Subscribe:

Ads 468x60px

04 يناير، 2015

معجزات شيخ الأزهر

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 13 ربيع أول 1436 4 يناير 2015
معجزات شيخ الأزهر - فهمي هويدي

هذا خبر يجب أن يقرأ أكثر من مرة لكي يصدق ويستوعب.
ذلك أننا فوجئنا صباح يوم الأربعاء الماضي 31/12 بخبر في الصحف يقول إن شيخ الأزهر سيقوم بجولات في آسيا وأفريقيا وأوروبا لمواجهة ظاهرة العداء للإسلام (الإسلاموفوبيا) وتحسين صورته التي شوهتها ممارسات العناصر المتطرفة والإرهابية.

بدا الخبر مفاجئا ومحيرا، إذ مبلغ علمي أن الإمام الأكبر كانت لديه قبل ثلاث سنوات خطة لزيارة بعض الدول الأفريقية،
وكان مقدرا في ذلك الوقت أن يبدأ جولته بزيارة المملكة المغربية، وليست معروفة الأسباب التي أجلت تلك الجولة.
 من ثم فإن تحركاته خلال السنوات الأخيرة لم تتجاوز زيارة بعض الدول الخليجية تلبية لدعوات وجهت إليه.

لذلك كان مفاجئا أن تعلن وسائل الإعلام المصرية إثر زيارة وزير الخارجية له أن اتفاقا تم على وضع خطة وصفتها جريدة الأهرام بأنها «عاجلة» لكي يقوم الدكتور أحمد الطيب بجولات في القارات الثلاث «لتصحيح المفاهيم».

لم تعلن تفاصيل الخطة ولا مواعيد تنفيذها. إلا أنني استغربت فكرة إيفاد شيخ الأزهر شخصيا لكي يطوف بثلاث قارات في مهمة استهدفت تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام ورد حملات تشويهه سواء من جانب خصومه وأعدائه أو من جانب بعض أبنائه، وهي مهمة تفوق طاقة أي إنسان مهما بلغت قدرته، فضلا أن جدواها مشكوك فيها إلى حد كبير.

إننا إذا حاولنا أن نتصور سيناريو تلك الخطة العاجلة فسنجد أن الرجل سيعد له برنامج لزيارة عواصم بعض الدول في القارات الثلاث.

حيث يلتقى فيها بالمسؤولين عن النشاط الديني وربما خاطب وسائل الإعلام في مؤتمرات ترتب له للإجابة عن أسئلة الصحفيين.

وقد يدعى لإلقاء بعض الكلمات والمحاضرات، الأمر الذي يستغرق عدة أيام قد تصل إلى أسبوع في كل عاصمة.

ولأن الكلام المنشور تحدث عن ثلاث قارات (واستثني الولايات المتحدة لسبب غير مفهوم).
فلك أن تتصور المدة التي يمكن أن تستغرقها الجولة إذا أعد برنامجها بذمة وكما يجب.
لكنه قد يكتفي بزيارة بلدين أو ثلاثة في كل قارة من باب سد الخانة ورفع العتب.

 وأرجح الاحتمال الثاني لأن شيخ الأزهر الذي لا يحب السفر كثيرا لا يستطيع أن يطوف بالقارات الثلاث مبلغا ومصوبِّا ومفندا ومحاججا، حتى إذا كان من أهل الخطوة وله كراماته ومعجزاته.

وإذا ما اكتفي بزيارة بلد أو اثنين في كل قارة، فإننا سنكون بصدد رحلة سياحية نظمت له ربما لاسترضائه وإخراجه مؤقتا من الأجواء غير المريحة التي تأذى منها بسبب صدورها عن وزير الأوقاف إثر تعكر العلاقات بين الرجلين. وهو ما اضطر رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب لزيارته وقتذاك في مكتبه لتطييب خاطره وتخفيف أثر الجفاء الذي أغضب الإمام الأكبر وأثار حفيظته.

لا أعرف من الذي طرح الفكرة، وتصور أن جولة شيخ الأزهر في القارات الثلاث حتى إذا أخذت على محمل الجد، يمكن أن تحسن الصورة وتغير المفاهيم وتحبط مساعي دعاة الإسلاموفوبيا.
 ولا أصدق أن الذين تحمسوا للفكرة افترضوا قدرات خارقة في الإمام الأكبر تمكنه من تحقيق تلك الأهداف خلال عدة أسابيع أو عدة أشهر.

إن الصورة المشوهة والأفكار المغلوطة عن الإسلام والمسلمين تعد جزءا من الثقافة السائدة. في العالم الغربي بالذات.
وهي حصيلة ممارسات وتراكمات ومعارف تشكلت عبر سنوات عدة، لذلك فإنه من السذاجة والتبسيط الشديد أن يظن أحد بأن كل ذلك يمكن أن يتغير بفضل زيارة شيخ الأزهر وحواراته التي يمكن أن يجريها في العواصم المختلفة.

لا أعرف مدى استجابة الإمام الأكبر للفكرة، التي فهمت أنها لم تنبع من الأزهر ولكنها جاءت من خارجه، الأمر الذي يشم فيه المرء رائحة التكليف الذي يقدم في صيغة اقتراح من جهات لا يرد لها كلام.
 لكنني لا أبالغ إذا قلت إن الجولة المفترضة إذا تمت فإنها سوف تنضم إلى المبادرات التي تسوق إعلاميا ولا تحقق مردودا يذكر، حيث يكتفي فيها بشرف المحاولة دون أن ينتظر منها عائد يذكر.

ليس لدى أي خلاف مع تشخيص المشكلة، لأنني أعي جيدا أننا نواجه أزمة مزدوجة. فالكارهون للإسلام يشوهونه وبعض المنتسبين إليه ينفرون الناس منه ويفضحونه.

الخلاف يفرض نفسه حين يطرح التفكير في علاج المشكلة. وأزعم في هذا الصدد أن تكليف شيخ الأزهر بالتجول في ثلاث قارات لا يمثل علاجا بأي حال، بل لا يمثل حتى مسكِّنا، وأكرر أنه يقدم نموذجا لوهم الإنجاز الذي نسمع له ضجيجا ولا نرى له طحنا.

إن أفضل وسيلة للتعامل مع الإسلاموفوبيا هي أن يقدم المسلمون نموذجا مشرفا يسكت الخصوم ويكذب إدعاءاتهم. وتلك مهمة ليست من اختصاص الأزهر وشيخه.
وإنما هي مسؤولية موزعة بين أهل السياسة الذين يديرون العالم الإسلامي والجاليات والأقليات المسلمة التي تعيش خارج ذلك العالم، أما الممارسات الخاطئة التي أسهمت في عملية التشويه وكرَّهت كثيرين في الإسلام فهي نتاج واقع فكري متخلف وواقع سياسي ظالم، دفع البعض إلى التمرد والعنف.

وتلك مشكلة لا تحل بجولات يقوم بها شيخ الأزهر في القارات الثلاث، وإنما للأزهر أن يساهم في حلها بانحيازه إلى الفكر الوسطي من خلال دفاعه المستمر عن العدل والحرية ووقوفه ضد الظلم بمختلف أنواعه،

 وتلك رسالة تؤدى في الداخل وليس في العالم الخارجي. ليتنا نواجه الأمر بصورة أكثر جدية.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar