Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2014

مبادرتنا المقدسه

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 4 شوال 1435 – 31 يوليو 2014
مبادرتنا المقدسه – فهمي هويدي

هل نحتاج إلى مرافعة لكى نثبت ان قضيتنا الان هى الدفاع عن غزة وليس الدفاع عن المبادرة المصرية؟

هذا السؤال اصبح واردا بعدما تكاثرت الغيوم فى فضائنا بحيث اختلطت الاوراق والتبس الأمر بحيث وصلنا الى وضع صار فيه الشقيق عدوا والعدو صديقا وحليفا والقاتل بريئا والقتيل مدانا ومتهما.
 الى غير ذلك من القرائن التى تعيد الى اذهاننا صور المفارقات التى تقلب السنن وتهدر النواميس، وهو ما عده أسلافنا من علامات الساعة الصغرى.

إن محرقة غزة تجاوزت الآن أسبوعها الثالث وأعداد القتلى تجاوزت الألف والمصابون ناهزوا الستة آلاف،
والغارات والقذائف الإسرائيلية مستمرة ليل نهار،

وبدا واضحا حتى الان ان المبادرة المصرية لم تحرز أى تقدم إيجابى، فى حين ان اسرائىل فرحت بها واستغلتها اسوأ استغلال.
من ناحية لأنها تذرعت بقبولها ورفض حماس والجهاد لها لكى تواصل الغارات وتكثفها، مدعية أمام العالم الخارجى انها هى التى قبلت بالسلام ووقف إطلاق النار فى حين أن المقاومة الفلسطينية هى التى رفضت يد السلام الممدودة.

 من ناحية ثانية لان اسرائىل اعتبرت ان مصر صارت شريكة معها فى الحرب ضد المقاومة الفلسطينية.

بل وذهبت إلى القول بأنها صارت تعتمد فى حربها على شرعية عربية سابقة على الشرعية الدولية.

من ثم فإنها لم تعد وحيدة فى مواجهة المقاومة الفلسطينية، وإنما تقف معها مصر والسعودية والامارات،
وهو ما أشارت اليه كتابات اسرائيلية عدة أحدثها ما ذكره رون بن يشاى، المعلق العسكرى لصحيفة يديعوت أحرونوت، فى 29/7.

من ناحية ثالثة فإن اسرائيل احتمت بالمبادرة المصرية وتشبثت بها لتبرير رفضها أى مبادرات اخرى تحقق اى قدر من الإنصاف أو المقابل للفلسطينيين، بما فى ذلك الافكار الامريكية التى طرحها جون كيرى، وزير الخارجية.

من ناحيتى اعتبر ان المبادرة اجتهاد مصرى يصيب ويخطئ ولا يستطيع احد ان يدعى انها قرآن منزل من السماء ولا أنها من الثوابت المصرية،
 لاننى أفهم ان الدفاع عن قضية فلسطين والانحياز إلى مقاومة الاحتلال هو أحد تلك الثوابت،
 ولكن إسرائيل ابتذلتها مستفيدة من عناد بعض الاطراف فى القاهرة وحولتها الى صفحة سوداء فى سجل السياسة المصرية ووصمة تحتاج إلى جهد كبير وسنوات عدة لإزالة آثارها.

إن اعلامنا الرسمى وخطابنا السياسى أصبح يتعامل مع المبادرة باعتبارها صيغة مقدسة،
 فصار يسبح بحمدها كل صباح ويصورها بحسبانها الحل الاوحد الذى لا بديل له، والقول الفصل الذى لا حيدة عنه ومحور كل اتصال ونهاية كل جهد وملاذ المتحاربين ومنقذ المقهورين،

 وهو إصرار يبعث على الدهشة لأنها منذ القيت فى الفضاء السياسى رفضتها فصائل المقاومة الفلسطينية بالاجماع
 الى جانب انها أضرت بأكثر مما نفعت ليس فقط فى ساحة المواجهة، ولكنها أضرت كثيرا بسمعة مصر ونظامها،
 حيث يكفى أن يشاع انها صارت مع إسرائىل «يدا واحدة» فى مواجهة المقاومة الفلسطينية ممثلة فى حماس والجهاد بالدرجة الاولى
وقد كان ذلك الاعتبار الاخير كفيلا وحده باعادة النظر فى المبادرة، للاحتفاظ بمسافة تنفى فضيحة التطابق والشراكة بين الموقفين المصرى والاسرائيلى.

لقد ابرزت الصحف الصادرة امس خبر الاجتماع الذى قررت قيادة منظمة التحرير عقده فى القاهرة بحضور حركتى حماس والجهاد للبحث فى مخرج من الازمة الراهنة،

 وأعطى «الأهرام» انطباعا بأن ذلك يتم فى اطار المبادرة المصرية
 وحين رجعت فى ذلك إلى الدكتور موسى أبومرزوق نائب رئيس المكتب السياسى لحركة حماس، فإنه نفى العلاقة بين المبادرة والاجتماع المفترض

وقال ما خلاصته ان المبادرة «اصبحت وراء الظهر» فى الوقت الراهن
وان هدف الاجتماع هو البحث عن مسار آخر يتجاوب مع موقف المقاومة وإصرارها، بعد الثمن الباهظ الذى دفع،
على ألا تعود الامور إلى ما كانت عليه قبل عدوان الثامن من يوليو

وأضاف ان عقد الاجتماع فى القاهرة بمثابة تأكيد على اهمية مصر الدولة ووزنها الذى تحرص عليه حماس وهى الأهمية التى لا تتأثر بأى خلاف يقع فى الاجتهادات السياسية.

لقد نبهت بعض الكتابات فى مصر إلى الثغرة الاساسية والخطأ الجوهرى الذى وقعت فيه القاهرة حين اطلقت المبادرة دون اى تشاور مع المقاومة الفلسطينية،

والاعتراف بذلك الخطأ والسعى الى تداركه يتطلب قدرا من الشجاعة والحكمة التى ينبغى ان يتحلى بها اى اداء سياسى رصين.

 ويبدو أن مصر فى وضعها الراهن صارت تخلط بين الأداء السياسى الذى يحتمل الاخذ والرد والمراجعة وبين الاداء «السيادى» الذى يتشبث بالرأى ولا يقبل النقد أو النقض.

ولكل منهما مجاله الذى تستلتزمه طبيعته لإن ادارة الدولة تختلف كثيرا عن إدارة المعسكر

وكما تفشل الادارة السياسية لأى معسكر، فإن الفشل يصبح مضاعفا حين تدار الدولة بالعقلية السيادية..
 والله اعلم.

........................

30 يوليو، 2014

وقاحة سياسيه

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 3 شوال 1435 – 30 يوليو 2014
وقاحة سياسيه – فهمي هويدي

لا أستطيع أن أصف الكلام الأمريكى الداعى إلى نزع سلاح المقاومة إلا بأنه من قبيل الوقاحة السياسية،
وإذا قلت إنه هو نوع من القوادة والدعارة فمن عندك. ولا تثريب عليك فى ذلك، بل لعلك أدق وأصوب،

 وقبل أن أشرح حيثياتى فى ذلك فإننى أعتذر عن استخدام ألفاظ لا أذكر أننى أوردتها فى شىء مما سبق أن كتبت خلال الخمسين سنة الماضية،
 وإذ أرجو أن تسامحنى فى ذلك، أنوه إلى أننى اتكئ على «رخصة شرعية» فيما ذهبت إليه، مستمدة من سورة النساء،
حيث تقول الآية 148: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ 
وهى تسوغ لنا أن نأخذ راحتنا ونحن ننفس أنفسنا فى مواجهة الظلم،
 حتى إذا اقتضى ذلك أن تستخدم السيئ من القول، وأنا لم أفعل أكثر من ذلك،
من ثم فلك أن تضيف ما شئت بعد ذلك فى وصف المشهد الفاجع والفادح الذى نطالعه فى غزة.

أصل الحكاية أن إسرائيل بعد المفاجآت والصفعات التى تلقتها من المقاومة، التى سببت لغرورها حرجا بالغا،
وحين لم تجد أن الدمار الذى أحدثته لم يضعف المقاومة أو يكسر إرادتها، فإنها بدأت تتحدث عن ضرورة نزع سلاحها،
وهو مطلب ينم عن درجة عالية من الصفاقة والبجاحة.

ذلك أنه يدعو إلى تجريد الطرف الفلسطينى الذى اغتصبت أرضه من حقه فى مقاومة الاحتلال، وهو ما لم يحدث فى أى مرحلة فى التاريخ.

وإن كان له مثيله فى الحالات التى هزم فيها الطرف الآخر هزيمة ساحقة، كما حدث مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية،

 أما أن يدعو المحتل إلى تجريد أصحاب الأرض من سلاحهم أثناء المعركة وفى الوقت الذى يصر فيه الأخيرون على تحدى الغازى المحتل، فذلك أعجب ما سمعناه حتى الآن،

 لكن إسرائيل معتمدة على ظروف مواتية دولية وعربية تسلحت بدرجة من الجرأة جعلتها تطلق تلك الدعوة الغريبة وغير المسبوقة.
وكان موقفها مفهوما، لأنها ليست ضد سلاح المقاومة فحسب، ولكنها ضد المقاومة كلها من أساسها،
ولو كان بمقدورها أن تستصدر قرارا من مجلس الأمن يدعو إلى منع مقاومة الاحتلال لفعلت،
ومن يدرى فربما تدهور الوضع أكثر وأقدمت على تلك الخطوة مستقبلا،

وإذا كانت ترأس الآن لجنة حقوق الإنسان المختصة بتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، رغم سجل جرائمها ضد الإنسانية، فلن يفاجئنا نجاحها فى استصدار قرار دولى يمنع مقاومة الاحتلال.

هذا الذى فوجئنا به حين صدر عن الدولة العبرية، تبنته الإدارة الأمريكية.
وقرأنا يوم الاثنين الماضى 28/7 تصريحات على لسان وزير الخارجية جون كيرى وممثلة أمريكا لدى الأمم المتحدة سوزان رايس ذكرت أن تسوية الأزمة الراهنة ووقف العدوان الإسرائيلى على غزة يجب أن يقترن بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية.

وهو أمر مدهش ذكرنى بلافتة حملها أحد المتظاهرين الإنجليز الذين تجمعوا أخيرا أمام سفارة العدو فى لندن، وحمل لافتة كتب عليها عبارة تقول:
 إن لوم حماس على استخدامها الصواريخ ضد الأهداف الإسرائيلية، لا يختلف فى شىء عن لوم امرأة لأنها ثارت لشرفها وصفعت من اغتصبها،

وهذا الذى أثبته على اللافتة رجل إنجليزى توافر له بعض العقل والضمير، داس عليه وشطبه المتحدثان باسم الإدارة الأمريكية،

 ذلك أن المطلوب أن تغتصب فلسطين ويمنع الفلسطينيون من ابداء أى مقاومة، وهو ما لا أرى فى تسويغه وتشجيعه أى اختلاف عن الدعارة والقوادة،

وإذ أفهم أن هذه الأعمال الأخيرة صارت نوعا من «البيزنس» الذى يتم بمقابل يحصل منه القواد على جزء فى حين تحصل الضحية على نصيب منه،

 إلا أنه فى الحالة الفلسطينية التى نحن بصددها مطلوب أن تغتصب فلسطين بالمجان،

 ليس ذلك فحسب وإنما مطلوب منها أن تستسلم لمغتصبها ولا تسبب له أى إزعاج،

 وفى ظل هذا المنطق فإنها ترتكب جريمة كبرى إذا ما صفعته وهى فى ذلك الوضع المزرى والمشين،

ويستمر مسلسل العجائب بحيث تصبح هى المعتدية فى نظر البعض، ويحق للمغتصب أن يثور لكرامته وكبريائه، وأن يشهد الجميع على أنه «يدافع عن نفسه»،

وفى حلقة أخرى من ذلك المسلسل الغرائبى لا نعدم أطرافا تتضامن معه، وتصدق ادعاءه،

 أما أم الغرائب فتتمثل فى مطالبة الطرف الذى تعرض للاغتصاب «بضبط النفس»، واعتبار صفعاته التى وجهها إلى المغتصب «أعمالا عدائية».

هذا الذى ذكرته ليس مبالغة أو افتراضا ولكنه وصف لما حدث بالفعل، وما أوردته وسائل الإعلام فى مصر على الأقل.
 صحيح أن الطرف الفلسطينى الذى تعرض للاغتصاب وجه أكثر من صفعة موجعة للمغتصب الإسرائيلى فى الحرب الدائرة،
إلا أن ذلك ما كان له أن يدفع من لديه حد أدنى من الانصاف ــ لا أقول النخوة أو المروءة ــ أن يوجه أى لوم له، لأن اللوم الحقيقى ينبغى أن يوجه فى كل الأحوال إلى المغتصب أولا وأخيرا.

وإذ نستغرب المشهد والمنطق المقلوب فيه، إلا أن تلك ليست المفاجأة الوحيدة، لأن تتابع الأحداث كشف لنا عن أننا لسنا فقط بصدد مغتصب وحيد اتهم بالوقاحة والصفاقة، وإنما صرنا بإزاء شبكة تعاونه وتسوغ له فعلته،

 الأمر الذى ينبهنا إلى أن جبهة المواجهة أوسع مما نظن، وأن المعركة ليست ضد طرف واحد، ولكنها صارت ضد أطراف عدة،

وإذا لم تصدقنى فاقرأ صحف الصباح وأخبار الساعة، فهى أكثر إبانة وإفصاحا.

........................

29 يوليو، 2014

مصر وفلسطين: من يدافع عن من؟ – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 2 شوال  1435 – 29 يوليو 2014
مصر وفلسطين: من يدافع عن من؟ - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الحروب التي خاضتها مصر بعد عام 1948 كانت حروبا وطنية

موقف مصر من الحاصل في غزة الآن نكأ جراحا كثيرة، وأعاد فتح ملف علاقتها بالقضية الفلسطينية بصفحاته الملتبسة وأسئلته المسكوت عليها.

(1)

يتحسرون الآن على زمن عبدالناصر الذي أوهمنا البعض أن حضوره لاح في الأفق.
عبر عن ذلك القيادي والمحامى الفلسطيني المعروف والوزير السابق فريح أبومدين.
 إذ كتب مقالة بهذا المعنى نشرتها له في 23/7 الحالي الصحيفة الإلكترونية «رأي اليوم» ورد فيها ما نصه:
 لقد نسجت علاقة خاصة بين عبدالناصر وقطاع غزة. كان للقطاع مكانته في قلبه،
وهو الذي كان يتابع يوميا أحواله. وكانت له أولوية في كل شيء. في مجالات الحياة كالتعليم والصحة والاقتصاد...إلخ.
 وكان صارما حازما إزاء أية تجاوزات بحق أهالي القطاع من جانب رجال الإدارة.
 فغزة كانت بطلة التضحيات في تلك الفترة..

ولعل مذبحة غزة في 28/2/1955 هي نقطة التحول في تفكير عبدالناصر الاستراتيجي، التي دعته إلى كسر احتكار السلاح والاتجاه نحو الكتلة الشرقية وتأميم قناة السويس، وما تلاها من عدوان على مصر وغزة، حيث حارب القطاع بكل بسالة وشجاعة.

وكانت المذابح التي ارتكبت ضد شعب غزة في كل مكان، خاصة مذبحة خان يونس، التي سقط فيها 1550 شهيدا..
وقد حفظ الرجل ذلك لغزة وأهلها. فحين انسحبت إسرائيل من سيناء ورفض بن جوريون الانسحاب من غزة، رفض عبدالناصر كل الحلول بعيدا عن غزة، وخرج إلى الشوارع شعب القطاع من 7 إلى 14 مارس عام 1957، حتى عادت غزة إلى مصر،
 ولم يتركها عبدالناصر خلفه، بعد ذلك دخلت غزة في جولة جديدة أثناء حرب يونيو عام 1967، فحاربت مع الجيش المصري ببطولة شهد بها الأعداء.

ولم تسقط إلا بعد أن سقطت سيناء والجولان والضفة، ولكنها امتشقت سيف المقاومة فور احتلالها،
وظل عبدالناصر يستشهد بتلك المقارنة كما ظل مسكونا بفلسطين وبغزة إلى أن انتقل لرحمته تعالى.

تساءل فريح أبومدين بعد ذلك قائلا:
 يا ترى هل لو بقى عبد الناصر حيا كان سيترك غزة خلفه؟
وهل كان سيترك غزة تحاصر وتجوع وتذبح.
 ثم ختم بقوله: يا عبدالناصر لو أطللت علينا من قبرك لوجدت غزة في خندقها تحارب يومها ودموعها وأطفالها ونساؤها ورجالها. فنم قرير العين ولا نامت أعين الجبناء.

(2)

كأننا نتحدث عن زمن سحيق، وليس عن سنوات عاشها جيلنا، قبل أن تأتى أجيال تشوهت وتلوثت، حتى اختلطت عليها الأمور وصارت ضحية الحيرة والبلبلة. فأصبح العدو صديقا والشقيق عدوا. ودفعت فلسطين ثمن ذلك الانقلاب البائس.

في ظل الأوضاع المستجدة شاع بين كثيرين أن غزة وقضية فلسطين عبء على مصر. حملته طويلا، وضحت من أجله حتى خاضت حروبا عدة، وقدمت في ذلك مائة ألف شهيد من أبنائها.
وهي مقولة ينطلق منها بعض السياسيين والإعلاميين، الذين باتوا يتحدثون في الموضوع بدرجات متفاوتة من التبرم والضجر،
وهذه المقولة تحتاج إلى تفكيك يرد الأمور إلى نصابها ويضعها في إطارها الصحيح.

من المفارقات اللافتة للنظر أنه في حين يشيع في مصر أنها تدافع عن غزة وأنها ضحية لها، فإن الشعور السائد في غزة أنها هي التي تدافع عن مصر وتضحي من أجلها،

وسمعت من بعض المثقفين الفلسطينيين قولهم أن «لعنة الجغرافيا» كتبت على غزة أن تصبح حائط الصد الذي يمنع التمدد الإسرائيلي من الوصول إلى الحدود المصرية.
وأنه لولا ذلك الشريط الضيق المطل على البحر المتوسط الذي يتكدس فيه نحو 2 مليون شخص ويحتفظ بحدود مع مصر بطول 13 كيلومترا. لكانت إسرائيل واقفة على باب مصر الشرقي.
 وهي التي تتطلع إلى ذلك منذ عام النكبة (1948)، وقد احتلت إسرائيل القطاع حينذاك، وهو تحت الحكم المصري، ولكن إنذارا بريطانيا أخرجها منه.
 ثم عاودت احتلاله في عام 1956 (أثناء العدوان الثلاثي) واستردته مصر بعد الإنذار الروسي الشهير ليعود إلى الحكم المصري في عام 1957.
 واحتلته مرة ثالثة في عام 1967 بعد الهزيمة التي استولت فيها إسرائىل على سيناء.
وظل تحت الاحتلال العسكري المباشر حتى عام 2005، الذي انسحبت فيه إسرائيل من القطاع بعدما عانت الكثير جراء وجودها فيه.
وكان قد أصبح مشمولا، بالحكم الذاتي بموجب اتفاقية أوسلو التي وقعت عام 1993.

خلال تلك المراحل، دفعت غزة الثمن نيابة عن مصر وبسببها، حين ذهب الجيش المصري إلى فلسطين في عام 1948 مع غيره من الجيوش العربية تنفيذا لقرار الجامعة العربية،
وحين تعرضت مصر للعدوان الثلاثي في عام 56 بسبب تآمر بريطانيا وفرنسا ضد الرئيس عبدالناصر الذي ضمت إليه إسرائيل.
وبسبب حرب عام 67 التي وقعت بعد إغلاق الرئيس عبدالناصر مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية، ردا على تهديد رئيس الوزراء الإسرائيلى ليفي اشكول بالزحف على دمشق.

في هذه الجولات الثلاث دفع قطاع غزة ثمن جيرته لمصر، فجرى احتلاله وسالت دماء أبنائه غزيرة، الأمر الذي يستعيده المثقفون الفلسطينيون كلما أثير أمامهم السؤال من دافع عن من: غزة أم مصر.

(3)

ما سبق يثير التساؤل التالي:
 هل صحيح أن مصر خاضت حروبها دفاعا عن فلسطين؟

 الشائع في مصر أن السؤال مردود عليه بالإيجاب. وهو رد تروج له وسائل الإعلام،

في حين أن التاريخ يقول بغير ذلك.

ذلك أنه منذ قررت الجامعة العربية في 12 أبريل عام 1948 إرسال الجيوش العربية إلى فلسطين إثر انتهاء الانتداب البريطانى، فإن دولا عدة استجابت للقرار. وكانت مصر على رأس تلك الدول التي ضمت الأردن والعراق وسوريا ولبنان والسعودية.

ومعروف أن الحكومة المصرية عارضت التدخل في فلسطين في البداية وكان رأى إسماعيل صدقي باشا أن مصر تستطيع أن تتعايش مع دولة يهودية على حدودها الشرقية وفقا لقرار التقسيم،

ولكن الملك فاروق كان من مؤيدي المشاركة سواء لتنافسه مع الملك عبدالله ملك الأردن أو لتطلعه إلى زعامة العالم العربي، فأصدر أوامره إلى الجيش بالاستعداد للمشاركة في الحرب.

وفي يوم 15 مايو كانت طلائع القوات المصرية التي ضمت أكثر من تسعة آلاف ضابط وجندي قد بدأت العمليات على أرض فلسطين يقودها اللواء أحمد علي المواوي.

هذا الذي حدث في عام 1948 كان المرة الوحيدة التي خرجت فيها القوات المسلحة المصرية للاشتباك مع العصابات الصهيونية في فلسطين.

ولأن القرار صدر عن الجامعة العربية فقد كان مفهوما أن مجلس الجامعة فعلها للتصدي لخطر بدا أنه يهدد الأمن القومي العربي.

فيما عدا ذلك فلم يحدث أن خاضت الحكومة المصرية بجيشها أية حرب ضد إسرائيل استهدفت الدفاع عن فلسطين.

وقد سبقت الإشارة إلى أن حرب 56 قادتها إنجلترا وفرنسا ومعهما إسرائيل بهدف إسقاط النظام المصري بقيادة جمال عبدالناصر،

وحرب 67 كانت بسبب وقوف عبدالناصر إلى جانب سوريا وإغلاقه مضيف تيران.

وما عرف باسم حرب الاستنزاف التي وجهت ضد إسرائيل آنذاك تمت ضمن جهود إزالة آثار العدوان، وهو الشعار الذي رفعه عبدالناصر آنذاك والذي تجاوز به فكرة تحرير فلسطين.

أما حرب 73 فإنها استهدفت إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء الذي ظل مستمرا منذ هزيمة عام 67.

الخلاصة أن الحروب التي خاضتها مصر بعد عام 1948 كانت حروبا وطنية مصرية استهدفت الدفاع عن المصالح القطرية العليا بالدرجة الأولى.
ولذلك يتعذر التعميم فيها والادعاء بأنها كانت من أجل فلسطين.

وموقف عبدالناصر من إسرائيل آنذاك كان جزءا من موقفه الرافض للممارسات الاستعمارية الذي تجلى في مساندته لحركات التحرر الوطني سواء التي قاومت فرنسا في المغرب العربي أو قاومت انجلترا في إفريقيا.

هذا التحليل ــ إذا صح ــ فإنه يقودنا إلى نتيجة أخرى تستحق تفصيلا أكثر.

(4)

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية معلومة مفادها أن مصر قدمت مائة ألف شهيد في دفاعها عن القضية الفلسطينية،
ولا يستطيع أي باحث منصف أن يتجاهل ما قدمته مصر لصالح القضية،
 لكن العطاء المصري الحقيقي ظل سياسيا بالدرجة الأولى، وفي المرحلة الناصرية دون غيرها.

 سأشرح ذلك توا ولكن بعد تحرير مسألة المائة ألف شهيد.

ذلك أن الذين استشهدوا على أرض فلسطين في حرب عام 1948 لم يتجاوز عددهم 1161 شخصا بينهم مائة ضابط و861 جنديا و200 متطوع من خارج القوات المسلحة (الشهداء من رجال القوات المسلحة على الأقل أسماؤهم مسجلة ومحفوظة)
 وهذا الرقم أورده المؤرخ العسكري المصري اللواء إبراهيم شكيب في كتابه «حرب فلسطين 1948 ــ رؤية مصرية»،
وهو رقم لم يختلف كثيرا عن تقييمات المصادر الأمريكية،
وإن بالغت فيه قليلا المصادر الإسرائيلية (موقع جويش فيرتال ليبرتي ذكر أن عددهم 2000 شهيد)

للعلم: اللواء شكيب ذكر أن الجيوش العربية كلها قدمت في تلك الحرب 15000 شهيد و25 ألف جريح وإسرائيل سقط منها 6 آلاف قتيل و15 ألف جريح.

وإذا جاز لنا أن نستطرد ونتتبع أرقام شهداء القوات المسلحة في الحروب اللاحقة،
فإننا لا نستطيع أن نتجاهل المعلومات التي وردت على لسان الفريق محمد فوزي وزير الدفاع الأسبق، الذي ذكر أن
 شهداء عدوان 56 حوالي ثلاثة آلاف شخص
 أما الذين استشهدوا في عام 67 فعددهم عشرة آلاف،
وشهداء حرب عام 73 وصل عددهم إلى خمسة آلاف،
الأمر الذي يعني أن العدد الإجمالي للشهداء منذ 1948 حتى الآن عددهم لا يزيد على 20 ألف شخص.
الأمر الذي يدحض رقم المائة ألف شهيد ويبين أنه لا أساس علميا أو تاريخيا له.

أما لماذا قلت أن عطاء مصر للقضية الفلسطينية كان سياسيا بدرجة أكبر وفي المرحلة الناصرية دون غيرها فردي أوجزه فيما يلي:

أن الأداء العسكري للجيش المصري وللجيوش العربية كلها في عام 48 كان ضعيفا بشكل عام، رغم وقوع عدة بطولات استثنائية وفردية،
 يكفي أن جيوش الدول العربية الست دخلت الحرب والعرب يسيطرون على 73٪ من الأرض وحصة الإسرائيليين لا تتجاوز 27٪ وحين انتهت الحرب كان الطرفان قد تبادلا الحصص لصالح الإسرائيليين بطبيعة الحال

وأطلس فلسطين الذي أصدره الدكتور سلمان أبوستة يشرح ذلك الجانب بالتفصيل
ويرجعه إلى ضعف الجيوش العربية وقوة خبرتها
في حين أن العصابات الإسرائيلية تفوقت في العدد وفي القدرة العسكرية والكفاءة القتالية
(ضباط تلك العصابات كانوا من المحاربين الذين خاضوا معارك الحرب العالمية الثانية).

هذا عن الشق العسكري، أما ما قلته بخصوص تميز الدور السياسي المصري في المرحلة الناصرية فلعله ليس بحاجة إلى شرح.
ذلك أن عبدالناصر وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني والمقاومة في عهده،
في حين أن السادات انقلب عليهم وضرب القضية بمعاهدة السلام مع إسرائيل.
أما مبارك فقد سار على دربه حتى وصف بأنه كنز إسرائيل الاستراتيجي.

وقد ظل المؤشر ينحني حتى وصلنا إلى ما نحن فيه وما لا أستطيع أن أصفه، تاركا لك ذلك الوصف بعد أن تقرأ في صحف الصباح أخبار إغلاق معبر رفح في وجه الجرحى، وتتتبع ما جرى منذ إطلاق المبادرة وصولا إلى أطلال «الشجاعية».
..................


28 يوليو، 2014

يعبرون عن أسوأ ما فينا

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 1 شوال  1435 – 28 يوليو 2014
يعبرون عن أسوأ ما فينا – فهمي هويدي

لا أعرف كيف نعتذر للعالم العربي عن تدهور خطابنا الإعلامي،
ولا كيف نقنع أشقاءنا في المشرق والمغرب بأن انهيار قيمه فيما تبثه أغلب المنابر الإعلامية لا يمثلنا ولكنه يعبر عن أسوأ ما فينا.

أقول ذلك في حين مازلنا في مصر نحاول بالاعتذار وبشتى طرق التصالح الأخرى إزالة آثار الإهانة التي وجهتها إحدى المذيعات للشعب المغربي.

كما يحاول ممثل مصر في رام الله التنصل مما صدر عن «إعلامي» آخر مهينا للشعب الفلسطيني،

وما كتبته إعلامية أخرى أعربت فيه عن حفاوتها بالغارات الإسرائيلية على غزة وما تفوهت به إعلامية شابة استخفت بقتل الفلسطينيين واعتبرت أنه لا غضاضة في ذلك وأن مصر لا شأن لها بما يجري هناك.

هذا قليل من كثير يلحظه كل من تابع أداء الإعلام المصري، والتلفزيوني منه بوجه أخص. بعدما تحول أغلب مقدمي برامجه الحوارية، الرجال منه والنساء، إلى «نشطاء» يوجهون الرأي العام ويعظون المشاهدين كل يوم بآرائهم في مختلف القضايا العامة.
حتى صاروا هم مقدمو البرامج وهم الضيوف وهم السائلون وهم المجيبون وهم المذيعون وهم المعقبون.

وبسبب تواضع معارفهم ومحدودية قدراتهم، فإنهم أساءوا إلى المهنة بقدر ما أساءوا إلى مصر.

 إزاء ذلك لم يكن مفاجئا أن تتراجع نسبة مشاهدي البرامج الحوارية بشكل ملحوظ في داخل مصر ذاتها، حتى سمعت من أخبر الخبراء أن نسبة المشاهدين الآن هبطت إلى ثلث ما كانت عليه في السابق.
 الأمر الذي يعني أن ثلثي المشاهدين في مصر ملوا متابعة تلك البرامج وانصرفوا عنها.

ليس الأمر مقصورا على التدهور في الأداء المهني، لأن الأداء السياسي شهد مستويات عدة من التدهور
ذلك أنهم منذ تحولوا إلى «نشطاء» انخرطوا في الاستقطاب وتنافسوا في ركوب الموجة والدفاع عن سياسات النظام القائم.
وتراوحت مرافعاتهم اليومية بين الهبوط في الأفكار والتغليط في المعلومات والبذاءة في التعبير.
 بحيث أصبح أداء الإعلام المصري بمثابة سلسلة من الفضائح التي أسهمت في تشويه صورة البلد في الخارج ولطخت سمعتها.

إذا أردنا أن نكون أكثر دقة وإنصافا فربما جاز لنا أن نقول إن ذلك الأداء المتدني ليس بعيدا تماما عن السياسة.
ليس فقط لأن بعض الأبواق عالية الصوت التي تسهم بقسط أوفر في الابتذال والتجريح وثيقة الصلة بالأجهزة التحتية،

ولكن أيضا لأننا نلاحظ أن مدفعية التجريح وسيل الإهانات والبذاءات عادة ما تستهدف المخالفين من دول الإقليم.
وهو ما يسوغ لي أن أقول إن حملة الاعتذارات للمملكة المغربية ليس سببها أن عبارات مهينة وجهتها إحدى المذيعات لذلك البلد الشقيق،
وإنما السبب الحقيقي لها أن المغرب يحتفظ بعلاقات طيبة مع مصر، وأن المملكة ليست من الدول المخالفة لسياساتها.

دليلي على ذلك أن مثل هذه العبارات وما هو أسوأ منها وجهت إلى دول أخرى على خلاف مع مصر، وتم التسامح معها ولم يعتذر عنها.
 كأن هبوط المستوى ليس مزعجا لنا بحد ذاته، ولكننا نتحفظ عليه فقط حين يستهدف إحدى الدول الصديقة.

إذا وسعنا الدائرة فسنجد أن المشكلة تكمن في رسوخ فكرة استباحة الآخر المغاير والمخالف، سواء كان في الداخل أو الخارج.

ذلك أننا نشهد تلك الاستباحة مع المخالفين في الداخل تماما كما تشهدها مع المخالفين في الخارج.

والقاعدة الحاكمة لذلك الموقف هي أنه «لا كرامة لمخالف».

وحين يكون الأمر كذلك فإن الباب يصبح مفتوحا على مصراعيه لمختلف صور التجريح والتجاوز والاستباحة.
وهذه الأخيرة تصبح بلا سقف.

وإذا لاحظنا أن المخالف في الداخل حتى إذا كان من الحلفاء يلاحق باتهامات من قبيل الانخراط في الطابور الخامس والخيانة والعمالة والإرهاب أحيانا.
كما يشهر به بالتسجيلات وما أدراك ما هي، فلك أن تتصور مدى تلك الاستباحة حين يتعلق الأمر بدولة شقيقة ولا يكون هناك سقف للتشويه والتجريح والسباب.

الإعلام المكتوب ليس أفضل كثيرا من المرئي أو المسموع، ذلك أن جرأة بعض العاملين فيه ذهبت إلى حد إهدار أبسط قواعد المهنة وبديهياتها،

آية ذلك مثلا أنني تلقيت هذا الأسبوع رسالة من الدكتورة ريما خلف مساعد الأمين العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
شكت فيها من أن جريدة الدستور المصرية نسبت إليها حوارا امتدحت فيه النظام القائم، ووصفت تسلم الرئيس السيسي وثيقة حكم مصر باعتباره «مرحلة جديدة في تاريخ العرب».

ولما كان الحوار مختلقا ولا أساس له، فإنها طلبت من مكتب الإعلام التابع للأمم المتحدة أن يبلغ الصحيفة بذلك لكي تصحح الوضع وتعتذر عنه،
وحين تم ذلك فإنها لم تقم بأي إجراء.

سألتني الدكتورة ريما، النائب السابق لرئيس الوزراء بالأردن، ماذا تفعل في هذه الحالة؟
 لم أستطع أن أرد على السؤال لأنني اعتبرت ما جرى معها جزءا من مشكلة كبرى نعاني منها، حتى سولت لي نفسي أن أعتبرها محظوظة، وأدعوها لأن تحمد الله على أن التدليس والافتراء عليها وقف عند ذلك الحد(!).

....................

27 يوليو، 2014

جنرالات سوريا على خطى جنرالات الجزائر

صحيفة الشرق القطريه الأحد 29 رمضان  1435 – 27 يوليو 2014
جنرالات سوريا على خطى جنرالات الجزائر – فهمي هويدي

حذرنا منذ الأشهر الأولى للثورة السورية من تكرار السيناريو الجزائري في سوريا بحذافيره.

واعتمدنا وقتها على معطيات موضوعية صلبة،
فالنظامان الجزائري والسوري متشابهان في الكثير من النواحي،

فهما يقومان بالدرجة الأولى على المؤسستين الأمنية والعسكرية.
 صحيح أن كل الأنظمة العربية تعتمد على المخابرات والعسكر،
 لكن الطبيعة الأمنية والعسكرية للنظامين الجزائري والسوري تنفرد عن البقية من حيث عمقها وتشابكها وصلابتها.

 ربما يختلف النظام الجزائري عن السوري بأن الرئيس في الحالة الجزائرية هو مجرد واجهة للعسكر والأمن،
بينما يظهر الرئيس في سوريا على أنه المحرك والآمر للمؤسستين العسكرية والأمنية.

مع ذلك، هناك من يرى أنه حتى ذلك الاختلاف غير موجود، فبعض جنرالات الأمن السوريين يتفاخرون في جلساتهم الخاصة بأنهم هم صانعو الرؤساء، وليس العكس.
ويذكر أحد كبار الجنرالات السوريين حرفياً أن المؤسسة الأمنية ارتأت بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد أن يستمر الحكم في شخص ابنه بشار، وكان لها ما ارتأت، وما أرادت.

ونظراً لتشابه النظامين السوري والجزائري، فكان لابد من تعاون وحتى تواطؤ بينهما للحفاظ على تلك التركيبة الفريدة في الحياة السياسية العربية.

من المعروف للجميع أن النظام الجزائري وقف مع نظام الأسد منذ اللحظة الأولى، وقد شاهدنا ممثل الجزائر في اجتماعات الجامعة العربية يعارض كل الإجراءات التي لجأت إليها الجامعة لمعاقبة النظام السوري.

 ولم يتوقف الدعم عند الجانب الدبلوماسي والسياسي، بل امتد إلى الجانب العسكري والأمني، بحيث يؤكد بعض العارفين على أن الجزائر قدمت دعماً عسكرياً ومخابراتياً كبيراً للرئيس السوري.

والأهم من ذلك أنها ساندته بخططها وألاعيبها الأمنية المجربة منذ تسعينيات القرن الماضي في المواجهة مع الإسلاميين،
 خاصة أن نظام الرئيس حافظ الأسد كان بدوره قد قدم خبرته في قمع الإخوان المسلمين في الثمانينيات لنظيره الجزائري في التسعينيات.
وكان لابد من رد الجميل، ولا يخفى على أحد أن هناك عاملاً مشتركاً آخر يلعب لصالح النظام السوري،

فالعلاقات بين الجزائر وإيران لها خصوصية.
ولعلنا نتذكر أن الجزائر كانت تقوم برعاية المصالح الإيرانية أيام القطيعة الدبلوماسية بين أمريكا وإيران، مما يجعل نظام الأسد والجزائر وإيران حلفاً واحداً.

البعض يحاول أن يفصل بين الوضعين السوري والجزائري بالقول إن ما حدث في الجزائر في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن ثورة شعبية بأي حال من الأحوال كما هو الوضع في سوريا، وبالتالي، فلا مجال للمقارنة.
لكن الحقيقة أن الوضعين متشابهان إلى حد كبير،

فما حدث في الجزائر أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ فازت في الانتخابات وقتها بنسبة كبيرة، فانقلب الجنرالات عليها، ولاحقوها ووصموها بالإرهاب، فدخلت معهم في صراع مشروع على اعتبار أنها كانت وقتها تمثل الضمير الشعبي المطالب بالتغيير والانعتاق من قبضة العسكر، فتطور الصراع بين نظام مستبد وحركة شعبية.

ولو نظرنا إلى الوضع السوري سنجد أنه قريب جداً من الوضع الجزائري.
صحيح أن الشعب السوري انتفض بشكل عفوي دون وجود حركات إسلامية أو سياسية تقوده،
 إلا أن النظام عمل لاحقاً على إلباس الثورة لباساً إسلامياً متطرفاً،
 فأخرج الكثير من القادة المتطرفين من سجونه،
وفتح الحدود أمام المتطرفين الأجانب كما يؤكد الدبلوماسي السوري بسام بربندي،
وسمح لهم بمقاتلته كي يظهر أمام السوريين والخارج على أنه يواجه جماعات إسلامية إرهابية متطرفة.

ولا ننسى كيف تلاقت لاحقاً مصالح النظام مع مصالح "داعش" وغيرها في ضرب الحراك الثوري المتمثل بالجيش الحر، وتحويل الأنظار من الثورة الأصلية إلى الجماعات المتطرفة

لسنا في واقع الأمر بحاجة للكثير من الجهد لرؤية ملامح التشابه في طريقة التعامل مع حركات المعارضة في التجربتين الجزائرية والسورية.

 عندما أراد النظام الجزائري أن يحبط تحركات خصومه ألبسها ثوباً إسلامياً متطرفاً، وراح يواجهها على أنها إرهاب.
لا بل وصل الأمر به إلى تصنيع حركات إسلامية جهادية إرهابية في أقبيته الأمنية، ووجهها للقيام بالكثير من الأعمال الإرهابية حتى ضد مؤسسات الدولة الحيوية،
وذلك كي يعطي لنفسه المبرر في سحق الحراك الشعبي أو أي قوى معارضة، بحجة أنها إرهابية.
وقد لاقى نظام المخابرات الجزائري وقتها دعماً داخلياً ودولياً كمكافح للإرهاب.

 من منا لا يتذكر جماعة "الجيا" "GIA" الجماعة الإسلامية المسلحة التي صنعها نظام الجنرالات كي يواجه بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟
وظل نظام الجنرالات يخوض معاركه ضد خصومه على مدى عقد كامل من الزمان مستفيداً من همروجة الإرهاب، وانتهى الأمر بانتصاره،
وفرض شروطه على الخصوم وعلى الشعب الجزائري الذي نسي كل مطالبه السياسية، وقبل بشروط الجنرالات بعد أن أوصلوه إلى وضع كارثي مزر جعله يقبل بالعودة إلى حضن النظام بعد أن قدم له الجنرالات البديل الإسلامي المتطرف على مدى سنوات، وخوفوه به ليل نهار،
فتمكن النظام بألاعيبه و"مصالحاته" وحركاته "الوئامية" الأمنية من إعادة البلاد إلى بيت الطاعة دون أن يقدم تنازلاً واحداً من قبضته الأمنية والعسكرية على مقاليد الحكم في البلاد.

لاحظوا الآن نفس السيناريو في سوريا، فلا ننسى مثلاً أن النظام الجزائري ترك بعض المناطق تحت قبضة بعض الجماعات، كما يفعل النظام السوري الآن في شمال سوريا.
والهدف من ذلك تركها تعاني من التهميش وسطوة المتطرفين بحيث تتوسل العودة إلى حضن الدولة فيما بعد.

في الآن ذاته يتكرر السيناريو الجزائري سورياً في لعبة "المصالحات" المفروضة بالحديد والنار والتجويع والتركيع وفرمانات العفو الكاذبة..

قارنوا قانون الوئام والمصالحة الجزائري مع المراسيم السورية الجديدة التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن الجزائرية.
يسمونها مصالحات، وعفا الله عما مضى، بشرط أن يعفو الشعب عن كل ما اقترفه النظام، وألا يطالب بأي تغيير سياسي، وأن يبقى كل شيء على حاله،

 تماماً كما حدث في الجزائر، حيث بقي نظام الجنرالات كما هو رغم موت مئات الألوف من الجزائريين، وخراب البلاد.

لاحظوا أن خطاب القسم للرئيس السوري لم يتضمن تنازلاً واحداً للشعب رغم تهجير نصف الشعب وقتل مئات الألوف وتدمير مناطق بأكملها،
ناهيك عن أن العارفين ببواطن الأمور في سوريا يتحدثون الآن عن تقوية الأجهزة الأمنية وجعلها أكثر صلابة، مما يعني أن النظام يريد أن يستمر في نظامه الأمني بشكل أعتى

لكن مع الاعتراف بالكثير من التشابه بين الجزائر وسوريا، فلابد من الإشارة أيضاً إلى أن الوضع مختلف تماماً، من حيث الموقع الجغرافي، والتركيبة الديموغرافية والعامل الإقليمي والعربي والدولي.

لكن بما أن النظام السوري يعتقد أن القبضة الأمنية هو علاج لكل شيء، فهو يظن أن التجربة الجزائرية يمكن أن تولد من جديد في سوريا.

لكن ذلك لا يعتمد بأي حال من الأحوال على رغباته وخططه، بقدر ما يعتمد على النوايا الدولية، فلو كان هناك نية دولية لإبقائه فسينجح النموذج الجزائري.

لكن عندما نسمع أحد منظّري النظام عماد فوزي شعيبي يقول:
 "لا أحد بالمطلق (بمن فيهم النظام) يعرف كيف سيكون غد سوريا"،

عندئذ يصبح تشبيه الوضع السوري بالجزائري كتشبيه المريخ بالبطيخ لمجرد تشابه بعض الحروف.

......................

Delete this element to display blogger navbar