Subscribe:

Ads 468x60px

20 أبريل، 2015

حظوظ المبدعين المغمورين

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 1 رجب 1436 20 أبريل 2015
حظوظ المبدعين المغمورين - فهمي هويدي

أن يكون الحاكم هو الرجل الأول في الدولة، فذلك لا يعنى أنه فلتة زمانه والأول في كل شيء.
وأن يكون الأعلى مقاما فذلك لا يعني بالضرورة أنه الأطول قامة.
ثم إن دخوله إلى مقر الحكم لا يعني دخوله إلى التاريخ، ناهيك عن أن للتاريخ أبوابا عدة قد يدخل الحاكم إليه من باب ويدخل آخرون من الأبواب الأخرى.

أقول ذلك تعليقا على اختيار الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي شخصية العام الثقافية، باعتباره ـ كما ذكر القرار المنشور ـ واحدا «من أبرز صناع التحول في مختلف حقول التنمية الثقافية. ولا تزال بصمته الفريدة وجهوده الحثيثة تمتد إلى ربوع الأرض كافة».

لا أجادل في أن الرجل حفر لنفسه مكانة متميزة في تاريخ منطقة الخليج.
 ولست أشك في أنه يستحق جوائز عدة في مجالات الإبداع والإعمار والتنمية.
 ولا يقلل من شأنه ولا يضيف إليه شيئا ألا يكون شخصية العام الثقافية،
ولا أجد مسوغا لذلك الاختيار سوى أنه صادر عن مجلس أمناء جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي سبق لها أن منحت الجائزة ذاتها في دورة سابقة للعاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

لست في وارد انتقاد منح الجائزة للشيخ محمد بن راشد، فضلا عن أن لدي استعدادا لتفهم ملابسات القرار، بل قبوله استنادا إلى المعايير النسبية،
 ذلك أن منحها لرجل أنجز الكثير في مجالات أخرى يظل أفضل من إهدائها لمن لم ينجز شيئا في حياته سوى أن المصادفة دفعت به إلى سدة الحكم.
 ذلك أننى مشغول بشيء آخر هو تسجيل التحفظ على احتكار الحكام للجوائز وهم ليسوا بحاجة إليها ولا تضيف إلى رصيدهم شيئا.
 في حين أن منحها لغيرهم من المبدعين القابعين في الظل أجدى وأنفع.

في خلفية هذا النزوع إلى إغراق الحكام وأولى الأمر بالجوائز وإضفاء أوصاف الأفضل والأرفع على أقوالهم وأفعالهم تكمن فكرة أساسية تحكم نظرة البعض إليهم في بلادنا.
ذلك أن الحاكم عند هؤلاء هو قدر مكتوب وليس قرار المجتمع واختيار الناس. هو هبة من الله (البعض يتواضع ويصفه بأنه من رسل الله) وليس مواطنا منتخبا لأجل معلوم.

ولأن الأقدار هي التي ساقته فذلك يسوغ له احتكار السلطة والثروة والمجد أيضا.
لذلك فلا غرابة أن يظل المواطن الأول والخبر الأول، والفائز الأول في أي منافسة أو سباق.

هناك اعتبارات أخرى تدفع في ذات الاتجاه يتعلق بعضها بثقافة القبيلة والنظرة إلى شيخها الذي لا يعلو فوق مقامه مقام، باعتبار أن العين لا يمكن أن تعلو على الحاجب.

كما أن الأمر لا يخلو من تزلف البعض للحكام وإغراقهم بشهادات السمو والمجد جنبا إلى جنب مع إغراقهم بالأضواء وبمظاهر التعظيم والأبهة، التي تقدمهم بحسبانهم كائنات فوق البشر وخارقة للعادة.

الحكام وأولو الأمر ليسوا بحاجة لكل ذلك. فلديهم من الهالات والأضواء والألقاب والنياشين ما يكفي وزيادة.
 أما المبدعون المغمورون، والمتفانون المنجزون القابعون في الظل، الذين لا حظ لهم في الضوء ولا يذكرون في وسائل الإعلام إلا إذا حلت بهم مصيبة أو نزلت بهم فاجعة، فهؤلاء هم الأحوج إلى التكريم والمكافأة والتمجيد،
وفي حين أن تمجيد الحكام لا يضيف شيئا لا إليهم ولا إلى المجتمع، فإن مكافأة المغمورين من المبدعين تصب في مصلحة الإبداع وفي مصلحة المجتمع.

كنت قد دعوت قبل عدة سنوات إلى الكف عن منح الجوائز للحكام ووجهاء القوم، ممن صار تكريمهم أمرا مسلما به. استحقوا ذلك أم لم يستحقوه.
وتمنيت أن تتصرف لجان الجوائز إلى البحث عن المبدعين والمنجزين من المواطنين العاديين. سواء الذين أضافوا إلى حياتنا شيئا، أو أولئك الذين تفانوا في أعمالهم موظفين أو مدرسين أو أطباء أو مهنيين وفنانين أو عمالا أو غير ذلك، رجالا كانوا أم نساء.

 ورشحت ذات مرة السيدة صيصة، لتكون سيدة العام في مصر، وهى التي مات زوجها وهي حامل في ستة أشهر.
ولكي تحمى نفسها وابنتها التي أنجبتها في بيئة الصعيد الذكورية، فإنها تنكرت في هيئة رجل، وظلت تكافح طيلة ٤٣ عاما حتى حققت ذاتها وزوجت ابنتها ورأت أحفادها.
وضربت بذلك نموذجا نادرا في الشجاعة وإنكار الذات.
ولست أشك في أن بلادنا مليئة بالنماذج المضيئة التي لو أنها أخذت حظها من الرعاية والتشجيع لشكلت إضافة مهمة إلى مساعى النهوض والتقدم.

لا أخفي أن المسألة في جذورها وثيقة الصلة بقيمة المواطن العادي في المجتمع. وبمعايير التقدم المعمول بها. وهو ما يختزله السؤال التالي:
هل الكفاءة والإبداع يكفيان وحدهما لفتح الأبواب وتوفير الفرص للنوابغ والمبدعين، أم أن إتاحة تلك الفرص لها شروط أخرى شخصية واجتماعية وليست موضوعية.

ولعلي لا أكون مبالغا إذا قلت إن معايير توزيع الجوائز ومكافأة المبدعين في الدول الديمقراطية مختلفة تماما عنها في الدول غير الديمقراطية. لأن احتكار السلطة يفضي إلى احتكار الثروة وذلك يفضي إلى احتكار الواجهات وما يستصحبه ذلك من احتكار فرص الترقي والفوز والجوائز.
 ثم لا تنس أن الدول الديمقراطية تتوافر لها مؤسسات الرقابة الشعبية التي تضمن للمجتمع حضورا وحيوية يسهمان في إنضاج وإذكاء طاقات الإبداع فيه، على العكس تماما من الدول غير الديمقراطية التي يتوارى فيها دور المجتمع وتضيق فيها تلك الفرص.
ولا أعرف إن كان هذا التحليل أسهم في إيضاح الموضوع أم أنه زاده تعقيدا.
.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar