Subscribe:

Ads 468x60px

30 يونيو، 2014

حققوا وأفيدونا

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 2 رمضان  1435 –30 يونيو 2014
حققوا وأفيدونا – فهمي هويدي

استيقظت القاهرة يوم الأربعاء الماضي على دوي خمسة انفجارات في أنحاء مختلفة، ثلاثة منها في محطات المترو. وأدت الانفجارات إلى إصابة تسعة أشخاص بإصابات محدودة،
الأمر الذي فهم منه أن العملية استهدفت إشاعة الذعر والإزعاج بأكثر من إيقاع القتلى.
وكأنما أريد بها إيصال رسالة إلى السلطة دون المجتمع،

وليست تلك الملاحظة الوحيدة، لأن حدوث التفجيرات في توقيت متزامن دال على أن من قام بها مجموعة وليس فردا.
ثم إن البدائية التي اتسمت بها أدوات التفجير والتي أشارت إليها المصادر الأمنية كانت لها دلالة أخرى خلاصتها أن الذين قاموا بتلك العمليات إرهابيون مبتدئون وهواة وليسوا مدربين أو محترفين.

السؤال الكبير الذي تثيره عمليات من ذلك القبيل هو:
من فعلها؟
ــ وهو ما حاولت الإجابة عنها الصحف التي صدرت صبيحة يوم الخميس 26/6.

فقد أوردت صحيفة «الأهرام» الخبر تحت العنوان التالي:
محاولات إرهابية يائسة لإثارة الرعب في الشارع،
وتحت العنوان أشارت إلى بيان وزارة الداخلية الذي تحدث عن «عبوة بدائية الصنع انفجرت في محطة مترو شبرا الخيمة، أسفرت عن إصابة شخص كان يحملها في حقيبة. وتبين أنه ينتمى إلى تنظيم الإخوان الإرهابي، وتم اعتقاله وإخضاعه للتحقيقات».

جريدة «الشروق»، نقلت عن رئيس مباحث «المترو» قوله إن مشتبها به يحمل شعارات مؤيدة للمعزول (المقصود هو الرئيس الأسبق محمد مرسى) وشعار «وأعدوا» وراء تفجير شبرا، ولكن المتهم قال إنه ليست له علاقة بالحادث.

جريدة «المصري اليوم» ذكرت أن الداخلية ألقت القبض على أحد المصابين المشتبه بهم. وقد ضبطت بحوزته حقيبة بداخلها كمية من البارود وبعض المسامير التي تستخدم في تصنيع عبوات بدائية ــ كما تبين احتواء هاتفه على صور وشعارات لاعتصام رابعة العدوية.

جريدة «الوطن» كان العنوان الرئيسي على صفحتها الأولى كالتالي:
إرهاب الإخوان يستهدف «الغلابة».
وذكرت تحت العنوان أنه: قبل خمسة أيام من الذكرى الأولى لثورة 30 يونيو، بدأ تنظيم الإخوان والجماعات المسلحة التابعة له مرحلة جديدة من الإرهاب، حيث تحولت عناصر التنظيم من استهداف رجال الجيش والشرطة إلى استهداف المدنيين الأبرياء.

ما ذكرته الصحف الأربع لم يختلف كثيرا عما أوردته بقية الصحف التي صدرت صباح يوم الخميس، وكلها تشير إلى مسؤولية الإخوان عن التفجيرات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة،
لكن مما أثار الانتباه أن الإخوان أصدروا بيانا في مساء يوم التفجير (الأربعاء) جرى بثه خلال المواقع، اتهموا فيه الأجهزة الأمنية بالوقوف وراء التفجيرات لكى تلصقها بالجماعة ضمن حملة التشيهر الإعلامي بها.
وذلك ادعاء ساذج يصعب إثباته فضلا عن تصديقه، خصوصا أن البدائية التي اتسمت بها عمليات التفجيرات توحي بأن الذين قاموا بها ليس لهم سابق علاقة بالعملية،

الأهم من ذلك أن البيان الذي حمل بشدة على الحكومة حرص على إعلان النقاط التالية:

<
الإدانة الشديدة لتلك العمليات مهما كان مرتكبوها ــ مع التأكيد على الالتزام بالمنهج السلمى في الحراك والاحتجاج، والتمسك برفض الانجرار إلى استخدام العنف.

<
الإشارة إلى أن السلطة التي دأبت على المسارعة إلى اتهام الجماعة بكل ما حدث بدون أي دليل لم تحقق بشكل جدى في الأحداث التي وقعت ولم تقدم أي دليل يؤيد مزاعمها.

<
مطالبة الجماعة للسلطات المعنية بإجراء تحقيق شفاف في تلك الأعمال، وتقدم مرتكبيها إلى المحاكم لمعاقبتهم،
مع مناشدة المنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان الضغط على السلطات القائمة لتشكيل لجان تحقيق نزيه لكشف غموض تلك الحوادث المريبة.

لا أعرف كيف استقبلت السلطات الرسمية هذا البيان، ولن أستغرب تجاهله في أجواء الشيطنة الراهنة، إلا أنني أخشى من عاقبة ذلك التجاهل في المدى البعيد،

وأنوه في هذا الصدد إلى أمرين محددين،

الأول أن استسهال اتهام الإخوان بمجرد وقوع الحوادث من شأنه أن يطلق يد الفاعلين الآخرين ويشجعهم للاستمرار في عملياتهم، باعتبار أن الأضواء والتركيز متجه إلى غيرهم،

 الأمر الثاني أن يدفع ذلك الأجيال الجديدة من الإخوان إلى الانخراط الفعلى في العمليات الإرهابية باعتبار أنهم متهمون في كل الأحوال ولا سبيل لتبرئتهم تحت أي ظرف.

أكرر ما سبق أن قلته من أن المطلوب ليس تبرئة الإخوان، ولكن إجراء تحقيق جاد ورصين يستهدف التعرف على الفاعلين الحقيقيين، ربما يجهض العمليات الإرهابية ويجتث جذورها، ومن ثم يعيد الاستقرار والهدوء إلى الوطن.

وينبغى ألا ننسى أن العمليات الإرهابية الكبيرة التي تمت سواء قتل جنود الجيش أو تفجيرات مديريتى الأمن في القليوبية والقاهرة اتهم فيها الإخوان بعد وقوعها مباشرة، ولكن آخرين أعلنوا مسئوليتهم عنها، وفي المقدمة من هؤلاء «أنصار بين المقدس» و«أجناد مصر».

إن حزب الحرية والعدالة الممثل للإخوان لا يزال قائما وموجودا ضمن «تحالف الدفاع عن الشرعية».
ومن حق السلطة أن تسائل ممثلي الحزب بما لديها من شواهد وأدلة وتحقق في مسؤولية الجماعة عن الجرائم التي وقعت، وفي مدى صدقية بيانات الاستنكار ورفض اللجوء إلى العنف الصادرة عنها،
أما ترك الأمر للإعلام وتعليقه على النحو الحاصل الآن فلا مصلحة للمجتمع فيه.

.......................

29 يونيو، 2014

حسن النية لا يكفي

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 1 رمضان  1435 –29 يونيو 2014
حسن النية لا يكفي – فهمي هويدي

من الإشارات الجيدة التي ظهرت في الإعلام المصرى خلال الأسبوع الماضى واحدة انتقدت فكرة عقد مؤتمر للمانحين للنهوض بالاقتصاد المصري، ودعت إلى استبداله بمؤتمر آخر للمستثمرين.

قرأت أيضا تعليقا تحفظ على مسألة الاعتماد على التبرعات في محاولة الإنقاذ المنشودة، حذر فيه صاحبه من أن التبرعات لا تبني دولة.

كانت هناك إشارة ثالثة عكستها استطلاعات أجرتها إحدى الصحف للتحقق من أصداء اقتراح بدء العمل في دواوين الحكومة في الساعة السابعة صباحا.
وبينت تلك الاستطلاعات أن الاقتراح لم يؤخذ على محمل الجد، وأنه لم يطرأ تغير يذكر على أداء العديد من مؤسسات ومرافق الدولة.

لي ملاحظتان على تلك الإشارات،
الأولى أنها بمثابة تطور إيجابي بدا وكأنه تغريد خارج على سرب التهليل والتصفيق، الذي أصبح سمة للخطاب الإعلامي المصري في مختلف منابره.
أعنى أنها كانت بمثابة تحفظات على تلك المبادرات وتشكيك فىِ جدواها، ومنها ما اقترح مراجعة بعضها وتصويبه. وذلك أمر جيد لا ريب.

الملاحظة الثانية والأهم أن المبادرات التي جرى انتقادها جاءت تعبيرا عن حسن النية بأكثر مما قدمت حلولا عملية للمشكلات التي تواجه الاقتصاد المصري.
 إذ يكاد المرء يلمح فيها ليس فقط تبسيطا للمشكلات، وإنما أيضا أنها لم تدرس جيدا من جانب أهل الاختصاص.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنها بدت وكأنها خواطر طرأت على البال في لحظات معينة، ثم طرحت على الرأي العام مباشرة قبل أن تأخذ حقها من التدقيق والتمحيص.

إن فكرة مؤتمر المانحين ليست جديدة ولكنها طرحت في حالات أخرى سابقة في الصومال واليمن وسوريا.
 ورغم أن لها ثمنها السياسي الباهظ فإنها لم تحقق تقدما يذكر في تلك الأقطار،.
 ناهيك عن أن ما قد يصلح لحل أزمة بلد يضم عشرين أو ثلاثين مليونا من البشر، قد لا يكون حلا لمشكلة بلد كمصر يضم 90 مليونا.

أما تغيير مواعيد العمل فبدوره ليس فكرة جديدة، فقد طبقت في ماليزيا ولكنها كانت ضمن رؤية استهدفت تغيير عوائد العاملين في الجهاز الإداري،
 واعتبرت أحد بنود مشروع تحقيق التنمية البشرية التي أنشئت وزارة خاصة لأجلها.

مسألة التبرع بنصف الراتب الشهري لا إبداع فيها،
 فالرئيس التونسي المنصف المرزوقي خفض راتبه إلى الثلث وتبرع بالثلثين في شهر ابريل الماضي،
والرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند ما إن تسلم منصبه حتى تنازل هو و34 وزيرا فى حكومته عن 30٪ من رواتبهم.
 بل إن رئيس أوروجواي خوسيه موخيكا تبرع بـ90٪ من راتبه (12 ألف دولار فى السنة) واختار أن يعيش هو وأسرته بعشرة في المائة فقط.. الخ.

أحد الأسئلة التي تخطر على البال هو:
 هل يستشير الرئيس عبد الفتاح السيسى أحدا في المبادرات التي يعلنها؟
لست وحدي من عنَّ له السؤال، ولكن زميلنا الأستاذ إبراهيم عيسى ألقاه في أعقاب إعلان الرئيس عن تبرعه بنصف راتبه.
 ولأنه يبدو أقرب إلى دوائر صنع القرار فقد كتب يوم 25/6 في صحيفة التحرير التي يترأسها قائلا:
 حتى الآن لا يعتمد الرئيس السيسي على مستشارين.
وبعد أن امتدح صراحته في حديثه عن الموازنة العامة والأزمة الاقتصادية، أضاف قائلا أن التبرع بنصف ممتلكاته وراتبه تعبير عن إخلاص ونية صادقة، لكنه ليس حلا. لا راتبه ولا تبرعاته أو تبرعات أي أحد.

واستطرد قائلا: إن مصر جربت كثيرا طريقة النوايا الحسنة وجمع التبرعات وفشلت كلها. ولا أظن أن حظها مع السيسي.
إذ بدا متشككا في جدوى فكرة التبرع، فإنه تساءل عن وجود المستشارين ودورهم المهم في تمحيص أي فكرة قبل إطلاقها.

وهو ما اتفق معه فيه تماما. لكنني أتحدث عن شيء أبعد من ضرورة دراسة الفكرة، حيث أتمنى أن تكون جزءا من رؤية استراتيجية واضحة. وهو ما يبدو أننا نفتقده في الوقت الراهن.
 وهو نفسه ما أخذته على فترة حكم الدكتور محمد مرسي وانتقدته في حينه.

ليس ذلك وحده ما يبعث على القلق، لكن ما يقلقني أيضا أن يكون الرئيس السيسي لا يزال معتمدا على معلومات وتقديرات الأجهزة الأمنية التي ظل يعمل فيها وعلى رأسها لفترة ليست قصيرة.
وفي حدود علمي فإنه نقل إلى مكتبه بعضا من مساعديه حين كان رئيسا للمخابرات الحربية.

ولا أستطيع أن أقلل من شأن تقارير وتقديرات تلك الأجهزة، لكنني أزعم أنها إذا أدت دورها في محيطها فإنه لا يطمئن إلى كفايتها حين يتعلق الأمر بمستقبل البلد والمجتمع بأسره.

إن السؤال الكبير الذى ينبغي أن يطرح في مواجهة هذا الموقف هو
 لماذا لا تدعى العقول المصرية الخبيرة إلى مؤتمر تناقش فيه الأزمة الاقتصادية وحلولها،
ولماذا لا تتولى تلك العقول صياغة الرؤية المتكاملة ووضع الاستراتيجية التي تتيح للوطن أن يتحرك صوب المستقبل بثقة واطمئنان.

إن الإخلاص على العين والراس والنوايا الطيبة تقدر وتحترم، لكننا ينبغي ألا نعول عليها وحدها، لأننا نحفظ منذ وعينا أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.

..................

27 يونيو، 2014

حكومة الظل المصريه

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 30 شعبان  1435 –28 يونيو 2014
حكومة الظل المصريه – فهمي هويدي

قبل أن يُعلن رسميا عن منع بث مسلسل «أهل إسكندرية» خلال شهر رمضان، أشارت الصحف إلى أن جهة غامضة أوصت بذلك.
وهو ما يعني أن القرار أصدرته تلك الجهة لأسباب وحسابات لم تكن مضطرة ولا راغبة في إعلانها،
وأن مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي حين اجتمع وأعلن «تأجيل» عرض المسلسل فإن دوره كان مقصورا على إخراج القرار وليس إصداره.

عندي تجربة خاصة مع حكاية «التأجيل» تجعلني أستريب في مقصوده.
ذلك أن أحد رؤساء التحرير السابقين لجريدة الأهرام حين كان يريد منع أي مقال لي فإنه لم يكن يؤشر بالمنع كي لا يؤخذ عليه، لكنه كان يقرر «تأجيله» فقط.
 وهو يعلم أنه كان يُنشر في اليوم نفسه في عدة دول عربية، الأمر الذي يعني أنه إذا لم يظهر بالأهرام في ذلك اليوم فسوف يتعذر نشره بعد ذلك، لأنه يكون قد «حُرِق» إذا استخدمنا الوصف الدارج في محيط المهنة، بعدما تم نشره في أماكن أخرى وصار في متناول الجميع.

حدث معي بعد ذلك أنه حين لم أُمكَّن من السفر قبل عدة أسابيع، قيل لي إنه لا يوجد قرار بمنعي من السفر.
وأفهمني العالمون ببواطن الأمور بأن المنع له بابان
 أحدهما قانوني يصدره النائب العام
 والثاني «سيادي» يصدر عن جهات غامضة لا تُسمى ولا تُعرف ولا تُسأل.

 والمنع الأول يتم من خلال قرار مكتوب يصدره النائب العام ويبلَّغ إلى الجهات المعنية في المطارات والموانئ.

أما المنع الثاني فتصدره الجهات الغامضة من خلال الرسائل والاتصالات التي يتعذر إثباتها.
 فقد يقوم الوسطاء بتوصيل التبليغات والتنبيهات شفاهة،
وقد يتم الأمر من خلال الاتصالات الهاتفية.

وما أدهشني أن مسؤولا صحفيا على صلة بالمؤسسة الأمنية قال لي إن الجهات التي تُصدر ما يُسمى بالقرارات السيادية عددها تسع في مصر، وهو ما استغربته لأن مبلغ علمي أنها بين ثلاث أو أربع.

لقد ذكرت في مناسبة سابقة أن مصطلح الجهات السيادية الرائج في الإعلام المصرى يُعد بدعة لا أصل لها، في السياسة أو القانون.
 وهو قناع تتجمل به المؤسسة الأمنية والجهات الغامضة التابعة لها التي لا تريد الإعلان عن نفسها،
وتفضل استخدام ذلك المصطلح التماسا للهيبة من ناحية ولترهيب الآخرين وإسكاتهم من ناحية أخرى.

ذلك أنه لا يوجد شيء في الدول العصرية اسمه مؤسسة سيادية، ولكن هناك قرارات سيادية تصدرها السلطة بناء على تقديرها السياسي وليس بموجب صلاحياتها الإدارية.
ولأنه تقدير سياسي (مثل إعلان الحرب أو الطوارئ أو تعديل الوزارة) فإنه يظل بعيدا عن الرقابة القضائية، وإن خضع للرقابة البرلمانية.

من الناحية العملية فكلما انحسر التطبيق الديمقراطي تمددت وتعددت الجهات الغامضة واستفحل دور الجهات التي تتحصن وراء المسميات المختلفة، والصفة السيادية أبرزها.
وبمقتضى ذلك فإنها تقوم بدور فاعل في توجيه مختلف أنشطة الشأن العام، في حين تظل قابعة في الظل وبعيدة عن أي مساءلة.

إننا لا نعرف على وجه التحديد من قرر منع مسلسل «أهل إسكندرية»، ولا من أوقف برنامج باسم يوسف، ولا من ضغط سواء لتطفيش علاء الأسواني، أو لمنع أشخاص بذواتهم من الكتابة في الصحف أو إخضاع كتاباتهم لرقابة خاصة، كما حدث مع أهداف سويف مؤخرا ومن قبلها وائل قنديل.
ثم إننا لا نعرف مدى صحة الشائعات التي تتحدث عن وضع أسماء منسوبين إلى ثورة 25 يناير ضمن قوائم غير المرضى عنهم.
ومن هؤلاء الدكتور عمرو حمزاوي والدكتور سيف عبدالفتاح وصولا إلى عبدالرحمن القرضاوي ومصطفى النجار وعمرو واكد والفنانة بسمة...إلخ.

هذه الجهات الغامضة التي يسمونها جهات سيادية هى حكومة أخرى قابعة في الظل.
ولا أستبعد أن تكون الحكومة الحقيقية التي تسير البلد من مواقعها البعيدة عن الأعين.

وهى مختلفة عن حكومة الظل في إنجلترا مثلا، التي تشكلها الأحزاب لكي تكون جاهزة لإدارة البلد واستلام السلطة إذا فازت في الانتخابات إلا أن جهاتنا السيادية تمارس ولا تنتظر الانتخابات.

وهي أيضا تختلف عن الدولة العميقة التي تضم عناصر الأجهزة الأمنية وشبكات المصالح والخصوم السياسيين الذين يعملون تحت الأرض لتغيير الأوضاع والتأثير على السياسات.

ذلك أنها عندنا جزء من السلطة يعمل فوق الأرض وغير مرئي لنا ولكنه أحد أذرع سلطة القرار. وهي تؤدي دورا سياسيا لما تتصوره خدمة للنظام، دون ضلوع شبكات المصالح الاقتصادية فيها.

والأمر كذلك، فإن أزمة مسلسل «أهل إسكندرية» تعد قرينة جديدة على مدى عمق أزمة الديمقراطية والشفافية في مصر.

وإذا كان منع المسلسل قد وفر أفضل حملة دعائية له، إلا أنني أتمنى أن تعد الأزمة بمثابة جرس إنذار ينبهنا لحاجتنا الملحة إلى الشفافية واستعادة المسار الديمقراطى، الذي يبدو أنه بند مؤجل في أولويات النظام القائم.

..................

26 يونيو، 2014

حلقة في مسلسل الحظر

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 28 شعبان  1435 –26 يونيو 2014
حلقة في مسلسل الحظر – فهمي هويدي

لا نعرف شيئا عن موضوع مسلسل «أهل إسكندرية» الذي منعته مصر من العرض في شهر رمضان المقبل وتم حبسه في الادراج والعلب حتى إشعار آخر.
لكن المتواتر ان مؤلفه بلال فضل قدم فيه شخصية ضابط شرطة منحرف، الأمر الذي لم تسترح إليه المؤسسة الأمنية،
رغم أن أحداث القصة تتحدث عن عهد مبارك ولا علاقة لها بالنظام الجديد،
لكن المقادير شاءت أن يثار في نفس الوقت لغط في موسكو حول منع فيلم سينمائي شيشاني اختلفت فيه القصة بطبيعة الحال،
وكانت حجة المنع انه اعتبر تشكيكا في تاريخ النظام الروسي والمرحلة الستالينية التي طويت صفحتها منذ نحو سبعين عاما.

لم نفهم خلفيات المنع في مصر لأن التفاصيل لا يزال يحيط بها الغموض وتختلف فيها التأويلات،
 والشيء الوحيد الذي اتضح لنا هو أن ثمة توجيها أمنيا غامضا ترتب عليه قرار أصدره مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي «بتأجيل» عرض المسلسل دون عرض الأسباب،
 وحين يتم ذلك قبل أيام قليلة من بداية شهر رمضان، وبعد انفاق أكثر من 20 مليون جنيه على حلقاته، فإن التأجيل يعد تعبيرا مهذبا عن الحظر والمصادرة، هذا العام على الأقل.

من المفارقات أننا فهمنا ما حدث في موسكو ولم نفهم شيئا مما حدث في مصر. وهو ما يسوغ لنا ان نستعيد ما جرى هناك، في حين تظل تساؤلاتنا مثارة حول خلفيات ما جرى عندنا.

في التقرير الذي نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية في 20/6 الحالي لمراسلها في موسكو ان الفيلم الذي منع عنوانه «أمر بالنسيان».
وهو تسجيل توثيقي ودرامي هو الأول من نوعه للأحداث التي وقعت في شهر فبراير عام 1944.
وبمقتضاها تم ترحيل مئات الآلاف من المسلمين الشيشانيين بالقسر والقوة خلال أيام قليلة إلى سيبيريا.
وتم ذلك تنفيذا لأمر أصدره الزعيم السوفييتي آنذاك جوزيف ستالين.

وحسب منتج الفيلم رسلان كونانايف فإنهم حرصوا على ان يخرج منصفا للطرفين،
للضحايا الذي روعتهم المأساة
وللجنود الذين اضطروا إلى تنفيذ الأوامر ولم يكن بمقدورهم عصيانها.
وكأنهم أرادوا ان يقولوا انها جريمة نظام ولم تكن جريمة شعب.

لأجل ذلك صور الفيلم مشهد جندي روسي مصدوم وهو يتلقى الأوامر بقتل صبي حديث الولادة، لأن الأوامر كانت واضحة في ضرورة التخلص من الذكور.
أو حينما يسمع القرار بأن تبدأ عملية الترحيل في الخامسة صباحا على ان تنفذ بصرامة لا ترحم من يعترض،
 والمشهد ذاته يتكرر عندما تصدر الأوامر بإشعال النار في معسكر اعتقال أقيم على عجل لجمع الرافضين لتنفيذ القرار... إلخ.

هذه الواقعة الأخيرة بما تضمنته من مشاهد الحرق الجماعي كانت الذريعة الرسمية لحظر الفيلم،
ذلك أن وزارة الثقافة اعتبرت الواقعة تشويها للتاريخ، وادعت ان من شأن ذلك «بث الفتن وإثارة النعرات القومية».
 واستندت في المنع إلى قانون جديد يحظر تقديم «رؤية تاريخية مغايرة للأحداث»، وهو ما يعد تزويرا للتاريخ..
وقد وجهت الوزارة رسالة إلى منتج الفيلم ذكرت فيها أنها «لم تعثر في أرشيف جهاز الأمن الداخلي على وثائق تثبت وقوع عمليات إحراق جماعية في قرية خيباخ الشيشانية»، التي ظهرت في الفيلم.

المنتج كونانايف أبدى استغرابه من مزاعم وزارة الثقافة وقال ان قرارها يعد إهانة لذاكرة الشعوب التي شهدت الكارثة، ومحاولة معاصرة لتزوير ذاكرة الشعوب عبر إنكارها.
وتساءل ماذا نفعل بـ250 ألف شخص كانوا شهودا وتم التنكيل بهم وطردهم قسريا إلى سيبيريا.

وقد سجلت شهادات كثيرين منهم ممن لا يزالون على قيد الحياة.
 أضاف المنتج ان جدته كانت من بين المهجرين وشكلت قصتها الحافز لإخراج الفيلم.

كما ذكر أن الواقعة حقيقية ولا تقبل الجدل من الناحية التاريخية،
وقد أقرت بها لجنة التحقيق الروسية التي تشكلت بعد انهيار الدولة السوفييتية. بحيث لم يعد أحد يجادل في أن الذين رفضوا الترحيل أودعوا معسكر الاعتقال في قرية «خيباخ» وتم إشعال النار فيهم.
 والقرية لا تزال موجودة لكنها لم تعد منطقة مأهولة، وان ظل يقام فيها الحداد كل عام طوال السبعين سنة الماضية منذ رحيل ستالين.

رغم ان من يخالف رأى السلطة في روسيا بات يعد «طابورا خامسا» طبقا للقوانين السارية، إلا أن وضع فيلم «أمر بالنسيان» أفضل كثيرا من مصير مسلسل أهل إسكندرية.
إذ رغم التعسف في إصدار قرار منع الفيلم الروسي إلا أن العملية تمت بدرجة من الشفافية النسبية.
ذلك ان السبب أعلن على الملأ، ثم جرت مناقشته والرد عليه.
فضلا عن أن الفيلم حظر في روسيا ولكنه سوف يعرض في عدة مهرجانات دولية، من بينها مهرجان القاهرة السينمائي(!)

أما حظر مسلسل أهل إسكندرية فهو دون ذلك بكثير، حيث بدا الأمر تصريحا عن ضغوط أمنية ثم حسم بقرار غير مسبب من مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي.
كأنه أراد أن يقول لنا إن المسلسل لن يعرض في مصر أو خارجها للأسباب الأمنية التي تعرفونها،
(الكويت تراجعت عن عرضه إرضاء لخاطر السلطات المصرية).

المحزن ان وزارة الثقافة وأصوات كثيرين ممن يدافعون عن حرية الإبداع والتعبير،
هؤلاء جميعا التزموا الصمت ووقفوا متفرجين،

وأخشى ما أخشاه بعد وقف برنامج باسم يوسف، وغياب بلال فضل وعلاء الأسواني عن الإعلام المكتوب، ان تستمر تلك السياسة وتذهب إلى أبعد،
 بحيث لا يفلت من الرقابة والضغوط الأمنية في نهاية المطاف سوى البرامج الموسيقية دون غيرها!

................

25 يونيو، 2014

أزمة القضاء المصري

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 27 شعبان  1435 –25 يونيو 2014
أزمة القضاء المصري – فهمي هويدي

سمعة القضاء المصري صارت بحاجة إلى إنقاذ.
 ليس فقط لأن عواصم العالم والمنظمات الحقوقية الدولية صارت تشكك في استقلاله ونزاهته،
ولكن أيضا لأن الثقة في القضاء تراجعت إلى حد كبير في داخل مصر ذاتها.

لست أتحدث فقط عن أصداء الإسراف في إصدار أحكام الإعدام ولا عن القسوة المفرطة في أحكام السجن الصادرة بحق الطلاب والمتظاهرين،
ولا عن التسامح المحير والمدهش مع رجال الأمن الذين أدينوا في ارتكاب جرائم بحق المواطنين.
وإنما أتحدث أيضا عن عمليات الكيد والتنكيل بالقضاة الذين رفعوا منذ عقود راية الدفاع عن استقلال القضاء.
 وتلك ملابسات أزعم أنها تشكل أكبر إساءة للقضاء وإهانة له.
 إذ بمقتضاها فإن الإساءة صارت تتم من داخل المرفق ذاته وليس من خارجه.

لا غرابة والأمر كذلك أن يشير الاستطلاع الذي أجراه في شهر مايو الماضي مركز بيو للدراسات (الأمريكي) إلى تراجع ثقة المصريين في القضاء،
 إذ بين الاستطلاع أن 58٪ من المصريين صاروا يعتبرون دوره سلبيا في حين أن 41٪ فقط ارتأوا العكس.

ما عاد مقنعا الرد على أصوات الاستنكار التي صدرت في أنحاء العالم بأنها تمثل تدخلا في الشأن الداخلي لمصر،
وما عاد مقنعا القول إن بيوت الآخرين من زجاج ولديهم من السوءات والمثالب أكثر مما عندنا.

 إذ رغم أن التدخل في الشأن الداخلي مرفوض قطعا من حيث المبدأ. إلا أن قضايا حقوق الإنسان لم تعد شأنا داخليا في زماننا.
 فضلا عن أنها صارت أحد أبواب التدخل الدولي المقبولة سياسيا وقانونيا.
بحيث ما عاد من حق أي نظام أو سلطة أن يدير ظهره لانتقادات حقوق الإنسان التي تنسب إليه محتجا بمقولة «شعبي وأنا حر فيه».

صحيح أن الهوى السياسي كثيرا ما يشوه براءة الفكرة، إلا أن الأصل يظل قائما.
 أما كون الآخرين لديهم مساوئهم أيضا فهو صحيح،
 إلا أن انتقاد مساوئ الآخرين لا ينبغى أن يكون مسوغا للقبول بوقوع الانتهاكات عندنا.
 فنقدهم واجب حقا ونقد ما يجري في ديارنا أوجب.

ثمة حجة تساق أيضا مفادها أن الأحكام محل الانتقاد صدرت ولا معقب لنا على حكم القضاء. وهي حجة توضع في غير موضعها وتساق لإسكات الأصوات وتخويفها.

ذلك أنني أفهم أن الحظر ينصب على التعقيبات والتعليقات التي تصدر أثناء نظر القضية، ضمانا لاستقلال القاضي وتجنبا للتأثير عليه من خلال وسائل الإعلام أو ضغوط الرأي العام.

أما مناقشة الحكم بعد صدوره أو التعقيب عليه بعد أن يصدر القاضي قراره بشأنه. فلا حظر عليه وإنما هو مطلوب من باب ممارسة حرية التعبير وتنوير الرأي العام.

ومن المفارقات أننا في مصر نرفع الشعار ثم نطبق عكسه تماما. بمعنى أن المحاكمات ما عادت تجري في ساحات القضاء فحسب، وإنما صارت تتم في وسائل الإعلام بصورة موازية في نفس الوقت.
 بل إن بعض وسائل الإعلام أصبحت تتطوع وترشح أحكاما بالمؤبد أو الإعدام أو البراءة على بعض المتهمين.

 بل إن بين يدي نماذج لتسريبات أوصلها بعض القضاة للصحف تتعلق بتحقيقات جارية أو تحريات تمت، أريد بها تعبئة الرأي العام وتحريضه إلى جانب تشويه صورة بعض الشخصيات العامة.

 وفي حين يتم ذلك أثناء التحقيق والمحاكمة، فإن الجميع يطالب بالصمت بعد صدور الأحكام بدعوى الالتزام بذريعة عدم التعليق على الأحكام.

في أجواء البلبلة الراهنة ما عاد ممكنا الفصل بين سيل الإعدامات التي استهدفت عناصر وقيادات الإخوان، لأول مرة في تاريخ القضاء المصري، وبين الصراع الحاصل بين سلطة يوليو والجماعة.

كما صار من الصعب الفصل بين الإفراط في إصدار أحكام السجن والغرامات المهولة بحق المتظاهرين السلميين، وبين إصرار السلطة على وقف المظاهرات المستمرة في مصر منذ عشرة أشهر.

كما أصبح من المتعذر الفصل بين تدهور العلاقات بين القاهرة والدوحة وبين أحكام السجن القاسية التي صدرت بحق صحفيي الجزيرة الانجليزية، الذين كانوا يمارسون عملهم العادي شأن أي مهني في مصر.

والسجل حافل بالنماذج الأخرى التي أثارت شكوكا حول تسييس القضاء وتراجع استقلاليته في مصر.

أما الذي يفعله القضاة بالقضاة فذلك فصل محزن وباعث على الأسى. لأننا نجد أن قامات عالية من القضاة الشرفاء تم إيقافهم عن العمل وإحالتهم إلى الصلاحية بتهمة الاشتغال بالسياسة والاتصال بالإخوان.

وقد أقحم مع هؤلاء حوالي 15 شخصا من الرموز القضائية التي نذرت نفسها للدفاع عن استقلال القضاء وعدالته منذ ثلاثين عاما. ووجهت إليهم اتهامات مضحكة بناء على تقارير أمنية ملفقة.

وبعض هؤلاء يجري التنكيل بهم والكيد لهم بواسطة قضاة كان بعضهم متهما في عملية تزوير انتخابات عام 2005.

أدري أن في مصر أكثر من 14 ألف قاضٍ، واثق في أن الإساءات والتجاوزات التي حدثت منسوبة إلى شريحة محدودة من هؤلاء. في حين أن الأغلبية لا تزال تنتسب إلى القضاء الشامخ الذي يحرس العدالة ويشرف مصر والمصريين.
 لذلك فربما كان الأدق والأصوب أن تنصب ملاحظاتنا على قضاة أو شريحة منهم وليس على القضاء في مجمله.
وربما كان عذرنا في ذلك الخلط أن البقع السوداء أكثر ما يلفت الانتباه في الثوب الأبيض.

 أما كيف ومتى تزال تلك البقع؟ فالإجابة ليست عندي ولا عند وزير العدل، ولكنها عند الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدرجة الأولى لأن أصابع السياسة وحسابات المؤسسة الأمنية ليست بعيدة عن المشهد.

..............

24 يونيو، 2014

عن الموت المرحلي للسياسة في مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 26 شعبان  1435 –24 يونيو 2014
عن الموت المرحلي للسياسة في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

من علامات موت السياسة المرحلي في مصر أن ضجيجها صار مقصورا على الفضاء الإعلامي، في حين لا نكاد نرى له صدى على الأرض.

(1)

أتحدث عن سيل التقارير والأخبار التي صرنا نتابعها بصورة يومية على صفحات الصحف والبرامج التلفزيونية، وتدور حول ترتيبات خوض الانتخابات التشريعية التي يفترض أن تتم في 18 يوليو المقبل.

 إذ طبقا لقانون مجلس النواب الجديد فإن 80٪ من مقاعد البرلمان (567 مقعدا) ستكون من نصيب الأفراد والعشرين في المائة الباقية ستخصص للأحزاب.
وهذه النسبة الأخيرة تمثل 120 مقعدا يفترض أن يتنافس عليها نحو 80 حزبا سياسيا.
صحيح أن الأحزاب رافضة لهذه القسمة. ولا تزال تطالب بإعادة النظر في مواد القانون، إلا أن ذلك مجرد احتمال ليس أكيدا.
ولذلك فإنها تتصرف في الوقت الراهن كأن القانون سيظل كما هو بغير تعديل.

بسبب من ذلك فإن وسائل الإعلام ما برحت تتحدث عن صيغ مختلفة للاحتشاد من خلال عقد التحالفات والائتلاف والجبهات بين المجموعات السياسية المختلفة.
وهذه تعاني أكثر من مشكلة حيوية، أهمها أنها غير معروفة لدى الرأي العام، والمعروف منها محصور في نطاق «الشلل» السياسية، التي لا تكاد ترجح كفة أي مرشح في انتخابات عامة.

 من تلك المشكلات أيضا أن قادة تلك الأحزاب يتوزعون على أربع فئات.
الأولى قيادات لا شعبية لها برزت على السطح في ظل نظام مبارك وتعاني الإعاقة السياسية بحكم ظروف تكوينها،
 والثانية قيادات اندفعت إلى ساحة العمل السياسي بعد الثورة بغير خبرة سابقة ولا قاعدة شعبية، وأغلبهم إن لم يكن كلهم لا يزالون في عداد الهواة.
 هناك فئة ثالثة من القيادات التي أحيلت إلى التقاعد من وظائفها التنفيذية ووجدت في الانشغال بالعمل السياسي مجالا لإثبات الحضور واستثمارا إيجابيا للتاريخ الوظيفي.
 الفئة الرابعة تتمثل في أركان النظام السابق وفلوله الذين وجدوا الظروف مواتية لاستعادة دورهم ومواقفهم في الساحة السياسية، بعدما تحققت عودتهم على الصعيد الأمني.

(2)

إن شئنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من الاعتراف بثلاثة أمور،

 أولها أنه لا توجد لدينا أحزاب سياسية حقيقية، ولكننا بإزاء شخصيات مهتمة بالسياسة، بعضها وازنة ومحترمة. وحول كل واحد منهم شلة من الأصدقاء والمريدين،
 وفي أكثر من ندوة وحوار قلت إن الحديث عن تيارات سياسية في مصر قومية أو ليبرالية أو ناصرية أو حتى يسارية فيه الكثير من المبالغة والافتعال.
 صحيح أن لدينا أشخاصا يرفعون تلك اللافتات عن قناعة في الأغلب. ولكن لم ينجح أي منهم في أن يحول العنوان إلى تيار له تأثيره في موازين القوى. لأسباب يتعلق بعضها بطبيعة الأشخاص، والبعض الآخر بطبيعة الظروف المحيطة.

من المفارقات التي تذكر في هذا الصدد أن التفاف ما يسمى بالقوى المدنية حول شخصيات بذاتها برزت في ظروف معينة، هو ذاته ما حدث في محيط السلفيين الذين شكلوا في ظل النظام السابق نحو 16 حزبا، كانت كلها تعبيرا عن شلل التفت حول شيوخ بذواتهم. ولم يكن بينها خلاف فكري جوهري.

الأمر الثاني أن الخلاف بين المجموعات أو التحالفات السياسية ليس حول برامج أو مبادئ فإنما هو بين أشخاص وأنصبة، وإن كنت أستثني من ذلك شلل اليسار.
 وفي حالة القوائم فإن ترتيب الأسماء في كل قائمة محل صراع لا يستهان به، لأن رأس القائمة هو الذي يكتسب العضوية في حالة الفوز. ولذلك فإن كل مجموعة تبحث عن قائمة تحتل فيها موقعا متقدما.

الأمر الثالث أننا لا نكاد نلمح خلافا ذا قيمة في برامج التحالفات والجبهات الجاري تشكيلها،
ولكن التقارير المنشورة تشير إلى أنها تتفق على أمرين أساسيين هما

 مساندة الرئيس عبدالفتاح السيسي وتكوين أغلبية تسانده في البرلمان
(من عناوين الأهرام في 15/6 «جبهة دعم الرئيس تتعهد بتصحيح المسار»
و«تحالف برلماني أم ظهير رئاسي»)

ــ الأمر الثاني هو العمل على قطع الطريق على عودة الإخوان إلى الحياة السياسية من أي باب
 (جريدة الشروق نشرت في 22/6 على لسان أحد ممثلي مجموعة «مصر بلدي» قوله إنهم يسعون إلى تشكيل ائتلاف يستهدف ضمان عودة الإخوان خلال المائة سنة المقبلة).

وحين يلاحظ المرء ذلك التوافق حول المسألتين فإنه لا يستطيع أن يخفي دهشته إزاء غياب الأصوات التي تتحدث عن الرقابة على أداء الحكومة أو الدفاع عن الديمقراطية أو حتى الدفاع عن شعارات ثورة يناير 2011 (العيش والحرية والكرامة الإنسانية).

في الحديث عن التحالفات يستوقفنا نموذج لا يحتاج إلى تعليق تحدثت عنه صحيفة «الأهرام» في عدد 15/6، إذ نشرت تحت عنوان «أول تكتل نسائي» ما يلي:
 أعلنت المستشارة تهاني الجبالي عن تشكيل أول تحالف نسائي ليخوض الانتخابات البرلمانية. ليكون ظهيرا نسائيا للرئيس السيسي داخل البرلمان، وليتنافس على تشكيل الحكومة إذا ما حصل على الأغلبية.

تحالف الجبالى الذي أعلنت عنه أخيرا سوف يضم أيضا مختلف القوى الثورية والشباب ويقود الانتخابات البرلمانية المقبلة.. ولأجل ذلك تم التنسيق مع بعض الجهات السيادية(؟!)
وقد كلفتها تلك الجهات بإعداد أربع قوائم ستقود إحداها حتى الفوز برئاسة البرلمان، كما أنها ستنسق للخوض مع تحالفها للمنافسة على معظم المقاعد الفردية.

(3)

ما سبق يوفر لنا خلفية تمكننا من رصد المعالم الأساسية للبرلمان الجديد. فهو برلمان بلا معارضة
(لا تنس أن أحدهم ذكر أنه لا تجوز معارضة النظام الجديد.
 وليس غائبا أذهاننا ما أصاب أركان النظام وأعوانه الذين تحفظوا على بعض الإجراءات واختلفوا حولها فجرى التشهير بهم واتهموا بأنهم ضمن الطابور الخامس).

ولن يكون ذلك مستغربا بعدما أعلنت أغلب التحالفات عن أنها داخلة لمساندة الرئيس السيسي.
والتأييد لن يكون مقصورا على «الأحزاب» رغم هامشية دورها، ولكنه سوف يتعزز بأصوات شاغلي المقاعد الفردية، الذين ستحملهم إلى المجلس عصبياتهم العائلية والجهوية أو قدراتهم المالية.
علما بأن الأصل أن أغلب هؤلاء مع كل نظام.

وإذا استطاعت شبكات المصالح أن تدفع ببعض رجالها إلى المجلس، فهؤلاء سيظلون محسوبين ضمن أعوان النظام الجديد، رغم ارتباط جذورهم بالنظام القديم، خصوصا أن ساحات التناقض بين النظامين تقلصت كثيرا خلال الأشهر الأخيرة، وموقف مبارك من السيسي معبر عن هذه الحقيقة.

هذا التقدير إذا صح فهو يعني أن تمثيل ثوار 25 يناير في المجلس سيكون متواضعا إلى حد كبير إن لم يغب تماما.
ولن يغير من ذلك كثيرا أن يستخدم رئيس الجمهورية حقه القانوني في سد الثغرة وتعيين بعضهم في المجلس
(مجموع المقاعد 567 والمعينون عددهم 27 فقط).

غياب الدور الفاعل للأحزاب السياسية لن يكون مفاجئا. وربما نسي كثيرون أن الموضوع كان محل بحث ومناقشة عام 2011 في لجنة التعديلات الدستورية التي رأسها المستشار طارق البشري.
وهو صاحب الرأي القائل بأن الدستور (أو القانون) لا ينطلق من فراغ، ولكنه يعظم ما هو قائم، فيفسح أو يضيق ويثقل أو يخفف.

وكان قد أشار في كتابه «مصر بين العصيان والتفكك» إلى أن دستور 1923 أتاح قدرا من التداول في السلطة، لأن المجتمع كان فيه تعدد لقوى سياسية واجتماعية متبلورة في تنظيمات وتكوينات سياسية.
ولم يكن في مقدور أي من تلك القوى أن تنفي الأخريات في الواقع السياسي والاجتماعي.

هذه الفكرة جرى استحضارها حين تعرضت مناقشات لجنة التعديلات الدستورية لموضوع توزيع المقاعد بين الفردية والقوائم.
ورؤى آنذاك أن الخواء السياسي مخيم، وأن خريطة الأحزاب تتنازعها أحزاب مشوهة ومرفوضة خارجة لتوها من نظام مبارك، وأخرى جنينية فاقدة القوام ومجهولة الهوية، وغير معروفة لدى الرأي العام.

وبدا واضحا أن أحزابا بذلك الضعف سوف تتستر عليها القوائم وتخفي هشاشتها. فتقرر تخصيص ثلث المقاعد للقوائم والثلثين للمقاعد الفردية.
واستفاد السلفيون من ذلك حين ترشحوا على الجانبين باعتبارهم موجودين على الأرض. فكانت نسبة نجاحهم بين مرشحي المقاعد الفردية 15٪، ولكن القوائم رفعت نسبتهم، لأنهم حصلوا من خلالها على 29٪.

في الوقت الراهن فإن القوائم خصص لها خمس المقاعد وليس ثلثها كما حدث في برلمان 2012 الذي جرى حلُّه بقرار أصدرته المحكمة الدستورية.
 وكان تضاؤل تلك النسبة تعبيرا آخر عن تهافت الدور الذي تقوم به الأحزاب في الساحة السياسية.

(4)

الصورة لا تبدو مشرقة، لكنها ليست صادمة.
 ذلك أن الخروج من عقود الاستبداد إلى آفاق الحرية والديمقراطية ليس أمرا هينا ولا سهلا.

 وقد ذكرت من قبل في أكثر من موضع أن المستبدين يدمرون الحاضر ويشوهون المستقبل.
إذ باستبدادهم يدمرون ركائز المجتمع ويعملون على إضعافه.
 وحين يحرقون بدائلهم ويفقدون المجتمع عافيته فإنهم يشوهون المستقبل.

من ناحية أخرى فالقضية متجاوزة حدودنا.
وفي الصحافة الغربية حوارات جادة حول أوضاع الديمقراطية وانحسار موجاتها في مناطق عدة من العالم.

ففي مقال أخير كتبه فرانسيس فوكوياما الأستاذ بجامعة ستانفورد وصاحب البحث الشهير عن «نهاية التاريخ»، قال إن تحقيق الديمقراطية يحتاج إلى وقت، لأنه ليست هناك ديمقراطية سريعة.
واستحضر في هذا الصدد مثال ثورات الربيع الأوروبي في عام 1848 (الثورة الفرنسية) مشيراً إلى أن الديمقراطية لم تتماسك في ظلها إلا بعد سبعين سنة.
كما نبه إلى أن العالم يواجه في الوقت الراهن ركودا ديمقراطيا (وول ستريت جورنال ــ 6 يونيو 2014).

وكانت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية ذائعة الصيت قد نشرت في عدد الأول من مارس في العام الحالي ملفا على ست صفحات حاولت فيها الإجابة على السؤال:
ما الذي جرى للديمقراطية في العالم؟

وقد انطلق البحث من فرضية اعتبرت أن الديمقراطية تمر بوقت عصيب في الوقت الحاضر.
من ناحية لأن النظم الديكتاتورية تسقط ولكن المعارضة تفشل في إقامة نظم ديمقراطية صحيحة وثابتة.
من ناحية ثانية فإن الدول الديمقراطية العريقة تعاني القلق ويسودها عدم الثقة. وهو ما كان مستبعدا منذ سنوات قليلة، حين ساد التفاؤل بأن الديمقراطية ستسود العالم.

أشارت الدراسة إلى أن الديمقراطية حققت نجاحات مشهودة في النصف الثاني من القرن العشرين. في ألمانيا والهند وجنوب إفريقيا واليونان وإسبانيا وفي بعض دول أمريكا اللاتينية وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

 وفي سنة 2000 أحصى مركز «فريدم هاوس» 120 دولة بنسبة 63٪ من دول العالم رفعت عليها رايات الديمقراطية. إلا أن التقدم الذي حدث في النصف الثاني من القرن العشرين توقف مع حلول القرن الواحد والعشرين.
وذكرت فريدوم هاوس أن عام 2013 كان العام الثاني الذي تنحسر فيه الديمقراطية.

 الأمر الذي نبه الجميع إلى أن سقوط الاستبداد لا يعني بالضرورة انتصار الديمقراطية.
 واستند باحثو الايكونوميست إلى شواهد عدة خلصوا منها إلى أن الديمقراطية شاخت في الغرب وأصبحت قرينا للمديونية والتعثر الداخلي.
أما في خارجه فالملاحظة أنها ما أن تتقدم حتى أصبحت تفشل وتسقط.

 وهو كلام استحضره لا لكي نتشاءم ولكن لكي نفتح أعيننا جيدا بحيث ندرك أننا في مصر نمر بشوط في رحلة الإقلاع،
 وأن تحقيق أهداف الثورة يحتاج إلى وقت أطول، وما نحن فيه الآن هو البدايات فقط.

......................

Delete this element to display blogger navbar