Subscribe:

Ads 468x60px

13 أبريل، 2015

الرأي العام منسيا

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 24 جمادى الآخر 1436 13 أبريل 2015
الرأي العام منسيا - فهمي هويدي

تذكرون قصة الرجل الذي تباهي أمام أصدقائه بأنه ما عاد مشغولا بالقضايا الصغرى التي تشغل محيطه، وانه تفرغ لمعالجة القضايا الكونية الكبرى.
وضرب لذلك مثلا بأنه صار منكبا على معالجة قضايا البيئة وثقب الأوزون والتصحر وسباق التسلح في العالم وألاعيب صندوق النقد الدولي واحتكار الدول الكبرى للقرار في مجلس الأمن...إلخ.
ولكي يوضح موقفه أمام سامعيه فإنه أخبرهم بأنه ترك القضايا الصغرى لزوجته تتصرف فيها كما تشاء، من تسلم المعاش وتوفير مستلزمات البيت وتعليم الأولاد وعلاجهم إلى التصييف وتزويج البنات وتأمين الأسرة وغير ذلك.

ما فعله صاحبنا كررناه في مصر معكوسا. فأعلنا انه سيتم استطلاع الرأي العام في مسألة «مهمة» مثل تطبيق التوقيت الصيفي،
ودعيت المؤسسات المعنية والمنابر الإعلامية ذات الصلة إلى رصد اتجاهات الرأي العام وتحديد موقف المجتمع من المسألة.

 وفي الوقت ذاته فإننا تجاهلنا الرأي العام في أمور أخرى «غير مهمة» مثل مشاركة مصر في الحرب الدائرة باليمن، وفكرة إقامة عاصمة جديدة للبلاد، وإعادة تقسيم محافظات وأقاليم مصر، وتخفيض الضرائب على الأثرياء، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وحزمة القوانين المقيدة للحريات من قانون التظاهر إلى قانون الكيانات الإرهابية مرورا بتعديلات قانونى المرافعات والإجراءات الجنائية.

ليست هذه مزحة لأن الكلام كله جاد.
 ذلك ان جريدة الأهرام نشرت يوم أمس (١٢/٤) خبرا أبرزته على الصفحة الأولى ذكر ان المهندس إبراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء كلف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بإجراء استطلاع للرأي بين المواطنين بشأن تطبيق التوقيت الصيفي من عدمه،
كما انه ناشد وسائل الإعلام المختلفة التي بها مراكز لاستطلاع الرأي ان تجرى هي الأخرى استطلاعا بهذا الشأن وتوافيه بالنتيجة.

ليس عندي شك في حماس وإخلاص المهندس إبراهيم محلب، وليس لدي أي تحفظ أو اعتراض على استطلاع رأي المواطنين في مسألة تطبيق التوقيت الصيفي. لذلك فإن كلامي ليس فيه أي استنكار لما دعا إليه بهذا الخصوص، لكن الغيرة هي التي دفعتنى إلى ما ذكرت.

أعنى أن سؤالى هو كالتالي:
إذا كنا مهتمين باستطلاع رأي الناس في مسألة تتعلق بتنظيم أوقاتهم، فلماذا تجاهلناهم في أمور أخرى تتعلق بمصائرهم وحرياتهم؟
ولماذا يصبح استطلاع رأي الناس استثناء وليس قاعدة؟

إحدى الإجابات يمكن أن تساق في هذا الصدد أن ثمة أمورا يملكها رئيس مجلس الوزراء بحيث يستطيع أن يبادر أو يتصرف فيها،
 كما ان هناك أمورا أخرى لا سلطان له عليها، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يقدم أي مبادرة بخصوصها.
وهو ما يعني أن المقامات العليا درجات، فهناك سياسة عليا في البلد إلا أن هناك أيضا سياسة أعلى.

 وذلك مجرد تخمين بطبيعة الحال، لاننا لا نعرف بالضبط معالم خرائط السلطة،
وما هي القيادات أو المؤسسات التي ينطبق عليها الوصف الأول أو تلك التي تنسب إلى المرتبة الأعلى.

 والملاحظ أن ذلك موضوع يكتنفه الغموض، وتتعدد فيه الاجتهادات. فالصحف تتحدث أحيانا عن مصادر «سيادية» لا نعرف معالمها ولا شخوصها،
 ثم اننا قرأنا أكثر من مرة تساؤل بعض المراجع عن وجود وهوية فريق الرئيس.

 وأمس قرأنا للدكتور مصطفي الفقى حوارا في صحيفة «المصرى اليوم» ذكر فيه ان الغموض من بين أبرز سلبيات المرحلة، وأعرب عن اعتقاده أن الرئيس السيسي يريد أن يتخذ من جهاز المخابرات العامة ومن رئيسه ونائبه مكتبا له.

وفي حواره فإنه رجح «إلى حد كبير جدا» ان يكون لجهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة دورهما الكبير في تشكيل قائمة في حب مصر، التي هي أبرز القوائم التي ظهرت أثناء التمهيد للانتخابات البرلمانية.

وهي معلومة تسلط الضوء على تجليات الأزمة التي نحن بصددها.
إذ في حين أن قائمة بهذه الأهمية يفترض أن تمثل الرأي العام، فإذا بنا نكتشف أنها في حقيقة الأمر تمثل جهاز الأمن الوطنى والمخابرات العامة.

إن الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية طرف فاعل في الحياة السياسية. وهو الذي يصنع القرار السياسي، وهو الذي يراقب تنفيذه ويحاسب عليه.
 أما في المجتمعات غير الديمقراطية فالرأي العام في أحسن أحواله متفرج على القرار السياسي وليس صانعا له.
وحضوره في الوثائق المكتوبة أضعاف حضوره في آلية صناعة القرار السياسى.

 إن شئت فقل انه «البطل» الذي يقرر في المجتمعات الديمقراطية وهو مجرد «كومبارس» يهلل ويصفق في المجتمعات غير الديمقراطية.

ليس السؤال هو ما إذا كان الرأي العام يستطلع في هذا الشأن أو ذاك، لان السؤال الحقيقى هو ما إذا كنا بصدد ديمقراطية حقيقية أم مزورة ومغشوشة.

لا يكفي في هذا الصدد أن ينص الدستور على أن الأمة هي مصدر السلطات، لان الالتزام بالنص له آلياته وتجلياته وأخطر شيء ان يقول قائل بأن الشعب بانتخابه لأي رئيس يكون قد فوضه في ان يدير شؤونه. لان الشعب في هذه الحالة لا يمكن أن يكون حشودا خرجت وحناجر هتفت وملأت الفضاء بالصياح والضجيج.
وإنما هو مؤسسات تشكلت من خلال انتخابات حرة، وهي التي حددت موضوع التفويض ومدته وراقبت تنفيذه حتى ينتهي أجله.

 أما استطلاع رأي الشعب بصورة انتقائية في أمور تنظيمية وتجاهله فيما يخص مصيره،
 فذلك ليس من الديمقراطية في شيء وإنما هو من باب حسن التدبير الذي نعتبره أمرا محمودا، لكنه ليس كافيا ولا شافيا.
.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar