Subscribe:

Ads 468x60px

27 يوليو، 2015

القضية أكبر من حرارة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 11 شوال 1436 – 27 يوليو 2015
القضية أكبر من حرارة - فهمي هويدي

حين رفض القضاء الإداري دعوى التعويض التي رفعها الناشط المعروف أحمد حرارة الذي فقد عينيه أثناء مظاهرات ثورة ٢٠١١ في مصر، فإن سبب الرفض كان أكبر بكثير مما ورد في حيثيات الحكم.

 ذلك أنه في الظروف الطبيعية حين يفقد الطبيب الشاب عينيه في المظاهرات التي أسقطت نظام مبارك، فمن حقه أن يعوض عن ذلك في ظل النظام الذي جاءت به الثورة.
خصوصا أنه ليس مصابا عاديا والثمن الذي دفعه كان باهظا للغاية. لأنه أنهى حياة طبيب الأسنان الشاب، وأغلق طريق المستقبل أمامه. إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة. لأنه أكثر حساسية وتعقيدا.

لقد اختصم أحمد حرارة كلا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية مطالبا بتعويضه عن فقد عينيه نتيجة استخدام قوات الأمن الطلقات المطاطية والخرطوش في فض المظاهرات التي شارك فيها بتاريخي ٢٨ يناير (يوم جمعة الغضب) و١٩ نوفمبر عام ٢٠١١.

وأضاف في دعواه أنه حين فقد عينه اليمنى يوم ٢٨ يناير فإن طبيبه المعالج أبلغه بأن حجم الخرطوش الذي أصابه يبلغ خمسة أضعاف الحجم العادي، ما يعني أن الشرطة استخدمت ضد المتظاهرين نوعية فتاكة من الخرطوش.

وفي حيثيات قرار محكمة القضاء الإداري برفض الدعوى ذكرت المحكمة أن القانون الصادر عام ٢٠١٢ بتعويض ورثة شهداء ومصابي ثورة ٢٥ يناير نص على صرف مبلغ مالي قدره ١٠٠ ألف جنيه لكل من أصيب بعجز كلي من جراء الثورة،
وقد تسلم أحمد حرارة المبلغ وبالتالي فلا حق له في أي تعويض آخر.
وهو ما يبدو صحيحا من الناحية القانونية، إلا أننا إذا دققنا في المشهد جيدا سنلاحظ أن الدعوى انبنت على أن الشرطة هي التي أطلقت الخرطوش الذي أفقد أحمد حرارة عينيه.

 ولأن التاريخ الذي أعيدت كتابته في وقت لاحق نفي مسؤولية الشرطة عن إطلاق الخرطوش كما نفي وجود قناصة لدى وزارة الداخلية، فقد كان متعذرا من الناحية السياسية أن يصدر الحكم لصالح أحمد حرارة لأن ذلك سوف يعني مباشرة أن الشرطة هي المسؤولة حقا عما جرى له.
ومن شأن ذلك أن يقلب رأسا على عقب الرواية التي جرى تسويقها التي أعفت الشرطة من تلك المسؤولية.
ولتبرئتها من الدماء التي سالت فإنها ادعت أن الذين قتلوا المتظاهرين كانوا من العناصر الخارجية (عناصر حماس وحزب الله).
ومعروف أن تبرئة الشرطة من دماء المتظاهرين أدت إلى براءتهم في نحو ٤٠ قضية رفعها الضحايا ضدهم في مختلف أنحاء مصر.

قضية أحمد حرارة وأمثاله تفتح ملف التاريخ وتعيد طرح السؤال عما إذا كنا سنقرأ تاريخ الثورة من خلال ما كشفت عنه لجنة تقصي الحقائق التي تحرت أحداث تلك المرحلة بواسطة نفر من رجال القانون المبرزين والباحثين المتخصصين، أم أننا سنقرأ تلك الأحداث من خلال صياغات المؤسسة الأمنية وتحريات رجالها (التي رفض القضاء الاعتداد بها كأدلة في القضايا المنظورة كما جاء في أحكام الدستورية العليا ومحكمة النقض).

في هذا الصدد أذكر بما خلص إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق، وأشرت إليه أكثر من مرة، التي رأسها المستشار الدكتور عادل قورة رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس محكمة النقض. وهو التقرير الذي وقع في ٤٠٠ صفحة وأذيع نص خلاصته التي وزعت على الصحف يوم ١٨/٤/٢٠١١.
وسلمت ثلاث نسخ من التقرير الأصلي إلى المجلس العسكري الحاكم والدكتور عصام شرف رئيس مجلس الوزراء آنذاك والمستشار عبدالمجيد محمود النائب العام.

ونص التقرير على ما يلي:
«تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين، أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير...
وقد دلت على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت بأن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر».

المشكلة لا ننفرد بها، ذلك أن التباين بين التاريخ المعتمد سياسيا وبين التاريخ الحقيقي حدث في مجتمعات كثيرة.
 فالهنود الحمر في الولايات المتحدة يعتبرون التاريخ المعتمد هناك مزورا ومجافيا للحقيقة التي كانوا ضحاياها.
وذلك أيضا رأي مثقفي الهند في تاريخ الاستعمار البريطاني لبلادهم. كما أن تاريخ الأسباب التي أفضت إلى الحرب العالمية الثانية في القراءة الغربية مختلف تماما عن الرواية التي اعتمدها النظام السوفييتي.

في هذا الصدد قرأت أن الإسبان بعد وفاة الجنرال فرانكو عام ١٩٧٥ أدركوا أنه لا سبيل إلى تحقيق المصالحة الوطنية إلا بعد إعادة كتابة تاريخ بلادهم على أساس الروايات الصحيحة، بدلا من الروايات التي اعتمدها وقررها نظام فرانكو الذي استمر ٣٦ عاما، خصوصا فيما يتعلق بالحرب الأهلية بين الجمهوريين واليمينيين تحت زعامته، التي اندلعت بين عامي ٣٦ ـ ١٩٣٩.

ولأجل ذلك شكلت لجان عدة وعقدت جلسات استماع لتصحيح الوقائع وتشكيل إدراك وطني عام خال من التدليس والتحيزات.
 الأمر الذي كان أحد العوامل التي ساعدت على تحقيق التوافق الوطني المنشود ــ أشك في أننا نستطيع أن نكرر التجربة في مصر الآن لأننا مازلنا في ظل التاريخ الرسمي ولم يحن بعد أوان مراجعته والتصالح مع التاريخ الحقيقي.
.....................

2 التعليقات:

م/محمود فوزى يقول...

بالطبع اقف بجوار حق أي شخص مهما اختلفنا معه
وهذا ما نطالب به
لكن فقط أريد توضيح أنه بغض النظر عن حقه او عدم حقه فى القضيه فإن احمد حراره وقف مع الانقلاب وأيده ونادى به
الانقلاب الذي اعاد الظلم والقهر والقمع
فمن غير الطبيعي أن يشتكي من ما يراه ظلما يقع عليه بينما هو من شارك بقوه في ظلم وقتل الاخرين
وقد رأينا موقفه من مجرد ابداء رأي الناس فى الاعتراض على الانقلاب
هذه ليست شماته ولكن لمجرد معرفه الواقع والاتعاظ
وأكرر أننى ارفض ظلم أي شخص حتى ولو اختلف معي فى الرأي

الأمير يقول...

كلام سليم يا استاذ محمود ... و اليوم يدفع المثير من داعمي الانقلاب ثمن خيانتهم و حماقتهم و لا عزاء لهم ... ان مع العسر يسرا

Delete this element to display blogger navbar