لم يكن رئسا لامريكا عام 1971 ..رىتشارد نيكسون كان الرئيس حينئذ

Delete this element to display blogger navbar