Subscribe:

Ads 468x60px

05 أبريل، 2015

قبل أن تعم البلوى

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 16 جمادى الآخر 1436 5 أبريل 2015
قبل أن تعم البلوى - فهمي هويدي

قبل أيام نشرت عدة صحف مصرية نداء موجها إلى المسؤولين في الدولة دعاهم إلى إنقاذ مدينة ٦ أكتوبر من عشوائية الإعلانات واللافتات التي باتت تشوه الشوارع والميادين وتفسد بيئة المكان الذي نزح إليه السكان هربا من ضجيج وتلوث أجواء القاهرة.

حدث ذلك بعد أسابيع قليلة من شكوى سكان حي مصر الجديدة من الهجمة التترية التي استهدفت حديقة الميريلاند. التي هي واحدة من أشهر وأبرز المناطق الخضراء في الحي.

وهي الهجمة التي أدت إلى اغتيال الخضرة وقطع الأشجار تمهيدا لإقامة «كازينو» جديد في المنطقة.

وقبل هؤلاء وهؤلاء أثار سكان حي الزمالك ضجة لمنع اختراق شريط المترو لمحيطه. لكي يصل إلى بعض الأحياء الأخرى. وهو ما نجح سكان الزمالك في إيقافه ليس فقط لأن صوتهم كان عاليا
ولكن أيضا لأن أوضاعهم الاجتماعية فرضت على السلطة أن تنصت إليهم وتستجيب لرغبتهم.
وهو ما لم يتوافر لسكان مدينة ٦ أكتوبر الذين انتقدوا في ندائهم المنشور (في ٢/٤) جهاز الإدارة الذي بات يمنح تصاريح الإعلانات دون ضابط يراعي أجواء المدينة وراحة سكانها، فضلا عن اعتبارات الذوق العام الذي هو جزء من النظام العام.

 ذلك أن أكثر ما يهم جهاز الإدارة فيما يبدو هو العائد المالي الذي يرفع دخله، وينعش موارده. خصوصا أن أكثر مؤسسات الخدمات في الدولة أصبحت تعتني بالتحصيل والجباية، بأكثر من عنايتها بالخدمة التي تقدمها للناس.

بهذه المناسبة فإن ما فعله جهاز ٦ أكتوبر هو ذاته الذي فعلته محافظة القاهرة التي استسلمت لغواية الجباية فحولت جوانب الجسور الأساسية التي تخترق قلب العاصمة إلى لوحات إعلانية تنافست الشركات على استغلالها للدعاية لمنتجاتها. جنبا إلى جنب مع شركات توزيع الأفلام وقنوات التليفزيون التي عمدت إلى إغراق الفضاء بصور مقدمي برامجها وهم يوزعون ابتساماتهم على العابرين، ويكادون يخرجون ألسنتهم لهم.

ورغم أن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل الجهد الكبير الذي بذلته محافظة القاهرة للتغلب على غزو الباعة الجائلين لشوارع وميادين قلب العاصمة، إلا أن المحافظة ضعفت أمام ما تدره الإعلانات من عوائد.

وكانت النتيجة أنها أراحت السكان من تشويه الشوارع والميادين وغضت الطرف عن تشويه الفضاء وتلوثه فخففت من صداعهم وبعض زحامهم وسمحت بإيذاء أعينهم وإفساد أذواقهم.

حي مصر الجديدة الذي شهد مذبحة الأشجار حاله أسوأ بكثير.
 ذلك أن المذبحة كانت جزءا من حملة تغيير هوية الحي، التي تواطأ فيها بعض المستثمرين الجشعين مع بعض موظفي الإدارة الطامعين أو الفاسدين.

ولأنني من سكان ذلك الحي فإنني أزعم أن الحملة المذكورة تتجاوز بكثير ما حدث ويحدث في أى حي آخر بالقاهرة. لسبب جوهري هو أن ذلك الحي الذي ظهر إلى الوجود في بداية القرن الماضي (عام ١٩٠٥) بدأ امتدادا عصريا راقيا لمدينة القاهرة، وجرى التخطيط له وضبط قواعد البناء والعمران فيه على أيدى بعض الخبراء الأجانب، إلا أنه تعرض للنوازل والهزات التي تعرض لها العمران والمجتمع في مصر، وظلت أوضاعه تتراجع حينا بعد حين. إلى أن أصبح فريسة الجشع والفساد والطمع. حيث زحفت عليه الأبراج العالية، بعدما كانت ارتفاعات البنايات لا تتجاوز أربعة أو ستة طوابق كحد أقصى.
وهي البنايات التي أصبحت تهدم يوميا لتحل محلها الأبراج بما تستصحبه من تكدس وأعباء على المرافق والخدمات،

كما انتشرت فيه المقاهي كالفطر في انتهاك صارخ لراحة السكان وفي عدوان صريح على اللوائح التي تحمى حرمة المناطق السكنية.

وتلك المقاهي أصبحت تجذب جيوش الشباب الذين يحتلون الميادين ونواصى الشوارع كل مساء. فيتصايحون ويرقصون ويتعاركون، ويطلقون الألعاب النارية ويتعاطون المخدرات، وهم مطمئنون إلى أن الأجهزة الأمنية مشغولة عنهم بما نعرف من شواغل.

النتيجة أن حي مصر الجديدة الهادئ والمنظم والخاضع للقواعد والقانون. أصبح نموذجا للنقيض من كل ذلك. فلا هدوء ولا نظام ولا قانون، وهو أكثر ما يتجلى في المساء حين يحل الظلام وتزدحم المقاهي بروادها والميادين والنواصي بحلقات الخلايا «الصايعة» التي تفد من كل صوب بالسيارات والدراجات البخارية التي تذرع الشوارع محدثة أصواتا مجنونة طوال الليل.

وفي هذه الأجواء لا يرى للشرطة أثرا ولا للسلطة وجودا ولا للدولة حضورا أو هيبة من أي نوع. ويظل السكان هم ضحايا تلك الفوضى التي لا يكاد يرى أمل في علاجها.

لا يوجد مجلس محلي يحاسب ويراقب ويرفع أصوات الناس(آخر انتخابات محلية تمت في سنة ٢٠٠٨) ولا توجد سوى رئاسة للحي وأقسام للشرطة،
 والحي هو الطرف الأساسي الذي سمح بهذه الفوضى جراء رعونة بعض العاملين فيه وفساد البعض الآخر.

والشرطة مشغولة بالأمن السياسي أما الأمن الاجتماعي فإنه لم يعد من اختصاصهم.

بالتالي فلم يبق أمام الناس إلا أن يتبادلوا الشكوى فيما بينهم، ثم يرفعون أصواتهم عبر وسائل الإعلام موجهين النداءات ومرسلين المناشدات لإنقاذ الحي قبل أن يضم إلى العشوائيات التي باتت مصيرا نرى شواهده وإرهاصاته بأعيننا كل صباح.

لا أنسى أن في مصر مدنا وقرى أسوأ حالا بكثير، لكنني أفهم أن الجهد ينبغي أن يبذل لتحسين أوضاعها وإعطائها الأولوية في جهود النهوض والإعمار. إلا أنني أفهم في الوقت ذاته أننا ينبغى ألا نسمح بتدهور أوضاع المناطق الأفضل حالا لكي لا تنضم إلى العشوائيات.

إننا لا نريد أن تعم البلوى، لكن من الحكمة وحسن النظر ألا نتردد في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصير البائس الذي بات يهددنا حينا بعد حين.
..................

2 التعليقات:

العلم نور يقول...

السلام عليكم،

لابد للأيدي أن تتوحد معا حتى تحارب الجهل وللقلوب أن تتضامن حتى تقهر الأنانية...

إن ملؤوا الشوارع بناء فاملؤوها خضرة ما استطعتم، حسب النبات أن منه أنواعا عديدة، وقد يكفي ركن تراب صغير لتتنفس فيه وردة فتملأ الجو جمالا بهوائه الصافي...

Uouo Uo يقول...


thx

كشف تسربات المياة
غسيل خزانات
شركة نظافة عامة

Delete this element to display blogger navbar