Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2014

ثلاث فئات قاطعت

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 2 شعبان  1435 –31مايو 2014
ثلاث فئات قاطعت – فهمي هويدي

أيًا كانت الأرقام التي تذاع بخصوص نسبة التصويت في الانتخابات الرئاسية، فالثابت أن الإقبال على التصويت بدأ متواضعا،
وان الأمر احتاج إلى جهد خاص استخدم فيه الترغيب والترهيب لحث الناس على التوجه إلى اللجان للإدلاء بأصواتهم.
 وقد كان ذلك الإحجام مشهودا إلى الحد الذى دفع كثيرين إلى محاولة تفسيره، خصوصا ان الآمال كانت معقودة على نسبة عالية من المشاركة تبعث برسائل التمكين الواثق للراصدين المترقبين في الداخل والخارج.

ورغم ان النتيجة كانت محسومة ومضمونة، إلا أنه كانت هناك مراهنة خاصة على نسبة المشاركة التي كان من العسير التنبؤ بها.

 ولا أعرف كيف استقبلت دوائر صنع القرار أخبار الفتور في الإقبال على التصويت، إلا أنني لا أشك في أنها لم تكن سعيدة بها.
 كما انني لا أعرف كيف تفكر تلك الدوائر في معالجة الموقف، إلا أنني أزعم أن ثمة رسالة لا بد أن يتلقاها أولو الأمر من المشهد، وهي تستحق التدبر والمراجعة.

ما جرى ظل محور تعليق وتحليل خلال الأيام الثلاثة الماضية، إذ تعددت تفسيرات الإحجام.
فمن قائل ان حرارة الطقس كانت سببا،
وان موسم زراعة المحاصيل الصيفية شغل أهل القرى عن التصويت،
وان صيام كثيرين في مناسبة الإسراء والمعراج كان سببا آخر.

 آخرون حملوا الإعلام المسؤولية عن الإحجام؛ لأن أبواقه ما برحت تتحدث عن ان الأمر محسوم لصالح المشير السيسي.
 ومنهم من قال إن المرشحَين لم يكن وراءهما قوى سياسية حقيقية تحملهما، فضلا عن ان أفكارهما كانت متشابهة.

 البعض تحدث أيضا عن أن المنافسة كانت ضعيفة بين المرشحَين الاثنين، في حين انها كانت حامية في الانتخابات الرئاسية التى جرت في عام 2012 واشترك فيها 13 مرشحا.

وتطرق آخرون إلى تخبط القرارات الحكومية بشأن العملية، سواء فيما خص مدة التصويت أم عدد المراكز الانتخابية أم ترتيب أوضاع الوافدين.
واعتبر البعض أن ظهور رموز نظام مبارك في حملة المشير السيسي نفَّر كثيرين وأثار امتعاضهم، في حين تحدث آخرون عن تصدع جبهة 30 يونيو،
ومنهم من أشار إلى الآثار السلبية التي ترتبت على حملات التخوين والقمع التي استهدفت شباب الثورة، والتي أدت إلى محاكمة بعضهم وسجنهم ...الخ.

هذه العوامل ربما أسهمت بدرجة أو أخرى في قلة أعداد المصوتين، لكنني أزعم أن الذين أحجموا عن الذهاب إلى اللجان ليسوا أقل وطنية من غيرهم، لكنهم يتوزعون على ثلاث فئات هي:

*
المتقاعسون الذين اقتنعوا بأنه لا توجد معركة من الأساس.
ورغم الجهود التي بذلت إعلاميا لإيهام الناس أن هناك تنافسا بين المرشحَين إلا أن أقل الناس ذكاء ووعيا كان يدرك جيدا ان نزول حمدين صباحي كان نوعا من «الديكور» الذي أريد به التجميل السياسي، وليس منافسة المشير السيسي.

إزاء ذلك فإن بين العقلاء من وجد أن الذهاب إلى اللجان والوقوف في الطوابير في عز الحر هو نوع من العبث الذي أريد به إحكام إخراج الفيلم.
ناهيك عن أنه حين يقتنع المرء بأن صوته لا قيمة له، وان ذهابه أو غيابه لن يؤثر في النتيجة، فمن الطبيعى أن يؤثر البقاء في بيته أو الجلوس على أي مقهى.
 وكما ذكر أحد المتحدثين فإن المواطن العادي لم يكن مشغولا بمنظرنا أمام العالم الخارجي، ولا يهمه أن يمثل دورا في الفيلم السياسي.

*
الرافضون الذين كانت لديهم أسبابهم السياسية التي اقنعتهم بالمقاطعة؛
أعني بذلك قطاعا عريضا من الذين خرجوا في تظاهرة 30 يونيو والذين ينسبون أنفسهم إلى ثورة 25 يناير،
 وهم الذين احتشدوا في يونيو دفاعا عن الثورة التى خرجوا من أجلها في يناير،
هؤلاء دفعتهم إلى المقاطعة أربعة عوامل؛
 الأول: انهم خرجوا في 30 يونيو مطالبين بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وليس لتسليم السلطة للعسكر، وإقامة نظام جديد هدم كل ما فات.
 الثانى: انهم لاحظوا هجوما وتجريحا شديدين لثورة يناير من جانب بعض أبواق النظام الجديد، وهو ما أثار قلقهم.
الأمر الثالث: ان ظهور رموز نظام مبارك في حملة المشير السيسي وفي المنابر الإعلامية المختلفة إلى جانب عودة دولته الأمنية وسياسات حبيب العادلي وزير داخليته.، ذلك كله أثار مخاوفهم وشجعهم على المقاطعة.
الأمر الرابع: أنهم وجدوا ان الجرائم التي ارتكبت بحق الثوار لم يحاسب عليها أحد، خصوصا جرائم قتل المتظاهرين التي يرى فيها ضباط الشرطة ممن اتهموا في أكثر من 40 قضية، ولم يحاسب منهم سوى واحد أو اثنين.

*
الفئة الثالثة ضمت ضحايا الأحداث والصدامات التي تلاحقت بعد 3 يوليو، سواء من الإخوان والمتحالفين أم المتعاطفين معهم،
وهؤلاء عددهم نحو خمسة ملايين شخص.
وهم الذين أعطوا أصواتهم للدكتور محمد مرسي في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة عام 2012.

ويدخل ضمن هؤلاء أهالي ضحايا المذابح التي وقعت وأهالي آلاف المعتقلين الذين تعج بهم السجون في الوقت الراهن،
علما بأن بينهم أعدادا لا علاقة لها بالعنف ولا بالإخوان أو التيار الإسلامي، وإنما تم اعتقالهم في أثناء حملات القبض العشوائي التى استهدفت تظاهرات طلاب الجامعات والذين تحدوا قانون منع التظاهر.

في هذه الحالة فإن أهاليهم الذين استشعروا المظلومية يجدون أنفسهم في صف إلى مخاصمة النظام ومقاطعته.

ان إحدى مهام المرحلة المقبلة تتمثل في كيفية استدعاء هؤلاء والتصالح معهم، سواء الذين فقدوا حماسهم أم فقدوا ثقتهم أم تعددت جراحهم، ليس استرضاء لهم فحسب، ولكن أيضا لكي نستعيد الوئام الذي فقدناه والاستقرار الذي ننشده.

....................

29 مايو، 2014

أقيم العرس وتمنع المدعوون

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 30 رجب  1435 –29مايو 2014
أقيم العرس وتمنع المدعوون – فهمي هويدي

ما حدث في التصويت على الانتخابات الرئاسية يبعث برسالة ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد.
ذلك ان ما جرى لم يكن «عُرسا» كما تصور البعض أو تمنوا.
وإنما كان اختبارا سياسيا لا يبدو أن النجاح فيه تم بالتفوق المرتجى، الأمر الذي يدعونا إلى إعادة النظر في العديد من التصورات والأساطير التي جرى الترويج لها خلال الأشهر الأخيرة.
حيث أزعم أن ما جرى يعد خطوة مهمة على طريق ملامسة الواقع وإدراك حقائقه التي بينتها الحسابات المغلوطة من جانب والضجيج والمكايدة من جانب آخر.

أمس (الأربعاء 28/5) كانت عناوين صحف الصباح كالتالي:
 الصنادق تبحث عن ناخبين
 ــ جهود مكثفة لحشد الناخبين في اللحظات الأخيرة (الشروق)
 ــ الدولة تبحث عن صوت
ــ أرقام انتخابات الرئاسة شوكة في ظهر السيسي (المصرى اليوم)
 ــ أزمة في انتخابات الرئاسة (الأخبار).

صحيح أن جريدة «الأهرام» تحدثت عن «إقبال كثيف على اللجان الانتخابية وسط أجواء احتفالية»، إلا أن ذلك كان عنوانا سياسيا أريد به ستر العورة وليس له علاقة بمهمة تنوير القارئ وإطلاعه على ما جرى.

ما سبق لم يكن التعبير الوحيد عن الأزمة، لأن التفاصيل أعطت صورة أوضح، حملت في طياتها أجراس التنبيه وربما الإنذار أيضا،
ذلك أن بوادر الأزمة لاحت بسرعة في اليوم الأول للتصويت (الاثنين 26/5) حين خرجت علينا صحف الصباح بعناوين مشبعة بالحماس والتفاؤل، ومتحدثة عن إبهار العالم من خلال الاكتساح المنتظر والمستقبل المشرق الذي يلوح في الأفق.
 إلا أن برامج الحوارات المسائية قلبت الصورة رأسا على عقب، ذلك انها عبرت عن الصدمة والقلق من قلة عدد المصوتين،
 وتصايح مقدمو البرامج متسائلين:
 أين الرجال وأين الشباب وأين جماهير 30 يونيو؟
وسمعت واحدة قالت ان ذلك العزوف من شأنه ليس فقط تبديد آثار 30 يونيو، ولكنه قد يفضى إلى ضياع مصر كلها!

سواء كان ذلك الاستنفار تم مصادفة، أم أنه استجابة لتوجيه أحد عناصر حملة المشير السيسي كما ذكرت صحيفة «المصري اليوم» وقالت ان لديها تسجيلا صوتيا تضمن ذلك التوجيه،
فالشاهد أن اليوم الثاني للتصويت (الثلاثاء) شهد تعبئة قوية لصالح الدعوة إلى المشاركة في التصويت.
 إذ اعتبر عطلة رسمية. في دوائر الحكومة والبنوك والبورصة،
 ودعا القطاع الخاص إلى التوقف عن العمل لتمكين العاملين من الذهاب إلى لجان التصويت.
وقرأنا أن قوات الجيش اعتقلت صاحب محل خراطة اسمه عمر هاني أنور في قرية قصر الباسل بالفيوم لأنه رفض إغلاق ورشته القريبة من مقر إحدى اللجان،
 كما انها حثت أصحاب المحلات التجارية إلى إغلاقها لذات الغرض.

وسمعت إحدى المذيعات وهي تقول ان تعطيل الإنتاج لنصف يوم أمر يمكن احتماله لانقاذ الوطن
 (إعلامي آخر وصف المقاطعة بأنها «خيانة»).

وفي حين طافت السيارات بأنحاء بعض المدن لحث الناس من خلال مكبرات الصوت للتوجه إلى اللجان،
وأصدرت بعض الشركات بيانات للعاملين دعتهم فيها إلى التصويت،
وقال بعضها ان موظفي الأمن سيتأكدون من ذلك صبيحة اليوم التالي من خلال التثبت من وجود اللون على أحد أصابعه.. وسيحرم من الحوافز من يقصر في ذلك.
 ولتيسير وصول الناخبين إلى لجانهم فإن بعض المحافظين وفروا سيارات مجانية لأجل ذلك.
بل ان وزارة النقل أعلنت أنه بوسع أي مواطن في أي منطقة أن يستخدم القطارات وسيارات الركوب بالمجان لكي يصل إلى لجنته،
كما انه سيتم التسامح مع كل من ركب قطارا دون أن يحصل على التذكرة التي تخول له ذلك، طالما انه ذاهب إلى محل إقامته لأجل التصويت.
 وإلى جانب الترغيب، جرى التهديد بإحالة كل من تقاعس إلى النائب العام لتغريمه مبلغ 500 جنيه.

المهم ان كل جهة في الدولة قامت بأقصى ما تستطيع لإيصال الناس إلى لجان التصويت.
 ولم تقصر إذاعة القرآن الكريم التي استدعت علماء للحديث عن أضرار السلبية والآثار والمفاسد التي تترتب عليها في الدنيا والعقاب الذي ينال السلبيين في الآخرة.
 وهو ما سبقهم إليه شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف،

الخلاصة أن اليوم الثاني شهد منذ طلوع الشمس حملة واسعة لتدارك ما جرى في اليوم الأول.
ولك أن تتصور في هذه الأجواء المحمومة حجم تعليقات الظرفاء من المصريين الذين ظل الموضوع محل تندُّر وسخرية من جانبهم طوال اليوم.
 حتى ان أحدهم اقترح عرض فيلم «حلاوة روح» الممنوع في لجان الانتخابات باعتبار ذلك أضمن وسيلة لجذب الناخبين!

ـوعلق البعض على عربات حزب النور التي طافت ببعض البلدات داعية الناس إلى المشاركة.
قائلين ان العربات كانت لصالح حملة السيسي حقا، لكن السائقين التزموا بالمقاطعة، لأننا رأينا العربات في الصور ولم نر وجودا للسلفيين في أعداد المصوتين.

وحين قيل إن التصويت سوف يستمر ليوم ثالث أبدى كثيرون دهشتهم قائلين إن المد عادة ما يكون لاستيعاب أعداد المقبلين على التصويت إلا أن هذه المرة الأولى التي يتم فيها المد أملا في زيادة تلك الأعداد.

كيف تفسر المفاجأة غير المتوقعة؟
ــ أجيب عن السؤال يوم السبت بإذن الله.

........................

28 مايو، 2014

أهل دين أم هواة سياسة؟

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 29 رجب  1435 –28مايو 2014
أهل دين أم هواة سياسة؟ - فهمي هويدي

هل الذين قاطعوا الانتخابات آثمون ومرتدون حقا؟
وهل الذي لم يصوت للسيسي آثم أيضا وعاصٍ لنداء الرب؟

مثل هذه الأسئلة أصبحت واردة بعد انتهاء التصويت على الانتخابات الرئاسية، حيث غدا طرحها واجبا بعدما انخرط رجال الدين في حملة التعبئة والحشد، سواء لحث المصريين على المشاركة في التصويت، أو لدفعهم إلى التصويت لصالح المشير عبدالفتاح السيسي.

وإذا كنت قد لاحظت أنني ركزت على الأسئلة المتعلقة بالحساب في الآخرة، فذلك لأنني اعتبرت أن اللعنات والسباب التي لاحقت هؤلاء فحقرتهم وحطت من أقدارهم صارت على كل لسان، فضلا عن أنه مقدور عليها.

 إذ بات مألوفا أن يوصف الواحد منهم بأنه خائن وعميل وملعون الوالدين.
وهذه أخف الأوصاف التي يملك الإعلاميون التليفزيونيون وأمثالهم ذخيرة منها لا تنفد.

لكن ذلك كله في كفة وتنافس رجال الدين معهم في كفة أخرى.
فالإعلاميون والضيوف الذين يتخيرونهم كي يؤدوا دور«الكورس» الذين يرددون مفردات الهجاء والسباب،

هؤلاء يمثلون أنفسهم في نهاية المطاف أو يمثلون شبكات المصالح التي قرأنا على لسان أحدهم أنها دفعت 12 مليون جنيه في حملة الدعاية للسيسي.

أما رجال الدين الذين شاركوا في حملة الترهيب فانهم لا يمثلون أنفسهم، ولكنهم يمثلون مؤسسات مقدَّرة تنسب نفسها إلى الرسالات السماوية، ويفترض أنهم يتمتعون بدرجة من الورع تجعلهم يخشون الله، الأمر الذي يحصنهم ضد مداهنة السلطان أو التزلف له.

خلال الأسابيع الأخيرة شاهدنا عروضا كثيرة من جانب هؤلاء، الذين وظفوا الأديان في اللعبة السياسية، فابتذلوها ولم يحرسوها، وتطوعوا للانضمام إلى جوقة المهللين، فتحولوا إلى مصفقين لا مبشرين. واصطفوا إلى جانب حملة المباخر معرضين عن دور حملة الرسالات.
وهو ما انتقدته في السابق، ولا أمل من انتقاده في كل مناسبة.

لقد تابعنا جدلا عقيما بين من أفتى بحرمة المشاركة في التصويت على الانتخابات وبين من هبوا يدافعون عن المشاركة في العملية محذرين من غضب الله الذي ينزل بعبادة «المارقين» الذين قاطعوا والعصاة الذين لم يصوتوا للمشير السيسي، وهو ما لابد أن يجد بعض المتدينين الذين قد يكتشفون أنهم صاروا آثمين، سواء شاركوا وآثمين إذا لم يشاركوا.

لا يغيب عن البال في هذا الصدد أن توظيف الدين في المعركة السياسية ما كان له أن يأخذ ذلك المنحى إلا بعدما شجعته السلطة بصورة أو أخرى، وانفتحت أمامه المنابر الإعلامية التي تصورت أنها باستدعاء أهل الأديان تسهم في الحشد والنصرة، وبذلك تكتسب مباركة السلطة ورضاها.

وفي زماننا يكثر ترزية الفتاوى الذين هم أشد مراسا من ترزية القوانين، لأن أدوات الأولين التي تستند إلى المرجعية الدينية أكثر مضاء وأبعد أثرا.

لا أريد أن أخوض في جدل الدين والسياسة، لأن التجربة أثبتت أن الفصل بين الاثنين يكون مطلوبا فقط في حالة السياسة المعارضة، أما تلك الموافقة فهي مرحب بها ومطلوبة،

من هذا الباب تابعنا خلال الأيام الأخيرة سيل الفتاوى التي كان أغلبها داعيا إلى الإقبال على التصويت، وحذرت المقاطعين من غضب الله.
وبعضها أعلن انحيازه إلى المشير السيسي «حبيب الله» بعدما أضاءت وجهه آثار السجود التي رصعت جبهة، في حين ان حمدين صباحي لم ينل تلك المرتبة.

الذين أفتوا بحرمة التصويت قالوا إنه تأييد لمنكر تمثل في الانقلاب على الحاكم الشرعي،
 والذين قالوا بضرورة التصويت استدعوا الحديث النبوي الذي اعتبر من مات وليس في عنقه بيعه بأنه مات ميتة جاهلية،
كما أنهم استدعوا النص القرآني الذي يحذر المؤمنين من كتمان الشهادة.

ورغم أنني لست من أهل الفقة فإن معلوماتي المتواضعة تسمح لي برفض الرأيين لأننا بصدد اجتهاد سياسي لا يخضع بالضرورة لمعايير الحل والحرمة التي تتطلب نصا أو قياسا، ولكنه محكوم بزاوية النظر للحديث.
فمن اقتنع بأن المصلحة في المقاطعة فله أجره ومن وجد أن المصلحة في المشاركة فله أيضا أجره.
وهذا أمر لا علاقة له بالبيعة،
كما أن الامتناع عن التصويت شهادة سلبية والإقدام على التصويت قبولا أو رفضا من قبيل الشهادة الايجابية.

لست متأكدا من أن حث الأقباط على التصويت للسيسي استجابة لدعوة يسوع صادرة عن الكنيسة، لكن الثابت أن الدعوة أطلقت عامة دون إشارة إلى مصدرها،
وقد قرأت تعليقا لأحد المغردين الذين تلقوا الرسالة على هاتفه المحمول، تساءل فيه:
كيف عرف يسوع رقم هاتفي؟

أدري أن الأنبا تواضروس بطريرك الأقباط كان ضمن الذين شاركوا في مشهد الإعلان عن عزل الدكتور محمد مرسي، وكان شيخ الأزهر من بين الحضور وكذلك رئيس مجلس القضاء الأعلى،
 وكان ذلك إعلانا عن مساندتهم للتغيير السياسي الذي تم.
 إلا أنني أزعم أنهم لو احتفظوا بمسافة إزاء الحدث ونأوا بقاماتهم عن أن توظف في الصراع، لكان ذلك أحفظ لمكانتهم وأوفى في التعبير عن استقلالهم.

ليس عندي حل لمشكلة الذين اتهمتهم الفتاوى بالجاهلية والعصيان أو بخيانة الأمانة وكتمان الشهادة. لأن السؤال الأهم الذي تطرحه الممارسات التي أتحدث عنها هو:
هل المواقف التي عبر عنها رجال الدين هؤلاء تخدم الدين أم تخدم السلطة،
وهل ابتغوا فيما فعلوه وجه الله أم رضى السلطان؟،
وهل كانوا في ذلك أهل دين أم لاعبين في حلبة السياسة؟

.................

27 مايو، 2014

السؤال الكبير المطروح على رئاسة مصر الجديدة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 26 رجب  1435 –27مايو 2014
السؤال الكبير المطروح على رئاسة مصر الجديدة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لا أعرف رئيسا تولى السلطة في مصر وواجه تحديات ومخاطر كتلك التي تنتظر المشير عبدالفتاح السيسي في منصبه الجديد.

(1)

قدَر هذا المقال إنه كتب قبل إعلان نتائج الفرز في الانتخابات الرئاسية.
 وما كان لي أن أكتبه إلا لاطمئناني إلى أن زمن المعجزات الإلهية قد انتهى. وهو العامل الوحيد الذي يمكن المراهنة عليه لكي تتغير النتيجة التي لم تكن سرا.

وربما كان الشخص الوحيد من بين التسعين مليون مصري الذي راوده الشك في النتيجة وظل ينتظر المعجزة هو السيد حمدين صباحي المرشح المؤيد للسيسي والمنافس له.

وأقول «ربما» من باب إحسان الظن بالرجل والدعاية المجانية له، تحسبا للانتخابات الرئاسية القادمة أو التي بعدها.

لأن المشير السيسي ليس له سجل في العمل السياسي العلني على الأقل، فثمة أسئلة كبيرة تنتظره، سأكتفي منها بسؤال محوري واحد أطرحه في الختام.

ورغم أنه حاول أن يقدم بعض الإجابات خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن أغلبها كان معدا سلفا وخضع للمراجعة والتشذيب،
ثم إن «الجمهور» الذي التقاه خضع للانتقاء، ناهيك عن أننا نعرف جيدا أن كلام الحملات الانتخابية ليس آخر كلام.
وهو الحاصل في الدنيا كلها حتى في البلاد التي بها مؤسسات مستعدة لمناطحة الرئيس ومغالبته، فما بالك بنا حيث لا توجد مؤسسات تحاسب أو تراقب،
 فضلا عن أن الرئيس عندنا إذا لم يكن فرعونا بالسليقة، فإن فريق «الفرعنة» جاهز للقيام باللازم طول الوقت.

(2)

قبل أن نلقي على الرئيس الجديد السؤال الأهم المتعلق بوجهته، فربما كان مفيدا أن نحدد أولا على أي أرض يقف؟

أتحدث عن تشخيص الوضع المصري الراهن وإثبات حالته فيما يمكن أن نسيمه محضر استلام السلطة،

وإذا جاز لي أن أشخص الوضع في كلمات معدودة، فقد أقول إنه على الصعيد الداخلي مأزوم سياسيا واقتصاديا.
والأزمة على كل جانب أشد منهما على الجانب الآخر،
وأذهب إلى أنها ربما كانت إحدى المرات النادرة في التاريخ المصري التي تلازمت فيها الأزمتان في وقت واحد بنفس درجة الحدَّة والحرج.

الأزمة السياسية (لاحظ أننا نتكلم عن الداخل وأن الحديث عن الخارج مؤجل) لها مظاهر عدة تتمثل فيما يلي:
ضمور الأحزاب السياسية وعقمها، الأمر الذي جعلها عاجزة عن تقديم مرشح لانتخابات الرئاسة
ــ غياب مؤسسات الدولة المستقلة التي يمكن أن تكون شريكة في القرار أو مراقبة له، أو على الأقل محصنة ضد ضغوط الهوى السياسي
ــ تغول السلطة المركزية وإهدار فكرة الفصل بين السلطات
 ــ هيمنة المؤسسة الأمنية وإطلاق يدها إما بالقانون وإما بالتعامل معها باعتبارها فوق القانون
 ــ تفريغ الديمقراطية من مضمونها الوظيفي، والإبقاء على هياكلها من قبيل التجمُّل والحفاظ على الشكل (مجلس حقوق الإنسان نموذج لذلك)
 ــ تكبيل منظمات المجتمع المدني وتهميش دورها من خلال قانون منع التظاهر
 ــ الاستقطاب الحاد في المجتمع وانقسامه على نحو غير مسبوق في تاريخه.

هذه العناوين يمكن أن يضيف إليها الخبراء أمورا أخرى لا ريب.
وهذا القدر الذي ذكرته ــ إذا صح ــ فإنه يصيب المجتمع بالهشاشة وبضعف المناعة، الأمر الذي لا تكون انعكاساتها الخطيرة مقصورة على الداخل فحسب، ولكنها بالضرورة على وزن مصر ودورها ومصالحها في الخارج أيضا.

لست بحاجة إلى التفصيل في الأزمة الاقتصادية التي صار الحديث عنها مادة يومية في تصريحات المسؤولين،
كما أنها ظلت تمثل محورا مهما ومركزيا في أحاديث المشير السيسي وما يتسرب من معلومات حول برنامجه.
وقد ظهرت شواهد الأزمة في المجال العام، بحيث أصبح بوسع أي مواطن عادي أن يلحظ آثارها الضاغطة والمدمرة، إن لم يكن في الغلاء الذي توحش ففي البطالة وكساد سوق العمل الذي ضرب أغلب الأسر.

وأي زائر للأقصر أو شرم الشيخ يستطيع أن يلمس حدة الأمة، حين يرى الفنادق والأسواق التي أغلقت.
والبواخر السياحية التي تحولت إلى خرائب مهجورة.

وقد وجدت تشخيصا وافيا للأزمة في الدراسة الأخيرة التي أعدها الدكتور إبراهيم العيسوي الخبير البارز بمعهد التخطيط وتحدث فيها عن الاختلالات المزمنة في الاقتصاد المصري.
وقد رصد فيها مظاهر تفاقم تلك الاختلالات بعد ثورة يناير 2011،
وارتفاع مؤشرات ذلك التفاقم في أعقاب التغيير الذي حدث في يوليو 2013، الذي أضاف إلى الأزمة بعدا آخر تمثل في الخلل الذي تمثلت أصداؤه في تراجع معدلات الادخار والاستثمار
ومن ثم ضعف النمو الاقتصادي وتوالي العجز المزمن في الموازنة العامة وميزان المدفوعات وتضخم الدين العام الداخلي والخارجي بشكل غير مسبوق.

أهمية وخطورة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة ــ والكلام للدكتور العيسوي ــ أنها أدت إلى زيادة الاعتماد على الخارج.
 خصوصا في واردات الغذاء أو واردات المواد البترولية أو فيما يخص تمويل الاستثمارات.

فبعدما كان الميزان التجاري للبترول (أي الصادرات والواردات البترولية) يحقق فائضا بمبلغ 5.1 مليار دولار في 9/2010 انخفض ذلك الفائض إلى 2.9 مليار دولار في 10/2011،
ثم انقلب إلى عجز في حدود نصف مليار دولار في كل من 11/2012 و12/2013، بما يعني تحول مصر إلى مستورد صاف للمنتجات البترولية.

وقد استمر العجز في ميزان البترول في الربع الأول من 13/2014، وذلك بالرغم مما تلقته مصر من معونات مالية وبترولية من الدول الخليجية الثلاث السعودية والإمارات والكويت.

وكما أصبح معروفا فإن نقص الإمدادات من البترول والغاز أدى إلى أزمات في التزود بوقود السيارات وفي توفير السولار والمازوت للمصانع ومحطات توليد الكهرباء.
وترتب على تلك الأزمات اضطراب حركة النقل وارتفاع كلفته، كما نتج عنها تكرر انقطاع الكهرباء الذي أسفر عن آثار سلبية على الأداء في مجال الإنتاج والخدمات وعلى نوعية حياة المصريين بصفة عامة.

وكانت نتيجة تلك الأوضاع المضطربة أن التصنيف الائتماني لمصر جرى تخفيضه أكثر من 16 مرة إذ إنها أصبحت تدرج ضمن الدول عالية المخاطر المعرضة للتعثر أو العجز عن الوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية في مواعيدها.

(3)

كل الشواهد تدل على أن الأزمة الاقتصادية ستكون العنصر الحاكم للرئاسة المقبلة في مصر،
 ذلك ليس استنتاجا منطقيا فحسب، ولكنه واضح أيضا في كلام المشير السيسي وفيما تسرب من مقاطع لبرنامجه،

 نلاحظ ذلك مثلا فيما نشرته بوابة «الشروق» في 20/5 عن البرنامج أن الكلام فيه عن الحرية والديمقراطية إنشائيا وفضفاضا،
 في حين كان الجزء المتعلق بالاقتصاد أكثر وضوحا بصورة نسبية،

فالحرية في البرنامج هي «بيت القصيد، وهي الحد الفاصل بين حياة الإنسان وحياة غيره من الكائنات. وهي الهدف الثاني لثورتنا المجيدة.. فلا كرامة بغير حرية ولا حرية بلا كرامة...إلخ»

ــ وفي البرنامج إنه يعني بالديمقراطية أيما عناية. إذ إن مجلس الوزراء والوزارة المعنية بشؤون التشريع (اللذين أقرا قانوني التظاهر والإرهاب الذي لم يصدر) فقد تناولا أمورا أكثر تحديدا مثل ضرورة إعادة النظر في الدعم والحد الأدنى للأجور والكروت الذكية...إلخ.

إننا نلمح في البرنامج وفي تصريحات المشير ورئيس الوزراء أمرين أساسيين،
أولهما ما ذكرته توا من تقديم الاقتصاد على السياسة.
وثانيهما الالتزام بسياسات اقتصاد السوق الحرة المفتوحة أو ما يسمى بالليبرالية الاقتصادية الجديدة.

وإذا دققنا في ذلك المسار فسوف تبرز لدينا ملاحظتان مهمتان،
 الأولى أنه يعد امتدادا للسياسة التي طبقت في ظل نظام مبارك.
والثانية أنها تتوافق إلى حد كبير مع سياسات الدول الخليجية الداعمة للوضع المستجد في مصر.

وكل من الملاحظتين له دلالته التي سيكون صداها واضحا في المرحلة الرئاسية القادمة.
 فالأولى ترجح الاستنتاج الذي يرى في القرائن المتوافرة (خصوصا بصمات الدولة الأمنية) عودة متدرجة لنظام مبارك.
وهو لم يعد سرا في ظل الحضور المتنامي لعناصر ذلك النظام في مجالي الأعمال والإعلام، فضلا عن بروز ذلك الحضور في حملة تأييد المشير السيسي.

أصدِّق ما قاله المشير السيسي عن أنه ليس مدينا بأي «فواتير» لأحد، لكنني أزعم بأن ذلك يمكن أن ينصرف إلى الداخل فقط.
 ذلك أن الدعم المالي الكبير الذي تقدمه الدول الخليجية الثلاث للنظام المستجد والذي ذكر الفريق السيسي أنه وصل إلى 20 مليار دولار في نحو عشرة أشهر، يعبر عن مشاعر طيبة لا ريب، لكنه يثير سؤالا كبيرا حول الاستحقاق المترتب عليه وعن المردود السياسي له.

يدعوني إلى طرح السؤال عوامل عدة منها ما يلي:

*
إن الدول حتى إذا كانت شقيقة لا تقدم مساعدات منتظمة بذلك الحجم لوجه الله، ولكنها تفعل ذلك تدعيما ومساندة لسياسات معينة. ولا لوم عليها في ذلك بطبيعة الحال.
الدليل على ذلك أن الدول الخليجية التي اندفعت لمساعدة النظام الجديد هي ذاتها التي حجبت العون عن النظام السابق.

*
إن الدول الخليجية التي توفرت لها فوائض مالية عالية خلال السنوات الأخيرة، تطلعت إلى القيام بدور في المحيط العربي، خصوصا في ظل انكفاء مصر وتدمير العراق والقتال الدائر بين النظام السوري وشعبه. وهو ما أحدث فراغا شجع تلك الدول على التمدد ومحاولة التأثير على مجريات الأمور في أنحاء متفرقة بالعالم العربي وثمة قرائن عدة دالة على ذلك.

*
إن تلك الدول وهي تحاول القيام بدور خارج حدودها تستهدف أيضا تأمين أوضاعها الداخلية.
إذ منذ هبت رياح الربيع العربي فإنها حرصت على استرضاء شعوبها وأغدقت عليهم ماليا، في حين شددت وأغلقت الأبواب أمام أي حديث عن الإصلاح السياسي.
وفي الوقت ذاته فإنها وظفت إمكاناتها لإجهاض أصداء الربيع خارجها للحد من تأثيرها في داخل حدودها.

(4)

أتحدث عن هاجس لا أستطيع أن أكتمه.
 ذلك أن جيلي عاش المرحلة التي كان لمصر فيها تأثيرها في إرجاء الخليج، ثم وجدنا أن ذلك التأثير تراجع بصورة تدريجية.

وفي الوقت الراهن فإن التساؤل صار مشروعا عما يمكن أن يحدثه الخليج من تأثير على المسار العام في مصر.
وإذا أردت أن أكون أكثر صراحة فلعلي أتساءل عن حدود السقف السياسي الذي يمكن أن تتحرك في حدوده مصر المقبلة، في ظل اعتمادها المتزايد على الدعم المالي الخليجي، خصوصا أن مصادر الدعم الأخرى غير مضمونة إذا ما استمر التوتر الأمني لفترة أطول.

وإذ أكرر بأنني أتحدث عن هواجس وليس عن معلومات فإنني قد أتساءل أيضا هل يمكن لمصر في ظل ذلك الوضع مثلا أن تسمح بالتظاهر السلمي أو بحرية التعبير وحيوية الحياة السياسية وأن نفتح الأبواب لحق الناس في المشاركة والمساءلة، في حين أن ذلك كله مصادر وغير مسموح به في دول الخليج الحليفة المساندة لها؟

ـ هذا سؤال بريء والله، يحترم دول الخليج وخيارات أهلها، لكنه يعبر عن قلق مواطن يحلم لبلده بوضع آخر، ويتمنى له أن يستعيد عافيته وقَوَامه بحيث يسير على رجليه مرفوع الرأس، لا أن يستمر حيا لكنه ممدد في غرفة للإنعاش معتمدا على المحاليل والمعونات.

................

Delete this element to display blogger navbar