Subscribe:

Ads 468x60px

01 أبريل، 2015

نصيحة جديرة بالتعميم

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 13 جمادى الآخر 1436 2 أبريل 2015
نصيحة جديرة بالتعميم - فهمي هويدي

حين دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي قادة المتقاتلين في اليمن إلى التحلي بالمسؤولية واتخاذ القرار السليم الذي يجنب بلادهم الآثار الكارثية المترتبة على استمرار القتال، فإنه أسدى إليهم نصيحة ثمينة ليتهم يستجيبون لها.

ذلك أن التحلي بالمسؤولية يقتضى استعلاء فوق مشاعر الإقصاء والانتقام وتصفية الحسابات وعزوفا عن أطماع التمدد والانفراد بالحكم.
كما يقتضي إعلاء المصالح العليا للوطن، من وقف نزف دماء أبنائه إلى الحفاظ على وحدته وإشاعة السلام بين ربوعه.

 في الوقت ذاته فإنه لا سبيل للتوصل إلى القرار السليم الذي يخرج اليمن من محنته إلا من خلال الحل السياسي الذي يستدعي جلوس الجميع حول طاولة التفاوض، بعد إسكات صوت المدافع بطبيعة الحال. بما يسمح بإجراء حوار حول تحليل الأزمة وكيفية علاج جراحها، ومن ثم الاتفاق على خطوات إعادة اللحمة ووصل ما انقطع، الأمر الذي يفتح الباب لاستعادة الوفاق الأهلي والانطلاق نحو المستقبل.

جدير بالذكر في هذا الصدد القرار السليم لا يكون بفرض طرف لرأيه على الآخر، حيث لا سبيل إلى تحقيقه إلا إذا صدقت النوايا وتم الاحتكام إلى المصلحة العليا للمجتمع دون تغليب مصلحة طرف على آخر.

في هذا الصدد فإنني أزعم أن الفتنة التي وقعت في اليمن انطلقت أساسا بسبب عدم توافر هذا الشرط.
ذلك أن الطرفين تحاورا طويلا وتوصلا إلى اتفاقات وتعهدات تحقق المشاركة وترسي أساس الوئام، إلا أن النوايا لم تكن صادقة أو صافية من جانب الحوثيين وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح. حيث كشفت التجربة عن أن الاتفاقات أريد بها التسكين وتوفير الفرصة للالتفاف وكسب الوقت لإتمام التمكين.

وقد سبق أن ذكرت قصة المناقشات التي استغرقت بعض الوقت لرفع حصار الحوثيين لاثنين من المعسكرات المهمة في صنعاء، وكيف أن الجميع تنفسوا الصعداء حين أبلغوا أنه تم الاتفاق على رفع الحصار (يوم ٢٠ سبتمبر ٢٠١٤) إلا أنهم لم يهنأوا بذلك طويلا لأنه ما أن حدث ذلك حتى تم الاستيلاء على صنعاء كلها في اليوم التالي (٢١ سبتمبر).
وبدا واضحا حينذاك أن الاستيلاء على صنعاء كان مضمرا وأن حصار المعسكرين كان حيلة لصرف الانتباه عن المخطط الأصلي.

وإذ أتمنى أن يستمع المتقاتلون في اليمن إلى نصيحة الرئيس السيسي، فإنني أتمنى أن توجهها أيضا إلى المتقاتلين في ليبيا.
ذلك أن الموقف هناك لا يقل عبثية عنه في اليمن. بل ربما كان أكثر عبثية وتعقيدا.

ذلك أنه إذا كان المتقاتلون طرفين في اليمن فهم ثلاثة في ليبيا.
مجموعة طبرق في الشرق الملتفة حول اللواء حفتر،
ومجموعة طرابلس في الغرب المنخرطون فيما سمي فجر ليبيا،
وبينهما مجموعة «داعش» التي تقود معسكر المتطرفين من اتباع السلفية الجهادية.

 وفي حين تقاتل مجموعة حفتر معسكر فجر ليبيا، فإن الآخرين يحاربون على جبهتين.
 فهم يصدون جماعة حفتر من ناحية،
كما أنهم يقاتلون مجموعة داعش التي تحاول السيطرة على سرت ويتطلعون للوصول إلى منابع النفط هذه الأيام.

 وفي الوقت الذي يتقاتل فيه الطرفان المتمركزان في طبرق وطرابلس وتستهلك طاقاتهما في الصراع الدائر، فإن ذلك يوفر فرصة مواتية لتمدد تنظيم داعش وإنعاش طموحاته، خصوصا أن الأخيرين يتحركون في الصحراء الواسعة المفتوحة على عدة دول تنشط فيها الجماعات المتطرفة والإرهابية (الجزائر والنيجر ومالي). وهو ما يوفر لهما بيئة مناسبة للمناورة والانتشار والإمداد.

المثير في الأمر أن الصراع والتجاذب بين جبهتي طبرق وطرابلس مستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات دون أن يتمكن أي منهما من إزاحة الآخر أو هزيمته،
وكان الخاسر الأكبر جراء ذلك هو المجتمع الليبي الذي أهدرت طاقاته واستنزفت موارده وتدهورت فيه الخدمات كما تعطلت عجلة الحياة.
وهو ما ضاعف من معاناة الناس الذين بات بعضهم مقتنعا بأن الثورة التي حدثت في ليبيا نقلت البلاد من سيئ إلى أسوأ.

إذا أجلنا الحديث عن سوريا باعتبار أن حالتها لها تعقيدات وحسابات أخرى، فبوسعنا أن نقول إن الحالة الليبية أحوج إلى تلقي رسالة التحلي بالمسؤولية واتخاذ القرار السليم، الذي يخرج البلاد من وضعها الكارثي الذي آلت إليه.

ورغم أن هناك دعوات كثيرة إلى إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، إلا أن تلك الدعوات صادفت عقبات عدة، بعضها من داخل ليبيا وبعضها من جانب الدول الاقليمية.

 وفي حدود معلوماتي فإن الاتفاق في هذا الصدد لم يتم بعد بين أهم دولتين عربيتين معنيتين بالشأن الليبي هما مصر والجزائر.

لذلك فربما كان مهما بذات القدر أن تتحلى الدولتان بالمسؤولية إزاء الشعب الليبي في مجموعه دون تحيز أو إقصاء لأي طرف، عسى أن يمكنهما ذلك من اتخاذ القرار السليم لإعانته في تجاوز محنته.

وإذا حققت النصيحة نتيجة إيجابية في ليبيا، فليتنا نحاول اختبار تطبيقها في مصر.
...........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar