Subscribe:

Ads 468x60px

01 فبراير، 2015

تظاهرنا وما تحاورنا

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 12 ربيع الآخر 1436 1 فبراير 2015
تظاهرنا وما تحاورنا - فهمي هويدي

الحناجر لا تكفي ولا تجدي في التصدي للإرهاب.
صحيح أنها قد تعلن موقفا لكنها تظل نوعا من الهجاء الذي لا يتجاوز حدود التعبئة والتحريض.
 وفي الحالة المصرية فإن هجاء الإرهاب والتنديد به أصبح أمرا مفروغا منه.
بل أزعم أننا صرفنا جهدا في التنديد به وفي التعبئة والتحريض عليه يفوق بكثير جهدنا في التحصين وتعزيز الدفاعات وسد الثغرات التي تمكنه من أن يحقق غايته.
وكانت النتيجة أننا تظاهرنا بأكثر مما تحاورنا، وملأنا الفضاء بأصواتنا أكثر مما عملنا لأجل تقوية دفاعاتنا.

الحاصل في مصر الآن يؤيد ما أدعيه؛ ذلك أن فضاءها يعج الآن بأصوات التنديد والهجاء والتعبئة التي تنافست فيها الحناجر والأبواق، في حين أن صوت التدبر والمراجعة لم يسمع.

وفي حين شغلت الأغلبية الساحقة بالجريمة التي وقعت والضحايا الذين سقطوا والخطر الذي بات يمثله الإرهاب. فإن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في الفضاء لم تجد من يطرحها. وما سئل منها لم يجد من يجيب عنه.

لقد عرضت أمس بعضا من تلك الأسئلة التي أضيف إليها ما يلي:
لماذا استفحل الخطر رغم كل الجهد الذي بذل لحصاره ومحاولة القضاء عليه؟
وكيف تسني للإرهابيين أن يقوموا بمهمتهم خلال دقائق معدودة؟
 وما هي الثغرات التي مكنتهم من تحقيق مرادهم؟
وأين دور المعلومات والاحتياطات الواجب توافرها في ظروف المواجهة الشرسة التي تشهدها سيناء منذ نحو عامين؟
وما هي مصادر القوة لدى الإرهابيين وما هي مصادر الضعف عندنا؟
وهل المجتمع المصري يتمتع باللياقة والعافية التي تمكنه من التصدي للإرهاب أم أن انقسامه المشهود له أثره على تلك العافية؟

لست أشك في أن الأسئلة المهمة التي أثارها المشهد طرحت في محيط السلطة، بعدما قطع الرئيس السيسي رحلته إلى إثيوبيا وعاد ليناقش الأمر مع مجلس الدفاع الأعلى.

 لكن ملاحظتي الأساسية أن المجتمع بنخبته ومنابره الإعلامية ظل خارج دائرة الحوار.
وهو ما يسوغ لي أن أقول إن الكلام الجاد والمفيد ظل يتداول في دوائر السلطة وحدها، أما الأصداء ودور الحناجر فقد كان من نصيب المجتمع.

خذ مثلا تلك الواقعة الغريبة التي أوردتها جريدة الشروق أمس (31/1)،
إذ نوهت الجريدة في عناوين الصفحة الأولى إلى أن إرهابيا شرح لأجهزة الأمن تفاصيل مذبحة الكتيبة 101 (التي كانت اهم أهداف العملية) قبل وقوعها بأسبوع.

في التفاصيل المذكورة بالداخل أن أحد أعضاء أنصار بيت المقدس -اسمه عواد رضوان غانم- أبلغ جهاز الأمن الوطني قبل أسبوع بأن أعضاء التنظيم خططوا لضرب مبنى مديرية أمن شمال سيناء يوم 28 نوفمبر عن طريق سيارة مفخخة ليقوم بعدها أعضاء التنظيم بقيادة آخر اسمه عيد المنيعىي لمهاجمة مبنى المديرية وإطلاق الرصاص والقذائف على من فيها.

وبعد الانتهاء من ذلك الهجوم كان مخططا أن تقوم المجموعة بمهاجمة كمين الريسه بنفس طريقة الهجوم على كمين كرم القواديس
 (الذي تم في 15 نوفمبر وأسفر عن قتل 30 جنديا وضابطا).

في التقرير المنشور أيضا أن تحريات جهاز الأمن الوطني كشفت عن أن عناصر التنظيم استأجروا شقة مواجهة لمبنى مديرية الأمن لتكون مركزا ينطلقون منه للهجوم وإعداد السيارة المفخخة.
وقاموا برصد الحركة في داخل المديرية، لتحديد أوقات تغيير أفراد الحراسة فيها وأعدادهم، ودرجة تسليحهم ونوعية الأسلحة التي يحتاجون إليها لإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر برجال الأمن العاملين بالمديرية.

تضمن التقرير أيضا تفصيلات عن الإعداد للهجوم على مقر الكتيبة 101 التابعة للقوات المسلحة وتفصيلات أخرى عن نتائج مداهمة الشقة المواجهة لمديرية أمن شمال سيناء التي أرشد عنها عواد رضوان غانم،
وكان قد استأجرها اثنان من أعضاء التنظيم بأسماء مستعارة، لكنهما غادراها بعد القبض على زميلهما عواد.
وقد عثر في الشقة على 500 كيلوجرام من مادة تي. ان. تي المتفجرة.

هذه القصة التي يفترض أنها خرجت من وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني لها دلالتها الخطيرة، التي ينبغي أن تستوقف أي باحث جاد ينصرف عن التنديد ويفكر في المراجعة،

ذلك أنها تشير بوضوح إلى جانب من الثغرات التي يستفيد منها الإرهاب.
 إذ لا بد أن يتساءل المرء عن تفسير لتجاهل تلك المعلومات التي توافرت قبل الفاجعة بأسبوع الى الحد الذي يمكن الإرهابيين من الإفادة من انشغال الآخرين بمتابعة مباراة الأهلي والزمالك أثناء حظر التجول وتنفيذ مخططهم.

لو أننا صرفنا بعض الجهد الذي يبذل في التنديد وهجاء الارهاب، وإشغال الناس بالمؤامرات التي تحاك في الداخل أو من الخارج،
ووظفنا ذلك البعض لأجل مناقشة جادة لملابسات الحدث وكيفية تقوية مناعة المجتمع للتصدي للإرهاب، لكانت الفائدة أكبر والنتائج أعظم

ولو أن تلك المناقشة تطرقت لمراجعة ما كان ورصدت بشجاعة نقاط الضعف والقوة لدى كل طرف، لنجحنا في هزيمة الإرهاب ووضع حد له.

لكننا للأسف نعول على الحناجر أكثر مما نعول على العقول ونعبئ الناس للالتفاف حول السلطة بأكثر مما ندعوهم للاحتشاد دفاعا عن الوطن.

وتلك مشكلة ينبغي أن نجد لها حلا يمكننا من الاطمئنان إلى حماية الجيش والوطن.
.....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar