Subscribe:

Ads 468x60px

15 مارس، 2015

حظوظ الفقراء من المؤتمر

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 24 جمادى الأولى 1436 15 مارس 2015
حظوظ الفقراء من المؤتمر - فهمي هويدي

لست أشك في أن المستثمرين سيخرجون سعداء من مؤتمر شرم الشيخ. وهو أمر يسرنا لا ريب. لكن سعادتنا ستكون أكثر لو أن المصريين سعدوا بنفس الدرجة.

صحيح أن الإعلام لم يقصر في ذلك، حتى إن بعض منابره اعتبرت أن الفجر لاح والمستقبل بدأ،
ونقلت على لسان أحد «الخبراء» قوله إنه يحمد الله أنه عاش حتى شهد ذلك اليوم المجيد الذي بزغ فيه الأمل وتحقق المراد حتى إنه ما عاد يروم لبلده شيئا من رب العباد.
 إلا أن ما اعتبره الإعلام واجبا أدَّاه يعد سلاحا بحدين في حقيقة الأمر.
فهو حين يلهب الوجدان ويدغدغ المشاعر ويتنافس في التهليل والمزايدة على النحو الذي رأيناه، فإنه يتخلى عن الحذر ويرفع سقف التوقعات بأعلى مما ينبغي،
وتلك مغامرة خطرة لها عواقبها الوخيمة إذا جاءت الحقائق دون التوقعات التي جرى الترويج لها.

إن التشاؤم تسرع غير محمود وغير مسؤول. لكن الحذر والتوازن والوعي بالتحديات تجنبنا الانزلاق في المغامرة.

 في هذا الصدد أزعم أننا نواجه معضلة أساسية تستدعي تحديات ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. هذه المعضلة تتمثل في أن إسعاد المستثمرين كثيرا ما يكون على حساب الطبقات الفقيرة قبل المتوسطة.
 في حين أن إرضاء تلك الطبقات يكون في الأغلب متعارضا مع مصالح المستثمرين.
وتكون المشكلة الكبرى في هذه الحالة هي إلى أي الطرفين تنحاز السلطة.

ذلك أن انحيازها للمستثمرين له تكلفته العالية وأضراره الجسيمة.
أما انحيازه إلى الفقراء ومتوسطي الحال فيحتاج إلى رؤية اجتماعية واضحة ودرجة من استقلال القرار الاقتصادي.

وهذه مسألة تحتاج إلى بعض الشرح الذي أستعين فيه بشهادة خبير اقتصادي محترم هو الأستاذ عمر الشنيطي الذي نشرت له جريدة «الشروق» في ٧ مارس الحالي مقالة تطرق فيها إلى الموضوع،
ومما ذكره ما يلي:
 لتشجيع المستثمرين فعلى صانع القرار أن ينضبط ماليا بالعمل على خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين الحكومي لتحسين التصنيف الائتماني. كما أن عليه تحرير سعر الصرف.

وهذه الإجراءات ستشجع المستثمرين بالتأكيد. لكنها تحمل الكثير من الأخبار السيئة للفقراء.
ذلك أنهم في هذه الحالة سيواجهون زيادة في البطالة وارتفاعا في الأسعار على المدى القصير.
والأمل معقود على أن يؤدي ذلك التوجه إلى إيجاد فرص عمل تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد.
أما لو ركز صانع القرار على الفقراء فإن ذلك سيتطلب زيادة في الإنفاق الحكومى لإيجاد فرص عمل وزيادة الميزات الاجتماعية من خلال توفير أشكال الدعم المختلفة لانتشال البعض من دائرة الفقر.
لكن ذلك سيأتي على حساب زيادة عجز الموازنة وبالتالي التوسع في الدين الحكومي. وهو ما يمثل أخبارا سيئة للمستثمرين. (انتهى الاقتباس).

لا ينكر أحد أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة عانت الكثير خلال السنوات الأربع الماضية.
خصوصا في ظل ارتفاع نسبة البطالة وتعثر القطاع الصناعي وارتفاع الأسعار مع رفع الدعم عن الوقود وتدهور قيمة الجنيه. وترتب على ذلك أن الفقراء ازدادوا تعاسة
 أما الطبقة المتوسطة فقد ازدادت عسرا والتحقت بشريحة الفقراء.
والجهد الاستثماري المفترض إذا استمر على وتيرته العادية فإنه سوف يؤتي أُكُلَه بعد ثلاث سنوات على الأقل.

وربما لاحظت أن الشهادة التي أوردتها توا تحدثت عن أن إيجاد فرص العمل المنشودة يمكن أن يؤدي إلى تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد، أى أنه سيبدأ بعد ثلاث سنوات.
والسؤال المطروح في هذه الحالة هو:
هل يمكن أن تستمر تلك الطبقات في تحمل وطأة العُسر وشدة الفقر خلال تلك الفترة أم لا؟

لقد أثار انتباهي في هذا الصدد ما ذكره الدكتور زياد بهاء الدين أنه حين طرحت فكرة عقد المؤتمر في نهاية عام ٢٠١٣(حين كان وزيرا للتعاون الدولى ونائبا لرئيس الوزراء) فإن الهدف منه آنذاك كان حشد الدعم الدولي والعربي لإعادة تأهيل وتجديد البنية التحتية والخدمات العامة (التي تهم الطبقات المتوسطة والفقيرة)
إلا أن الفكرة طورت بعد ذلك بحيث اتجه الرأي إلى تحويله إلى مؤتمر لجذب الاستثمارات الخاصة والمشروعات التجارية.

 أضاف الدكتور زياد في مقالته التي نشرتها جريدة الشروق في ١٠/٣ أن ذلك التحول حدث استجابة لضغوط الإعلام المحلي. وتلبية لرغبات دول الخليج العربي.

لست أشك في أن الرغبة في الإنجاز والحرص على قطف الثمار كانت وراء ترجيح كفة جذب الاستثمارات على فكرة تجديد البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة. وهو ما يعطي انطباعا بأن ثمة انحيازا أكبر لصالح المستثمرين.

 في ذات الوقت فإنني لست متأكدا من نجاح محاولة حفظ التوازن بين مصالح المستثمرين ومصالح الفقراء.
ذلك أن أهل الاقتصاد يعرفون جيدا أن مواجهة العجز في الميزانية تعالج من خلال تحصيل الضرائب وزيادة الإنتاج.
كما أن العجز في ميزان المدفوعات يعالج بالحد من استيراد السلع الكمالية وتشجيع السياحة.

ولا يبدو في الأفق أن هناك إجراءات حاسمة على هذين الصعيدين.
من ناحية لأن ضرائب الدخل خفضت فجأة من ٣٠ إلى ٢٢.٥٪، الأمر الذي يصب في صالح القادرين رغم أن ذلك التخفيض لم يكن ضروريا.
وهو ما يعني أن نسبة الـ٧.٥٪ التي جرى تخفيضها تحملتها فئات أخرى أقل قدرة.

 ثم إن قضايا الإنتاج والسياحة مرتبطة باستقرار الأمن وتحقيق السلم الأهلي، وهو الموضوع الذي لم يتطرق إليه أحد، أغلب الظن لأنه يستدعي ملفات سياسية حرجة ودقيقة.

إننا نريد لمؤتمر شرم الشيخ أن ينجح، لكننا نريد أيضا لفقراء مصر «ومساتيرها» أن يفوزوا منه بشيء قبل أن ينفد صبرهم وتتبدد طاقتهم على الصبر والاحتمال.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar