Subscribe:

Ads 468x60px

31 ديسمبر، 2014

رؤساؤهم يشيخون

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 10 ربيع أول 1436 – 1 يناير 2015
رؤساؤهم يشيخون - فهمي هويدي

الرؤساء الأمريكيون يشيخون أسرع مرتين من أقرانهم الذين يعملون في مهن أخرى، بسبب الإجهاد وضغط العمل طوال الوقت.

تلك خلاصة انتهت إليها دراسة أعدتها مجموعة من العلماء في جامعة الينوى بولاية شيكاغو ونشرت نتائجها صحيفة «التايمز» البريطانية.

تحدثت الدراسة عن ان الرئيس الأمريكي باراك أوباما ظهرت عليه أولى علامات تقدم العمر وغزا الشيب رأسه بعد مرور 44 يوما فقط من انتقاله إلى البيت الأبيض (لا أعرف كيف حسبوها!).

حتى ان حلاقه الخاص اضطر إلى تكذيب الشائعات التي اتهمته بأنه قام بصبغ شعر الرئيس بخصلات بيضاء بغية ان يظهر للجميع في داخل الولايات المتحدة وخارجها انه رجل دولة بامتياز غارق في مسؤولياته إلى الحد الذي أدى إلى زحف الشيب إلى رأسه في وقت مبكر نسبيا.

فريق علماء جامعة الينوى الذين قادهم البروفيسور أوشينسكى استخدموا برنامجا على الكمبيوتر لتقدير العمر التقريبي لأوباما، واستعانوا في ذلك بكم هائل من الصور الفوتوغرافية له.

 وبعد دراسة حالته وتحليل مسيرة الرؤساء الأمريكيين الذين ماتوا موتة طبيعية (أربعة رؤساء تم اغتيالهم) خلصوا إلى النتيجة التي ذكرتها.

وإذ قرروا أن الرؤساء الأمريكيين يشيخون أسرع مرتين من الناس العاديين، فإنهم ذكروا أيضا أنهم يعيشون مدة أطول بسبب الرعاية الصحية التي يتمتعون بها.

الدراسة طريفة ونتيجتها غير مفاجئة، لأن الهم الذي يحمله أي رئيس في دولة ديمقراطية لا حدود له.
وأشدد على كلمة «ديمقراطية» لأن الرئيس في تلك الدولة يعلم جيدا أن الذين انتخبوه لم يعطوه تفويضا مفتوحا ولم يسلموه السلطة على بياض، وإنما أعينهم مفتوحة عليه طول الوقت،
ثم ان مؤسسات المجتمع جاهزة لمساءلته، فضلا عن معارضيه يتربصون به.

 وإذا كان ذلك حال أي رئيس في الدولة الديمقراطية، فما بالك به إذا كان رئيسا لدولة تمسك بعضا من مفاتيح العالم ويحمل تلالا من الهموم التي تتوزع على مشارق الأرض ومغاربها.

وهي هموم تضاعفت في زماننا بوجه أخص وفي منطقتنا على وجه التحديد التي قاومت «الإمبريالية الأمريكية» ولاحقتها في مظانها ردحا من الزمن،
وبعد ما دارت دورة الزمن أصبح التدخل الأمريكي مطلبا جماهيريا وصار الاحتماء بالنفوذ الأمريكي ملاذا وسُنةَّ مرغوبة تؤدى في مواجهة كل أزمة مستعصية.

لن اختلف مع من يهز كتفيه ويمط شفتيه قائلا ان حكام المسلمين سبقوهم في حمل الهم إلى مدى أبعد بكثير.
واستشهد في ذلك بمقولة الخليفة عمر بن الخطاب الشهيرة:
«لو عثرت بغلة في بغداد لسألني الله عنها يوم القيامة لماذا لم تعبد لها الطريق».

وهو نموذج فريد للمسؤولية النابعة من خشية الله أولا،
ومن الإيمان بأن الحاكم المسلم لا يتحمل مسؤوليته عن الناس فحسب، لكنه يعتبر نفسه مسؤولا عن حماية خلق الله في الكون.

والفرق بين مقولة عمر بن الخطاب وبين أداء الرئيس الأمريكي يجسد الفرق بين الخوف من حساب الله والخوف من أصوات الناخبين ومساءلة مؤسسات الرقابة في الدولة.

هذا الكلام أحترمه وأفهمه لكنني أزعم اننا صرنا بإزاء واقع آخر لم تعد تطمع فيه بأكثر من حكام يعملون حسابا لرأي الناس ويخشون المساءلة من جانب مؤسسات الرقابة في المجتمع.
ولا يزال الوقت مبكرا جدا للحديث عن أولئك الذين يخشون حساب الله في الآخرة كما يخشون حساب الناس في الدنيا.

يغرينا التقرير الذي نشرته صحيفة التايمز بالمقارنة بين رؤساء الدول الديمقراطية التي نسمع عنها والدول غير الديمقراطية التي نعرفها جيدا.
فالأخيرون -الذين نعرفهم- لا يشيخون، إذ يحيطون أنفسهم بخبراء الرشاقة وشد الجلد والحفاظ على نضارة الوجه.
فضلا عن أن مسألة الشيب محلولة،
إذ هم بين مستعين بالصبغة وبين مكتف بإخفاء معالم الرأس بالغطرة والعقال وبين جامع بين الحسنيين.

 ونموذج الرئيس الأسبق حسني مبارك يضرب به المثل في هذا الصدد.
 من ناحية لأن الصحف في عهده توقفت عن الإشارة إلى عمره حين يحل يوم ميلاده.
 وفي سنواته الأخيرة كانت وسائل الإعلام تحييه في المناسبة دون ان تذكر شيئا من عمره.

ثم انه لم يتوقف عن صباعة شعره طوال سنوات بقائه في السلطة، وحتى حين دخل إلى السجن.
وسمعت من أحد الوزراء الذين رافقوه في إحدى زياراته للولايات المتحدة ان الرئيس الأسبق بيل كلينتون المشهور بشعرة الأبيض ظل ينظر إلى شعر رأسه وهو يبتسم في أول لقاء بينهما.
وكان مساعدو الرئيس الأمريكي قد أبلغوه بأن مبارك شديد العناية بصبغة شعره.

الأهم مما سبق ان الرؤساء في الدول غير الديمقراطية يستمتعون بالسلطة بأكثر مما يحملون همومها.
فإذا اطمأنوا إلى أمنهم الشخصي وأمن أنظمتهم فكل ما عدا ذلك يهون.

ذلك انهم لا يخشون حسابا أو أي شكل من أشكال المساءلة في الدنيا.
فهم الذين يصدرون القوانين ويحاسبون بها غيرهم،
وهم الذين يشكلون الأحزاب ويرتبون أمر الأحزاب الموالية للمعارضة.

 وإذ يتحللون من تلك الهموم فإن ذلك يطمئنهم ويتيح لهم أن يحصلوا على نصيبهم من متع الحياة ومباهجها.

وقد كان السادات يأخذ على سلفه عبدالناصر أنه كان من هواة النكد وحمل الهم، لأنه كان يعمل طول الوقت.
في حين انه شخصيا كان محبا للتنقل بين الاستراحات وارتداء مختلف الأزياء،
أما مبارك فقد أتاحت له مدة حكمه الذي امتد ثلاثين عاما ان يقضى وقته بين استراحة برج العرب في الساحل الشمالي وبين منتجعه الأثير في شرم الشيخ، إضافة إلى رحلاته المحببة إلى إيطاليا وفرنسا.

أحد الفروق الأخرى المهمة بين صنوف الحكام عندنا وعندهم، انهم عندنا مخلدون أما عندهم فهم متغيرون.
والأولون يرتفعون إلى مصاف الآلهة والأخيرون لا ينسون انهم بشر قبل تنصيبهم وبعده،
والآلهة لا تشيب بطبيعة الحال، ولكن البشر لا يشيبون فحسب، وإنما يعانون من الصلع أيضا
ـ طال عمرك.
......................

السيسي والإعلام

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 9 ربيع أول 1436 31 ديسمبر 2014
السيسي والإعلام - فهمي هويدي

لقاءات الرئيس عبدالفتاح السيسي مع الإعلاميين والكتاب أصبحت ظاهرة جديرة بالملاحظة.
ذلك انه قبل الحوار الذي أجراه معه رؤساء الصحف القومية الثلاثة ونشر هذا الأسبوع، كان قد عقد لقاء مطولا مع مجموعة من الكتاب.
وفي سفرته إلى الصين كما في رحلته إلى الولايات المتحدة فإنه حرص على أن يلتقى الوفد الإعلامي المصاحب له.
وقبل ذلك عقد سلسلة من الاجتماعات
 أحدها مع رؤساء مجالس إدارات الصحف القومية،
 والثاني مع رؤساء تحرير الصحف كافة، القومية والمستقلة والحزبية،
والثالث مع شباب الصحفيين
 والرابع مع ممثلي الصحف الذين دعوا لتغطية مناورات القوات المسلحة.
 والخامس مع اتحاد الصحفيين العرب.

ذلك كله بعد انتخابه رئيسا للجمهورية. أما في أثناء حملته الانتخابية فإنه حرص على إجراء حوار مطول مع إحدى القنوات الخاصة،
كما انه عقد اجتماعين أحدهما مع الصحفيين والثاني مع ممثلي الصحف ووسائل الإعلام الأخرى والتليفزيون في المقدمة منها.

في كل تلك اللقاءات حرص الرئيس على أن يطرح تصوراته وأفكاره،
كما انه دأب على مصارحة الرأي العام بمختلف المشكلات التي تواجهه والتي وصفها في حواره الأخير بأنها أكبر من أى رئيس.

وفي الوقت ذاته فإنه ظل حريصا في كل مرة على طمأنة الناس وإقناعهم بأن الأمور تمضي بشكل جيد وفي الاتجاه الصحيح. وهو ما كان واضحا في حواره الأخير.

هذا الحضور الإعلامي المكثف له أكثر من دلالة،
 كما أنه يمكن أن يقرأ من أكثر من زاوية.

 إذ إلى جانب انه دال على المكانة التي يحتلها الخطاب الإعلامي في أجندة الرئيس حتى يبدو وكأنه أصبح يعول على الظهير الإعلامي ليكون بمثابة حزب الرئيس مؤديا دور الظهير السياسي.

وربما أراد الرئيس بذلك أن يعوض من خلال الإعلام غيابه عن اللقاءات الجماهيرية التي تجنبها لسبب أو آخر، ولا أستبعد أن تكون الاعتبارات الأمنية من بينها

ــ ربما أراد الرئيس بذلك أيضا أن يبقى المجتمع في صورة المشكلات والتحديات التي تواجهه، وان يستثمر التعبئة الإعلامية لكي يبقي على الأمل عند الناس ويقنعهم بأن الغد سيكون أفضل من اليوم،

إلا أن ثمة ملاحظتين أساسيتين تبرزان في هذا الصدد.

الأولى ان الرئيس في حضوره الإعلامي يرسل ولا يستقبل،
بمعنى أنه يبلغ آراءه وأفكاره إلى الرأي العام، وهذا شيء مهم، لكن ذلك لا يوفر فرصة مناقشته في تلك الأفكار وتمحيصها، وذلك لا يقل أهمية.

الملاحظة الثانية ان حرص الرئيس على الالتقاء مع الإعلاميين حين احتل موقعا متقدما في برنامجه، فانه طغى على تواصله مع قطاعات حيوية أخرى في المجتمع تريد أن تسمع صوتها له،
وذلك رأى سمعته من بعض وثيقي الصلة بقطاعات الإنتاج والاقتصاد.

وفي حوار أخير مع أحد المخضرمين من رجال الاقتصاد ذكر ان التركة الثقيلة التي يتحملها الرئيس والنظام القائم يتصدرها همَّ الأمن وهم الاقتصاد.

وإذا كان الرئيس قد عين مستشارا للأمن القومي، كما ان موضوع الأمن له دوائره الحساسة والمغلقة، فإن أحدا لا يعرف أن هناك فريقا اقتصاديا إلى جانبه رغم جسامة الأعباء في ذلك القطاع وخطورة التحديات التي تنتظر مصر من ذلك الباب في العام المقبل.

 إلى جانب ذلك فلم يعرف ان لقاء نظم للرئيس مع خبراء الاقتصاد المصريين الذين لهم آراؤهم التي ينبغي أن تسمع في اسلوب التعامل مع ذلك الملف الدقيق.

ولا يغير من ذلك كثيرا ان يكون الرئيس قد التقى مع آحاد بين رجال الاقتصاد.
وبهذه المناسبة فإنني سألت عما إذا كان للدكتور كمال الجنزوري الذي يمارس دوره كمستشار برئاسة الجمهورية له علاقة بإدارة ذلك الملف، باعتبار خبرته السابقة في التخطيط على الأقل.

وفهمت من الرد الذي سمعته انه لا علاقة له بذلك الجانب وان التعامل مع الملف الاقتصادى يتم بعيدا عنه.

وبسبب من ذلك فانه يحاول في الوقت الراهن ان يمارس حضوره في الملف السياسي من خلال المشاورات التي يجريها بخصوص الانتخابات البرلمانية القادمة.

حين بحثت عن تفسير لظاهرة عدم وجود فريق اقتصادي إلى جانب الرئيس، ولعدم حماسه لفكرة عقد مؤتمر للاقتصاديين المصريين قيل لي ان ما لا نراه لا يعني بالضرورة انه غير موجود.

وإذا كان الرأي العام لا يعرف شيئا عن الفريق الاقتصادى الذي يعمل إلى جانب الرئيس، فينبغي ألا نخلص من ذلك إلى ان الفريق لا وجود له، لأن الواقع غير ذلك.

إذ ان الرئيس له ثقته الكبيرة في القوات المسلحة لأسباب مفهومة، وهو مطمئن إلى انها قادرة على ان تقود التنمية في مصر،
وبسبب من ذلك فإن البعض يرجحون ان الرئيس مقتنع بأنه ليست هناك حاجة للاستماع إلى خبراء الاقتصاد، لان الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة توفر البديل القادر على القيام بالمهمة وتحقيق الانجاز المنشود.

الثقة في كفاءة وقدرة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في محلها لا ريب.
ولكن مسؤولية إدارة عجلة التنمية والاقتصاد أكبر منها، فضلا عن انها ليست مهمتها الأساسية.

وقد أستعيد هنا قول الرئيس السيسي ان مشكلات مصر أكبر من أي رئيس، بما يسوغ لي أن أقول ان عبء النهوض بالاقتصاد المصري بدوره أكبر من القوات المسلحة وهيئتها الهندسية.

ثم لا مفر من تشكيل فريق اقتصادي قوي ينهض بهذه المهمة،
وقد قرأت في تصريحات الرئيس ان ثمة اتجاها لانشاء مجلس تخصصي للتنمية الاقتصادية إلى جانب دراسة فكرة انشاء مجلس أعلى للاستثمار.

وتلك من الخطوات التي قد تعالج الثغرة التي نحن بصددها.
صحيح أنها متأخرة بعض الشيء، ولكنها مما ينطبق عليه مقولة ان تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا.

في كل الأحوال فإنه من المهم للغاية ان تكون الرؤية الاقتصادية ــ وليس فقط المشروعات الاقتصادية ــ واضحة ومتبلورة قبل المؤتمر الاقتصادي العالمي الذي يفترض ان يعقد في شهر مارس المقبل.

 ولا يكفي أن نتحدث إلى الإعلاميين عن تلك الرؤية، لان خبراء الاقتصاد المصريين وحدهم القادرون على صياغتها.

.................

30 ديسمبر، 2014

معنى أن تبقى الراية مرفوعة في تونس – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 8 ربيع أول 1436 30 ديسمبر 2014
معنى أن تبقى الراية مرفوعة في تونس – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

رغم ضراوة الحرب التي أُعلنت على الربيع العربي والانتكاسات التي لاحقته على مدار العام، فإننا نودعه ونحن مطمئنون إلى أن جذوة الربيع لم تنطفئ، بدليل أن رايته لا تزال مرفوعة في تونس.

(1)

حين يحلف الرئيس التونسي المنتخب باجي قايد السبسي اليمين الدستورية أمام البرلمان اليوم فسوف يستقبل كثيرون الخبر باعتباره إعلانا عن نهاية الثورة وطي صفحة الربيع العربي هناك.

وربما خطر لبعضهم أن تونس بصدد العودة إلى حكم الدستوريين الذي أسقطته الثورة في عام 2011.

وليس ذلك مجرد تخمين أو استنتاج لأن تلك رسالة جرى بثها وتعميمها على الكافة منذ فاز حزب «نداء تونس» بأغلبية الأصوات في الانتخابات التشريعية التي جرت في شهر أكتوبر الماضي.

وهو ما أنعش رعاة الثورة المضادة، ورفع معنويات أركانها وعناصرها في مختلف أنحاء العالم العربي،
إلا أن تلك الرسالة عبرت عما تمناه هؤلاء بأكثر مما عبرت عن القراءة الصحيحة لخرائط الواقع التونسي وحقيقة المتغيرات التي طرأت عليه بعد الثورة.

ما تمناه هؤلاء لم يكن كله وهما، لأنه استند إلى مسوغات لا تخلو من صحة.
فالرئيس التونسي الجديد (السبسي) قادم من حقبة الرئيسين بورقيبة وبن علي التي انقلبت عليها الثورة. وشرعيته مستمدة من تاريخ ما بعد الاستقلال (عام 1956)

 وأغلب الذين صوتوا له وماكينته الحزبية والإعلامية من عناصر الدستوريين والتجمعيين وهما حزبا الرئيسين سابقي الذكر،
وقد هزم الرجل في الانتخابات الرئاسية منافسه الدكتور المنصف المرزوقي الذي ينتسب إلى شرعية الثورة.

 صحيح أيضا أن حزب نداء تونس أزاح حركة النهضة المنسوبة إلى الإسلام السياسي من رأس قائمة القوى الممثلة في البرلمان.

كما أن ممثلي حزب النداء الذين وصل عددهم إلى 90 نائبا أغلبهم من الدستوريين (60 نائبا) في حين أن الباقين يتوزعون بين اليساريين وغير المصنفين.
إلا أن تقييم المشهد التونسي بناء على تلك المعلومات يظل قاصرا، لأنه يعني الاكتفاء بالنظر إلى المشهد من زاوية واحدة وتجاهل زواياه الأخرى.

(2)

حين تجاوزت تونس الفترة الانتقالية وعبرتها بأمان، فإن ذلك كان أهم إنجاز سمح باستمرار الثورة وضمن للربيع العربي أجواءه العطرة.

إذ خلال تلك الفترة حدث أمران مهمان للغاية،
 الأول أن المجتمع حضر في المشهد السياسي من خلال مؤسساته الفاعلة التي أصبحت شريكة في القرارات السياسية وقادرة على منازلة السلطة وتحديها،
 الأمر الثاني أن الصراع والتجاذب ظل مدنيا طول الوقت، في حين ظلت القوات المسلحة خارج المشهد وليست طرفا فيه.

حين تم اغتيال اثنين من قادة المعارضة (شكري بلعيد ومحمد البراهمي) فإن ذلك أغضب الشارع التونسي وأدى إلى إسقاط حكومتين متتاليتين وانتهى بخروج حركة النهضة من السلطة وتشكيل حكومة تكنوقراط من خارج الأحزاب.

وحين هاجم نفر من الإرهابيين المسلحين مخيما للجنود في جبل الشعانبي في محافظة القصرين المحاذية للحدود الجزائرية، وأدى ذلك إلى قتل 15 عسكريا من التونسيين فإن ذلك أحدث صدمة لدى الرأي العام، لم تعالجها الحكومة بتصريحات وإجراءات تراوحت بين إدانة الإرهاب وتشديد الحملة على عناصره وإلقاء القبض على أعداد من المشتبهين، وإنما طرحت مسألة المسؤولية الأدبية والسياسية
الأمر الذي أدى إلى استقالة قائد الجيش اللواء محمد صالح الحامدي من منصبه، رغم أنه كان قد أمضى سنة واحدة في منصبه، وكان بوسعه أن يتذرع بأنه حديث العهد بالمنصب ولا يتحمل مسؤولية التقصير في حماية الجنود المرابطين على الحدود.
 إلا أن استقالته كانت إعمالا لقيمة غائبة فرضت عليه أن يتحمل المسؤولية عن مقتل 15 من جنود الجيش الذي يتولى قيادته، رغم أنه لم يكن مضطرا لذلك من الناحية القانونية.

خلال الفترة الانتقالية لم تكن السلطة هي الفاعل الوحيد في الساحة السياسية، حتى الرئيس المرزوقي ذاته كان دوره هامشيا،
ولكن الفاعل الأول ظل متمثلا في القوى المدنية التي ظلت راعية للحوار وضابطة لحركة الشارع.
وقد تمثلت في الرباعي المتمثل في اتحاد الشغل واتحاد رجال الأعمال وهيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان.
وظل التوافق بين تلك القوى الأربع مصدرا للكثير من القرارات التي اتخذت بل والقوانين التي صدرت وأهمها القانون الانتخابي.

في هذا الصدد فإن الدور الذي لعبته حركة النهضة في تحقيق التوافق الوطني والحفاظ على السلم الأهلي كان له إسهامه الكبير في إنجاح المرحلة الانتقالية.
إذ رغم تمتعها بالأغلبية مع «الترويكا» في الجمعية التأسيسية، الأمر الذي كان يمكنها من التحكم في توجيه دفة الفعل السياسي بما يكرس نفوذها ويخدم مصالحها.
 إلا أنها مارست طول الوقت مرونة مشهودة أعطت الأولوية للوفاق الوطني وحماية الديمقراطية، ومن ثم الحفاظ على مسيرة الثورة.

الإنجاز الكبير الذي تحقق خلال المرحلة الانتقالية تمثلت في المصادقة على الدستور الجديد الذي وافقت عليه أغلب القوى السياسية في الجمعية التأسيسية وخارجها، وتكمن أهمية ذلك الدستور في أنه ضمن أبرز الحقوق والحريات وكرس الفصل بين السلطات وحصن المجتمع ضد تغول السلطة وطغيانها.

(3)

ما لا ينتبه إليه كثيرون أن الدستور الجديد أضعف سلطة رئيس الدولة، في حين قوى من الحكومة،

وكما قال لي أحد الخبراء الذين شاركوا في وضعه فإن المقارنة بين نفوذ كل منها تشير إلى أن الرئيس أصبح يملك 20٪ من السلطات في حين تستحوذ الحكومة على 80٪ منها،

 ذلك أن الرئيس طبقا للدستور لا يستطيع أن يتخذ قرارا دون استشارة رئيس الحكومة.

بل إن المادة 77 منه حصرت اختصاصات الرئيس في «ضبط السياسات العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلق بحماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية، لكنها نصت على أن ذلك يتم «بعد استشارة رئيس الحكومة».

وسلطات الرئيس في التعيين تشمل مفتي الجمهورية وموظفي رئاسة الجمهورية فقط.
أما التعيينات المتعلقة بالوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية فإنها تتم بعد استشارة رئيس الحكومة.
 أما تعيين محافظ البنك المركزي فإنه يتم باقتراح رئيس الحكومة وبعد مصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس النواب (المادة 78)

 ــ ولرئيس الجمهورية أن يعلن الطوارئ في حالة الخطر الداهم، لكن ذلك مشروط باستشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وإخطار رئيس المحكمة الدستورية (المادة 80) 

في كل الأحوال فإن رئيس الحكومة يظل شريكا في ضبط السياسة العامة للدولة (المادة 91) ويده مطلقة بعد ذلك في تشكيل الوزارة وإنشاء الوزارات،
 إلا أنه مطالب بالتشاور مع رئيس الجمهورية فقط بالنسبة لوزارتي الخارجية والدفاع (المادة 89)
في حين أن الرئيس لا علاقة له بأية تعيينات أخرى في الدولة، بما في ذلك إنشاء الوزارات أو إلغائها.

توسيع صلاحيات رئيس الحكومة لا يعني تركيز السلطة التنفيذية في يديه. لأن الدستور خصص بابه السادس لإنشاء مجموعة من الهيئات المستقلة التي ينتخب مجلس النواب أعضاءها. ولا سلطان عليها لرئيس الدولة أو رئيس الحكومة.
 واحدة لإجراء الانتخابات والاستفتاءات
والثانية لضمان حرية التعبير والإعلام
والثالثة للدفاع عن حقوق الإنسان،
والرابعة للتنمية المستدامة،
 أما الخامسة فهي مختصة بمكافحة الفساد. (المواد من 125 إلى 130).

(4)

أهم ما في الدستور أنه حصن المجتمع من تغول السلطة، وأشركه في إدارة البلد، بحيث أصبح الجميع شركاء في حمل المسؤولية،
 الأمر الذي طوى صفحة الزعيم الأوحد والحزب الواحد والإدارة المتسلطة الممسكة بكل الخيوط.
 وما كان لكل ذلك أن يحدث لولا رياح الربيع العربي التي رفعت صوت المجتمع عاليا وأشهرت رغبته في التغيير والإصلاح دفاعا عن مصيره.

كان مفهوما في ظل هذه الظروف المستجدة أن تسفر الانتخابات التشريعية عن تشكيل مجلس للنواب ضم أبرز القوى السياسية الفاعلة بمختلف اتجاهاتها، ويمكن اعتباره أقوى مجلس تشريعي في تاريخ تونس، وربما في العالم العربي المعاصر،

 ولم يكن التنوع فيه مقصورا على تعدد القوى السياسية فحسب، وإنما شمل التخصصات أيضا.
إذ ذكرت إحدى الدراسات أنه ضم 36 محاميا و30 جامعيا و35 أستاذا في التعليم الثانوني و26 من العمال و27 من رجال الأعمال و16مهندسا و11 طبيبا و12 موظفا حكوميا...إلخ.

هذا المعمار الجديد في تونس وفي العالم العربي بأسره. وضع الأساس لجمهورية ديمقراطية حقيقية تكفل سلطة المجتمع وتحمي كرامة المواطن في سياق حفظها للحقوق والحريات، وتقبل بالتداول السلمي للسلطة.

إن شئت فقل إن ذلك المعمار يؤسس للاستثناء التونسي ويحقق للتوانسة ما فشلت ثورات أخرى في تحقيقه في العالم العربي.

لو قال قائل إنني فصلت في عرض النصف الملآن من الكوب لما جانبه الصواب.
 وقد دفعني إلى ذلك أنني لاحظت تسابق بعض الأبواق الإعلامية وأنظمة الثورة المضادة على اعتبار أن ما جرى في تونس نهاية للربيع العربي،

ثم إنني دهشت للخفة التي اتسمت بها قراءة المشهد وحصره في حدود التهليل لتراجع حظوظ حركة النهضة في مجلس النواب، بحيث أصبحت تحتل المرتبة الثانية وليست الأولى في عدد الأعضاء، ناسين أن ذلك التراجع يبقى على النهضة كبديل مطروح أمام الشعب التونسي في أي انتخابات قادمة.

أدري أن ثمة أخطاء وقعت فيها حكومتا النهضة في المرحلة الانتقالية، وأن خطر الإرهاب لا يزال يهدد تونس، وأن الأزمة الاقتصادية تمسك بخناق البلد إلى حد مؤرق.
 وأفهم أن ثمة إحباطا في أوساط الشباب الذين لم تحقق لهم الثورة طموحاتهم.

ولا أستبعد أن يحاول الدستوريون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء،
كما أنني أسمع الكثير عن ضغوط المال الخليجي الذي صار نشطا في مجال الحرب على التاريخ وتشجيع الثورة المضادة.
 إلى غير ذلك مما قد يبدو ضمن مكونات النصف الفارغ من الكوب المسكون بأسباب القلق ومسوغاته.

 إلا أنني أذكر الجميع بأن عمر الثورة التونسية لم يتجاوز أربع سنوات فقط لا غير،
وإننا لا نعرف في التاريخ ثورة ولدت كاملة الأوصاف. بقدر ما نعرف أن ما أنجزته الثورة التونسية حتى الآن يعد نجاحا لم تبلغه ثورة أخرى في المحيط العربي أو محيط الجوار.

وفي كل الأحوال فإن أكثر ما همني في الأمر أن راية الربيع العربي لا تزال مرفوعة ترفرف في فضاء تونس معلنة عن بزوغ الفجر الجديد، الذي صرنا نرى بأعيننا الحشود التي تحشد لحصاره وإجهاض أحلامه.

......................

29 ديسمبر، 2014

هيبة الدولة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 7 ربيع أول 1436 – 29 ديمسبر 2014
هيبة الدولة - فهمي هويدي

يتردد مصطلح «هيبة الدولة» في الفضاء المصري هذه الأيام محدثا رنينا متعدد الأصداء.

وقد تجدد الحديث عن تلك الهيبة مستصحبا عددا لا بأس به من علامات الاستفهام، حين ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل في حلقة الحوار التليفزيوني الذي أجري معه يوم الجمعة الماضي (26/12) أن الرئيس عبدالفتاح السيسي كان قد وافق على تعديل قانون تنظيم التظاهر الذي أثار استياء وغضب كثيرين في مصر، لكن التعديل تأجل لبعض الوقت بدعوى الحفاظ على هيبة الدولة.

وهي قصة أيدت صحتها بعض القرائن، في مقدمتها ما ذكرته مصادر المجلس القومي لحقوق الإنسان من أن التعديل المذكور اقترحه المجلس، وعرضه رئيسه السيد محمد فائق على رئيس الجمهورية الذي اقتنع به.

الواقعة تحتمل أكثر من قراءة. من ناحية فهمي قد تعيد إلى الأذهان القصة التقليدية التي تعتمد تبرئة المسئول الأول وتوجه اللوم وأصابع الاتهام إلى المحيطين به.
وهو التقليد الذي يمتد جذوره إلى عصر قصص ألف ليلة وليلة التي تحدث بعضها عن السلطان الطيب والحاشية التي تسلل إليها الأشرار.

 بل إن جيلنا تابع شيئا من ذلك في عهد الملك فاروق الذي رأي فيه البعض صورة السلطان الطيب في حين أن بطانته أساءت إليه ممثلة في أحمد حسنين باشا والإيطالي انطون بوللي رجل الغواية الشهير.
وهو ما حدث في عهد الرئيس عبدالناصر الذي حملت أوزاره على صلاح نصر وحمزة البسيوني.. إلخ.

ثمة قراءة ثانية تسلط الضوء على قوة البيروقراطية المصرية ونفوذ المؤسسة الأمنية، وكيف أنه بمقدور كل منهما أن يضع العراقيل التي توقف أي تحرك حتى وإن كان إيجابيا.

إذ في الحالة التي نحن بصددها وجدنا أن رئيس الدولة وافق على تعديل القانون الذي أعده مجلس حقوق الإنسان.
ولأن المجلس معين أصلا من قبل السلطة فإن التعديل الذي اقترحه يفترض أنه عالج ثغرات في القانون على نحو يخفف التوتر القائم بين النظام وبين شباب الثورة. بما يعني أنه يخدم النظام في نهاية المطاف،
ومع ذلك فإن أطرافا أخرى في السلطة كان بمقدورها تعطيل إصداره لحسابات ارتأتها، على غير الرغبة التي أبداها رئيس الدولة.

القراءة الثالثة تثير التساؤل حول مفهوم هيبة الدولة ومصدر تلك الهيبة المفترضة.
وهل تكتسب بالشدة والتمسك بصواب القرار.
أم تتحقق بسعة الصدر وتفهم وجهة النظر الأخرى وإبداء الاستعداد للتراجع عن القرار لصالح ما هو أجدى وأكثر صوابا.
وهل يعد التراجع في هذه الحالة نيلا من الهيبة أم تعزيزا لها.

تهمني هذه النقطة الأخيرة التي أزعم أنها بحاجة إلى تحرير.
 في هذا الصدد فإنني لن أطيل الوقوف أمام التفرقة بين الدولة والنظام لأننا كثيرا ما نخلط بينهما حتى صرنا نختزل الأولى في الثانية بحيث تعتبر أي نقد للنظام أو معارضة له نيلا من هيبة الدولة ودعوة إلى إسقاطها.

وهو خلط يستهدف الترهيب ويسعى إلى تكميم الأفواه وتوجيه أصابع الاتهام إلى الناقدين والمعارضين، لأن العكس هو الصحيح.

ذلك أن النقد يمكن أن يؤدي إلى التصويب الذي من شأنه أن يقوي الاثنين، النظام والدولة في ذات الوقت.
وليس خافيا على أحد أن قوة الدولة تقاس في بعض أوجهها بقوة نظامها وقوة النظام هي التي تحدد مؤشر الهيبة في صعوده أو هبوطه.
إلا أن المشكلة الكبرى تكمن في مفهوم القوة المنشودة.

ذلك أن هناك مفهوما شائعا في بعض دوائر السلطة يقيس قوة الدولة بمقدار ما توافر لها من عضلات وشرطة وجيش.
وتلك عناصر مهمة ولا غنى عنها، إلا أن الاكتفاء بها يعد تعريفا ساذجا ومبسطا للقوة. فضلا عن أنها مما يورث الخوف ولا يضمن الهيبة. إذ إننا في هذه الحالة نكون بإزاء سلطة قمعية ودولة بوليسية وإن تجملت بمختلف الأقنعة والألبسة والديكورات.

ما أفهمه أن قوة الدولة تستمد من عافيتها السياسية والاقتصادية قبل شرطتها وجيشها. وهيبة الدولة تستمد من إقامة العدل وكفالة الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان وكرامته. وتنتقص الهيبة ويتراجع منسوبها بمقدار الخلل الذي يصيب الالتزام بأي من تلك القيم.

من هذه الزاوية فإن الذين أجلوا تعديل قانون تنظيم المظاهرات لم يكونوا يدافعون عن هيبة الدولة ولكنهم كانوا يدافعون في حقيقة الأمر عن القبضة الأمنية ويحرصون على تخويف الشباب وإرهابهم بأكثر من حفاظهم على هيبة السلطة واحترامها.

 ذلك أن تراجع السلطة خطوة أو خطوات إلى الوراء في تعبير عن اتساع صدرها وحرصها على الاحتواء وامتصاص غضب الشباب يكسبها احتراما وثقة لا حدود لهما.

ولا وجه للمقارنة بين موقف من ذلك القبيل، وبين تشبث السلطة بموقفها دون تراجع. وإصرارها على مواجهة الشباب بالمدرعات والخرطوش وخراطيم المياه والمحاكم العسكرية.

إن اللغة والمصطلحات كثيرا ما باتت تستخدم في التضليل والتدليس، ثم فإن مشكلتنا لم تعد مع مصطلح قوة الدولة أو هيبتها، ولكنها باتت في الاتفاق على مضمون المصطلح ومحتواه.

 والخلاصة أننا سنظل مع الهيبة التي تقيم العدل وتضمن الحرية وضد الهيبة التي تسوغ القمع وتستر الظلم.

...................

28 ديسمبر، 2014

عودة مصر

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 6 ربيع أول 1436 28 ديسمبر 2014
عودة مصر - فهمي هويدي

منذ قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارته للصين ووسائل الإعلام المصرية لا تكف عن الحديث عن عودة مصر إلى الشرق، غير مكتفين بالنجاح الذي حققته الزيارة على صعيد تطوير العلاقات بين البلدين في مجالات عدة اقتصادية وسياحية.

وهذا الخطاب الإعلامي الذي يسعى إلى التزيد والمبالغة ليس جديدا. خصوصا في متابعة أداء الرئيس، حيث لا يقدم بحسبانه أداء يتم في إطار مسؤولياته الطبيعية..
ولا يكتفي بمديحه إذا حقق إنجازا من أى نوع، ولكنه يسوَّق باعتباره أمرا خارقا للعادة، في استعادة ضمنية لما رددته كتابات الفراعنة عن «الملك الإله» الذي لا نظير له بين البشر.

الحديث عن العودة إلى الشرق سبق أن تردد إبان زيارة الرئيس السيسي إلى روسيا، التي بولغ في أمرها كثيرا، ووصفتها إحدى الصحف في عناوينها الرئيسية بأنها «صفعة لأمريكا»، هكذا مرة واحدة.
كذلك نسجت من حولها حكايات عدة تعلق بعضها بصفقات سلاح تحرر مصر من أسر السلاح الأمريكي، وهو ما أدهش الروس أنفسهم، حتى إن سفيرهم في القاهرة حين سئل في الموضوع، كان نفيه متهكما ولبقا حين قال إن تلك أخبار ترددها الصحافة المصرية، بما يعني أن الروس ليسوا طرفا فيها!

في كل رحلة قام بها الرئيس يصورها الإعلام باعتبارها فتحا جديدا قلب الموازين وأعاد رسم الخرائط، وسجل صفحة جديدة في كتاب التاريخ، حدث ذلك مع كل رئيس وإن لم يسافر، حيث كل أحاديثه تاريخية وكل خطاباته دليل عمل ودروس لأجيال المستقبل.

ما حدث في زيارة الرئيس السيسي للصين وروسيا له نظيره في التغطية الإعلامية لزيارات إلى أوروبا والولايات المتحدة.

ولعلنا لا ننسى ما نشرته إحدى صحفنا عن أن السيسي استطاع أن يكسب الرأي العام في الولايات المتحدة خلال 18 دقيقة فقط (التي استغرقها خطابه أمام الجمعية العامة).

ولكننا فوجئنا بعد أيام قليلة من إلقاء الخطاب بالافتتاحية التي انتقدت مصر بشدة ونشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» باسم مجلس تحريرها.

لدى ثلاث ملاحظات في هذا الصدد هي:

*
أن التحولات في العلاقات بين الدول لا تتحقق بإلحاح إعلامي أو بيان دبلوماسي ولا بتقرير لجهة سيادية أو غير سيادية.
وقبل هذا كله وبعده فإن التحولات لا تحدثها زيارة يومين أو ثلاثة للرئيس (زيارة السادات ل»إسرائيل» لها سياق آخر)
ولكنها تنسج من خلال سياسات تتبع وجسور تمتد تفضى إلى النتيجة التي تكللها الزيارات في نهاية المطاف. وهو ما لم يحدث في حالة الصين.

*
إن التفرقة واجبة بين تحسين العلاقات وتطويرها ـ وهذا أمر مطلوب ومهم بطبيعة الحال ــ وبين إحداث تحول في تلك العلاقات ينقلها من وجهة إلى أخرى.
والتحسين والتطوير يدخل في إطار ترشيد الأداء السياسي الذي ينسب إلى «التاكتيك» إذا جاز التعبير.
 أما التحول فهو إلى «الاستراتيجية» أقرب.
وزيارة الصين تندرج تحت العنوان الأول، لأن مصر مرتبطة بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة مستقرة منذ عهد السادات وقد ترسخت في عهد مبارك ولاتزال مستمرة إلى الآن.

 وحين وصف أحد وزراء خارجية مصر هذه العلاقة بأنها أقرب إلى الزواج الأرثوذوكسي فإنه لم يخطئ كثيرا وإن خانه التعبير في ذلك.

ولأن تلك العلاقة الاستراتيجية شأن له جديته ثم إن له أعباءه والتزاماته، فإن التحول عنها إلى الشرق ممثلا في روسيا والصين مثلا، أمر ليس سهلا كما أنه ليس متسحيلا بطبيعة الحال. ولكن له شروطه غير المتوافرة لمصر في ظروفها الراهنة.

صحيح أن العلاقة الاستراتيجية تحتمل الاختلاف أو حدوث توتر في العلاقات، لكنها ككل زواج أرثوذوكسي لا تحتمل الطلاق، إلا في ظروف خاصة جدا واستثنائية جدا.

*
إننا إذا نحينا الهرج والمزايدات الإعلامية جانبا وأخذنا الأمر على محمل الجد، فسنجد أن عودة مصر مرتبطة بقوتها الحقيقية، السياسية والاقتصادية بالدرجة الأولى.

بكلام آخر فإنه ما لم تقف مصر على أرض صلبة في الداخل، وتتمكن من أسباب القوة التي تتناسب مع حجمها ووزنها ورصيدها التاريخي، فإن تحركها في أي اتجاه سوف يظل متسما بالهشاشة والضعف.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن حركة مصر في العالم الخارجي ستظل مرهونة بمقدار عافيتها في الداخل وتصالحها مع ذاتها.

 وللأسف فإن المناخ السائد بما يستصحبه من ضجيج وهرج يغيب تلك الرؤية، ويؤثر تنظيم المهرجانات الصاخبة وتعبئة الرأي العام لصالح التهريج والتهليل، بأكثر مما يدعوهم إلى النظر في مرآة الواقع لرأب تصدعاته والتمكن من أسباب المنعة والعافية.

وكانت النتيجة أننا صرنا أكثر ميلا إلى خداع الذات منا إلى التصالح معها،
 من ثم فإن إعلامنا أصبح يتحدث عما نتمناه وليس عما هو حاصل بالفعل، حيث عدنا في نشرات الأخبار وعناوين الصحف، ولم نعد إلى أرض الواقع.

..................

Delete this element to display blogger navbar