Subscribe:

Ads 468x60px

21 مايو، 2015

الإنساني مقدم على السياسي

صحيفة الشرق القطريه الخميس 3 شعبان 1436 21 مايو 2015
الإنساني مقدم على السياسي – فهمي هويدي

هذه قصة عميقة الدلالة رواها أحد شهودها.
في عام ١٩٩٠ تم اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب آنذاك، وتم اعتقال عشرات من عناصر الجماعة الإسلامية جراء ذلك، وكان من بينهم أحد القياديين، هو صفوت عبد الغني (رئيس المكتب السياسي لحزب البناء والتنمية لاحقا). 

وقد طلب صاحبنا هذا أن يكون محاميه الأستاذ أحمد نبيل الهلالي القيادي اليساري المعروف،
ولأن الهلالي كان في ذلك الوقت السكرتير العام لحزب الشعب الاشتراكي، فقد أثير الموضوع داخل قيادة الحزب الذي يفترض أنه في خصومة سياسية وفكرية مع مشروع الجماعة الإسلامية. 

وبسبب هذين العاملين (موقفه وموقف حزبه) تبنى البعض الدعوة إلى رفض طلب صفوت، كي لا يعد دفاع الهلالي عنه بمثابة رسالة سياسية معبرة عن التضامن مع الجماعة الإسلامية،
الأمر الذي يضر بالحزب ويسيء إليه، إلا أن الأستاذ الهلالي الذي كان مقتنعا ببراءة المتهمين، انحاز إلى قبول المهمة،

وكان رأيه ورأي من أيده أنه لا يدافع عن الجماعة الإسلامية ولكنه يدافع عن القانون، وأن أحد أسباب خصومة الحزب للجهاديين الإسلاميين أنهم باستخدامهم العنف يعتدون على حق الناس في الحياة وفي حرية العقيدة والرأي.

وإذا كان موقفهم ذاك يعد انتهاكا للقانون الذي يدافعون عنه، فإن هذا الفريق رأى أيضا أن الدولة من جانبها لا ينبغي أن تلجأ إلى التنكيل بالمتهمين وتعذيبهم بحجة الحرب على الإرهاب، لأنها في هذه الحالة تعتدي أيضا على القانون، وذلك ينبغي أن يكون مرفوضا بدوره ولا يقبل السكوت عليه.

رجحت كفة أصحاب الرأي الأخير، وقدم الأستاذ الهلالي مرافعته، فحكم على المتهمين بالإعدام، وحين عرضت القضية على محكمة النقض، فإنها برأت معظمهم، وحكمت بالسجن على آخرين ـ كان من بينهم صفوت عبد الغني ـ حيث أدينوا في اتهامات أخرى لا علاقة لها بقتل الدكتور المحجوب، منها حيازة سلاح غير مرخص والتزوير في أوراق رسمية وغير ذلك.

وكان صفوت عبد الغني واحدا من الآخرين، حيث حكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات.

راوي القصة هو الأستاذ عماد عطية، أحد رفاق الأستاذ الهلالي وزميله في حزب الشعب الاشتراكي،
 وقد أوردها على الفيسبوك هذا الأسبوع، وذكر في ختامها أن الهلالي تعرض للتجريح والاتهام من عدد غير قليل من اليساريين أو المحسوبين عليهم، حتى أن أحدهم وصفه آنذاك بأنه «محامي الإرهاب». 

وقال في هذا الصدد إن صاحب ذلك الرأي لا يزال حتى الآن يصرخ متبنيا نفس الموقف واللغة.

أهمية القصة تكمن في أنها تسلط الضوء على إشكالية العلاقة بين الموقف السياسي والفكري من ناحية والموقف الإنساني والأخلاقي من ناحية ثانية.

وهي المسألة التي كانت محسومة لدى الأستاذ نبيل الهلالي، الذي يصنف ضمن الشرفاء والنبلاء بين اليساريين، في حين أنها كانت ولا تزال محاطة بضباب كثيف لدى كثيرين من اليساريين وغير اليساريين،

 إذ كان الموقف الفكري للهلالي منتقدا ومخاصما لمشروع الجماعة الإسلامية، وفي مرافعته فإنه لم يدافع عن المشروع، ولكنه اختار أن يدافع عن مظلومية موكله ويقاوم العدوان على القانون بالتعذيب الذي مورس معه ومع أقرانه لانتزاع الاعتراف منهم، بما يعني أنه انطلق من موقف أخلاقي وإنساني وانحاز إلى القيمة بأكثر من انحيازه للحسابات السياسية والفكرية.

هذا التميز الواضح بين الهوى السياسي والقيم الإنسانية والأخلاقية هو بين أكثر ما نفتقده في مصر في الوقت الراهن،
 ذلك أنه لا مفر من الاعتراف بأن أجواء الاستقطاب الراهنة والتعبئة الإعلامية المكثفة أزالت الحاجز بين الاثنين، إذ أصبحت القاعدة تتمثل في تغليب الهوى السياسي، الأمر الذي أدى إلى تسويغ إهدار ما هو أخلاقي وإنساني. 

أستثني من ذلك عددا من النشطاء الحقوقيين وقلة من المثقفين الشرفاء ـ النساء والرجال ـ الذين ظلوا قابضين على الجمر ومدافعين عن الموقف الإنساني طوال الوقت، رغم انتقادهم واعتراضهم على الموقف الفكري والمشروع السياسي.

وقد دفع هؤلاء أثمانا مختلفة جراء ذلك، كان أقلها التجريح والاتهام بموالاة الإرهاب، وهي ذات التهمة التي وجهت إلى نبيل الهلالي قبل ربع قرن حين وصف ـ وهو الماركسي العتيد ـ بأنه محامي إرهاب الجماعة الإسلامية.

المشكلة الآن صارت أعقد وأعمق، ذلك أن الأعداد الغفيرة التي انخرطت في السياسة بعد ثورة ٢٠١١ بغير سابق ممارسة أو خبرة تشكل إدراكها بواسطة إعلام الثورة المضادة، بحيث تربت على شيطنة الآخر وضرورة إقصائه وإبادته.
 وهي في ذلك لم تميز بين ما هو سياسي وما هو إنساني.

وكانت النتيجة أن قطاعات عريضة من الجماهير التي شحنت بمشاعر الكراهية أصبحت تصفق لمذبحة وتهلل لاحتراق عشرات في سيارة الترحيلات، وتعتبر التعذيب عقابا مقبولا وترى في إعدام المئات قصاصا عادلا، إلى غير ذلك من المشاعر الملوثة والصادمة التي غدت دليلا كاشفا للمدى الذي بلغه تشوه الوعي وفساده.
وهو ما دعاني إلى القول بأن أجواء الاحتقان والاستقطاب لم تستخرج من الناس أسوأ ما فيهم فحسب، وإنما أدت أيضا إلى تراجع وتآكل المشاعر الإنسانية في بعض الأوساط.

ثمة غلط في بوصلة الخطاب السياسي والإعلامي، يجعلنا أحوج ما نكون إلى رد الاعتبار للتفرقة الواجبة بين الهوى السياسي والقيم الإنسانية والأخلاقية، بحيث لا يسمح بانتهاك القيم الأخيرة تحت أي مسوغ.
وهي بديهية حسمت واستقرت في العالم المتحضر الذي أرجو أن نلتحق به يوما ما.

.........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar