Subscribe:

Ads 468x60px

18 مايو، 2015

نعذرهم ونطمئن لعدلهم

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 29 رجب 1436 18 مايو 2015
نعذرهم ونطمئن لعدلهم - فهمي هويدي

اتجاه الحكومة البريطانية إلى إصدار قوانين جديدة لمكافحة الجماعات الإسلامية المتطرفة أمر مبرر ومفهوم ولا ينبغي أن يكون مصدر قلق لعموم المسلمين.

كانت تلك خلاصة رأيي حين طلب مني التعليق على تصريحات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بعد فوز حزبه في الانتخابات البرلمانية وتشكيله حكومة محافظة جديدة.

 وفي شرح وجهة نظري فإنني اعتبرت أنه من الطبيعي أن تنزعج الحكومة البريطانية من أنشطة المتطرفين المسلمين. واختراقهم بعض عناصر الجالية إلى الحد الذي دفع البعض إلى الالتحاق بجماعة «داعش» في سوريا والعراق.

 وإذا صح أن واحدا من هؤلاء اشترك في قتل بعض ضحايا التنظيم (محمد اموزاي الذي عرف باسم الجهادي جون) فإن صدى الجريمة في بريطانيا لا يمكن تجاهله.
 إذ لا بد أن يسهم في تكثيف ضغوط الرأي العام على الحكومة لكى تفعل شيئا يحد من خطر الإرهاب.

إننا إذا نظرنا إلى المسألة بموضوعية وتجرد فسوف نلتمس العذر للحكومة البريطانية إذا ما هي قامت بواجبها في حماية مجتمعها ومواطنيها من اختراقات وممارسات الجماعات المتطرفة.

في الوقت ذاته فإننا لا نستطيع أن نتجاهل الضغوط التي تمارسها على بريطانيا بعض الدول العربية المشتبكة مع المتطرفين أو الإسلام السياسي لكي تلاحق أو تصادر أنشطة الإسلاميين الذين يقيمون على أرضها.
وهي ضغوط وصلت إلى حد الابتزاز والتهديد بوقف أو فسخ بعض مشروعات التعاون الاقتصادي مع تلك الدول إذا لم تستجب الحكومة البريطانية لما يطلب منها وهو ما حدث مع احدى دول الخليج.

حين أزعم أننا ينبغي ألا نقلق من الإجراءات والقوانين البريطانية فإن ذلك ينطلق من خلفية تعتبر بريطانيا دولة ديمقراطية تحترم حريات الناس وكراماتهم، وفيها قانون راسخ له قدسيته، وبرلمان أفرزته انتخابات نزيهة وحرة، وفيها قضاء مستقل لا يأتمر بأمر أحد.
كما أنها لا تعرف الجهات «السيادية» التي تعبث بمصائر الناس في الظلام.

وحين تتوافر تلك العناصر فإنها تطمئن المواطن والوافد. والمسلم وغير المسلم.
والمشكلة تحدث والقلق يتضاعف حين يسود القمع وتصبح مصائر الناس معلقة على تقارير ووشايات الأجهزة الأمنية ودسائسها.
وحين تفصل القوانين لحماية النظام وتسويغ قمع المواطنين. وحين يصبح القضاء بوقا للأمن وأداة له.

أدري أنهم في بريطانيا ليسوا مثاليين وليسوا منزهين عن المصالح والأهواء، ولكن وجود الديمقراطية واحترام القانون واستقلال القضاء من الكوابح التي تحول دون القهر وتحد من أثر الظلم، وتطمئن البريء إلى أنه سوف يحصل على حقه في نهاية المطاف.

لا أستطيع أن أتجاهل صفحة الاحتلال البريطاني لبعض دول العالم العربي، كما لا ينسى لبريطانيا دورها في إطلاق وعد بلفور الذي مهد للنكبة في فلسطين، فذلك جزء من التاريخ الذي يتعذر غض الطرف عنه أو اغتفاره.
لكن ذلك لا ينبغي أن يصرف نظرنا عن جانب من الفضائل والقيم التي استقرت في بريطانيا.
علما بأن بعضها يتماس مع مصالحنا بعدما غدا العالم أكثر تشابكا وأصبح في بريطانيا مواطنون مسلمون وصل عددهم إلى نحو ثلاثة ملايين شخص (غير المضطهدين اللاجئين إليها)،
وقد صار بعض المسلمين نوابا في البرلمان ووزراء في الحكومة، وقرأت أخيرا أن أحدهم بصدد ترشيح نفسه لرئاسة بلدية لندن.

وإذا قارنا بالأسوأ فسنجد أن بريطانيا أفضل حالا من فرنسا. فالعلمانية في بريطانيا متصالحة مع الدين ولا مشكلة لها مع الإسلام المعتدل،
أما في فرنسا فالعلمانية مخاصمة للدين، وكراهية الإسلام والمسلمين شائعة في أوساط الطبقة السياسية والمثقفين
ثم إن النفوذ الصهيوني والانحياز لإسرائيل أقل في بريطانيا منه في فرنسا.

كما أن الوضع في بريطانيا أقل سوءا منه في الولايات المتحدة، خصوصا في انحياز الأخيرة لإسرائيل وتحكمها في الكثير من مفاصلها، وكذلك في تفشي العنصرية في محيطها الأمني.

قل ما شئت في السياسة البريطانية أو حتى في المجتمع بناسه وعوائده، لكنك لا تستطيع أن تنكر أن هناك قانونا يحترم وقضاء مستقلا لا يظلم أمامه أحد، وذلك كفيل بطمأنة الجميع إلى أن البريء لن يضام، وأن من خالف القانون سينال جزاءه المستحق.

من ناحية أخرى، فإننا لا ينبغي أن نتوجه بكل اللوم نحو الحكومات الغربية التي تتشدد في تعاملها مع المسلمين، فتضيِّق عليهم وتحرمهم من بعض الحقوق.

ذلك أنه كانت تلك الحكومات تتعرض أيضا لضغوط الحركات اليمينية المتنامية الرافضة للغرباء والكارهة للمسلمين خصوصا، فإننا يجب أن نعترف بأن ممارسات بعض المسلمين الذين يقيمون بين ظهرانينا هي التي تغذي تلك الحركات المتطرفة في الغرب،

 كما أن المسلمين الذين يعيشون في تلك المجتمعات هم الذين يدفعون ثمن تلك الممارسات. كأن الإسلام في الغرب يحارب بممارسات المتطرفين في بلادنا،
وأغلبهم هم نتاج الكبت والظلم وإفرازات أنظمة القهر والاستبداد.

....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar