Subscribe:

Ads 468x60px

19 يناير، 2015

سمعة مصر عند المعبر

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 28 ربيع أول 1436 – 19 يناير 2015
سمعة مصر عند المعبر - فهمي هويدي

أيهما يسيء إلى سمعة مصر أكثر:
 أن تستمر في إغلاق معبر رفح بما يحكم الحصار حول فلسطينيي قطاع غزة،
 أم أن يشكو بعض الفلسطينيين من معاناتهم جراء ذلك؟

هذا السؤال له قصة ألخصها فيما يلي:

في إحدى الحلقات الأخيرة لبرنامج «اكتشاف المواهب» وقبل أن تقدم فرقة التخت الشرقي الفلسطينية إسهامها تحدث بعض الصبية أعضاء الفرقة عن معاناتهم وهم يحاولون الوصول من غزة إلى بيروت.
ومما ذكروه أنهم ذهبوا إلى معبر رفح ثلاث مرات، لكنهم فشلوا في عبوره بسبب إغلاقه في وجه الفلسطينيين. إلا أنهم نجحوا في المرة الرابعة حين وجدوا المعبر مفتوحا، فاستقلوا سيارة حملتهم في رحلة عذاب أخرى إلى مطار القاهرة. ومن هناك استقلوا الطائرة إلى بيروت.

أفاضت الصحف في وصف انبهار الجميع بأداء الفرقة وتأثرهم البالغ الذي دفع كثيرين إلى البكاء حين شاهدوا الصبية الخمسة وهم يغنون ويعزفون.

ومما نشرته جريدة الشروق في 15/1 أنهم استحقوا بجدارة المنافسة على جوائز البرنامج، وأن أعضاء لجنة التحكيم أكدوا أهمية دعم الفرقة باعتبارها تجسد الصمود والتحدي والحضور الفلسطيني.

 إلا أن ما استوقفتني في التقرير المنشور عن حلقة البرنامج الذي تقدمه إحدى القنوات الخاصة عبارة ذكرت أن بعض الأصوات «اتهمت البرنامج بالنيل من سمعة مصر بالحديث عن إغلاق المعبر أمام مرور الفلسطينيين أثناء القصف الإسرائيلي لغزة، الذي تسبب في احتجاز الفرقة على الحدود».

لا أعرف مدى دقة الجملة الأخيرة، لكنني اعترف أن مضمونها الذي لا أستبعده صرفني عن متابعة العرض البديع والمؤثر الذي قدمته الفرقة.
 إذ جعلني أطرح السؤال الذي بدأت به الكلام وفي خلفيته قلت إنه إذا كان إغلاق المعبر أمرا سيئا ومخجلا،
 فهل يكون الموقف الصحيح أن نتستر عليه ونخفيه بما يرتبه ذلك من استمرار لمعاناة أهل القطاع وتعذيبهم،
 أم أن ننبه إلى الخطأ الحاصل جراء ذلك لتصحيحه بما يلبي المصالح ويمتص مشاعر السخط والغضب؟

إن المرء لا يستطيع أن يخفي دهشته إزاء الموقف العربي ـ دعك من الدولي ـ من قطاع غزة.

ذلك أن نموذج البسالة والصمود الذي قدمه أهل غزة في مواجهة مخططات العدوان والحصار يستحق الحفاوة والاعتزاز. ليس من جانب الفلسطينيين وحدهم، وإنما من العرب أجمعين.

ولكن الأمر المستغرب حقا أن ذلك الأداء لم ينل ما يستحقه من تقدير فحسب، ولا قوبل بالصمت فحسب، وإنما بدا وكأن القطاع يحاسب ويعاقب عليه.

على الأقل فذلك ما نلمسه الآن في مختلف الضغوط وصور التنكيل، التي باتت تمارس ضد القطاع. ليس فقط من جانب إسرائيل التي نفهم موقفها، ولكن من جانب الأشقاء الذين يستعصى فهم موقفهم.

 في هذا الصدد فإنني أسجل ثلاث ملاحظات للتفكير فيها هي:

<
إن التعبئة الإعلامية والسياسية المضادة حققت نجاحا مشهودا في تسميم العلاقة بين المصريين والفلسطينيين عموما وأهل غزة بوجه أخص. حتى أصبح عدد غير قليل من المصريين يستشعرون حساسية وامتعاضا حين يتطرق الحديث إلى ذلك الملف، الذي بات مسكونا بالتوجس وسوء الظن.
وهو ما دفعني إلى القول مازحا ومحسورا ذات مرة أن مصر وقعت معاهدة سلام مع الإسرائيليين، لكن مثل تلك المعاهدة لم توقع مع الفلسطينيين.
كما دعوت في مقام آخر إلى فض الاشتباك بين الطرفين.

أدري أن سجل الشكوك والهواجس تحول إلى اتهامات في حملة التعبئة المضادة حتى تعامل معها البعض باعتبارها مسلمات وحقائق ثابتة.

 ومن المؤسف أننا لم نلمس جهدا نزيها ومحايدا حاول تحري الحقيقة في تلك الاتهامات.

وكانت النتيجة أن الادعاءات تحولت إلى حقائق، كانت أساسا لمحاكمات قامت بها المنابر الإعلامية، التي أصدرت أحكامها ونفذتها دون دفاع أو نقض أو إبرام.

<
الملاحظة الثانية أننا صرنا نسمع في التصريحات الرسمية عن انفراجة كبيرة وواسعة في القضية الفلسطينية من خلال الاتصالات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية.

وكان اعتراف بعض الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية أحد العوامل التي شجعت ذلك الاتجاه.
وهو ما يرفع من منسوب الدهشة عندي، لأننا ونحن نتحدث عن الانفراجة الكبيرة نقف عاجزين عن إنجاز تحقيق متواضع يمثل انفراجة متواضعة وصغيرة تتمثل في فتح معبر رفح، الذي هو المنفذ الوحيد للفلسطينيين الذي لا يمر بإسرائيل ويصلهم بالعالم الخارجي. وهو ما وضعنا أمام مفارقة لافتة للنظر.

ذلك أن التصريحات الرسمية باتت تتحدث عن حلول تمثل الحد الأقصى، في حين أنها تمتنع عن اتخاذ خطوة مثل فتح معبر رفح. تدور في فلك الحد الأدنى. من حيث إنها تمس إنسانية البشر ومعايشهم وليس الدولة بحدودها ومسؤولياتها.

<
الثالثة إنني لم أفهم كيف يمكن أن يهدد فتح معبر رفح الأمن القومي المصري. وهي المقولة التي ما برحت تتردد في الحوارات المتعلقة بالموضوع وفي التعليقات والتقارير الصحفية.
إذ ما أعلمه أنه ما من شخص يجتاز معبر رفح إلا بعد أن يكون اسمه قد تمت مراجعته. وحالته تم فحصها وحقائبه تم تفتيشها،

 الأمر الذي يؤكد أنه في مروره لا بد أن يكون قد تم فحصه جيدا من جانب ممثلي الجهات الأمنية. وهذه الاحتياطات كفيلة بطمأنة المسؤولين إلى أن المعبر ليس مصدرا لتهديد أمن مصر من أي باب.

ما أسمعه أن المسؤولين المصريين يكتفون في كل مناقشة بالإحالة إلى مقتضيات الأمن القومي، ويعتبرون أن إطلاق العبارة كافٍ لإنهاء الحديث في الموضوع، وهو ما يمكن أن يكون مفهوما إذا تعلق الأمر بمصلحة طرف واحد، ولكن حين يكون هناك طرف آخر فمن حقه أن يعرف إجابة السؤال كيف؟
 كما أن من حقه أن يرد على الحجج التي تساق لتبرير الإغلاق.

الأكثر مدعاة للدهشة أن يقول قائل ان الرئيس محمود عباس يؤيد الإغلاق ويحث عليه لتصفية حسابه مع حماس.

وذلك عذر أقبح من الذنب. ثم إنه ينقل المناقشة إلى مستوى العبث، لأنني لا أتخيل رئيسا يعلن الحرب على شعبه بهذه الطريقة، إلا إذا كان سائرا على طريق «ممانعة» الرئيس السوري بشار الأسد.

...........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar