Subscribe:

Ads 468x60px

03 ديسمبر، 2014

في وداع رضوى عاشور

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 11 صفر 1436 – 3 ديسمبر 2014
في وداع رضوى عاشور - فهمي هويدي

برحيل الدكتورة رضوى عاشور تنطفئ شمعة في حياتنا وتتحول الشخصية إلى نموذج ملهم.

في ذلك الصباح الحزين الذين ذاع فيه خبر وفاتها اتصل بي هاتفيا أحد الأصدقاء ممن لا تربطهم صلة بها ولم يأت ذكر اسمها على لسانه طوال ثلاثين عاما على الأقل لكي يعزِّيني في وفاتها.

ووجدته يرجوني أن أصحبه معى لأداء واجب العزاء لأسرتها في السرادق المقام لذلك الغرض.

فوجئت بالاتصال ليس فقط لأن صاحبي كان أبعد ما يكون عنها، ولكن أيضا لأنني لم أكن على صلة وثيقة بها.

مع ذلك فقد انتابنا نحن الاثنين الشعور بالحزن لوفاتها.
وحين طالعت التعليقات التي وردت على تويتر بعد ذلك لاحظت أن شبانا أعرفهم وآخرين لا أعرفهم يتبادلون العزاء في وفاتها ويعبـِّرون عن شعورهم بالحزن لغيابها.

 استوقفني أيضا أن ما من صديق اتصل بي هاتفيا خلال اليومين التاليين إلا وبدأ حديثه بالترحم على الدكتورة رضوى وترديد عبارات العزاء في وفاتها.

فاجأتني الظاهرة. إذ اكتشفت أننا صرنا نعزي بعضنا بعضا وأننا جميعا ــ دون أن نشعر ــ صرنا جزءا من أسرتها الكبيرة بغير اتصال ولا نسب.

 أدركت حينذاك أننا نحن المصابين ولسنا المعزِّين، وأن غيابها أحدث فراغا في وجدان كل واحد فينا.
وهو ما جعلني استحضر العبارة التي يستخدمها المتصوفة في وصف مقامات العارفين، إذ يقولون عن الواحد منهم إنه «إذا غاب حضر».
بمعنى أنه مادام موجودا فإنه بتواضعه وأدائه يصبح جزءا من حياة الناس ألفوه واعتادوا عليه، لكنهم لا يدركون قيمته وعمق تأثيره في حياتهم إلا حين يغيب عنهم. فيستشعرون فداحة خسارتهم جراء ذلك الغياب.

لم تكن الدكتورة رضوى عاشور من نجوم المجتمع. فلا هي من زبائن البرامج التليفزيونية، ولا هي من كتاب الصحف اليومية،

وقد فشلت محاولاتى لإقناعها بالكتابة الأسبوعية أو الشهرية. وكانت تحتج دائما بأن لديها شواغل أخرى،
 لكن الشيء الوحيد الذي انتظمت فيه وحرصت عليه كان دورها كأستاذة تربي وتعلم الأجيال الجديدة من الشبان والفتيات إلى جانب أعمالها البحثية وكتاباتها الإبداعية.

وظل جل همها أن تقوم بدور المثقف المناضل صاحب الرسالة الذي يعيش في قلب المجتمع، وليس النجم الذي يطل على الناس عبر شاشات التليفزيون ولا يظهر إلا في الحفلات ومواكب الأضواء محاطا بالحراس والمعجبين.

لذلك لا يكاد يرى المرء لها صورة في المهرجانات الصاخبة أو في صفحات المجتمع المخملي.
لكنها لم تكن تـُرى إلا وسط طلابها أو في مسيرات الأساتذة الذين انخرطوا في حركة 9 مارس المدافعة عن استقلال الجامعات أو في المظاهرات الاحتجاجية التي تطوف بالشوارع والميادين أو في اجتماعات الدفاع عن الثقافة العربية ومقاومة الصهيونية...الخ.

في كل مشهد إيجابي أو موقف وطني ونضالي كانت رضوى عاشور هناك. وهي بذلك ضربت نموذجا للمثقف حين يتحول إلى ضمير حي بحيث تظل بوصلته منضبطة طول الوقت على الاتجاه الصحيح، فيوظف معارفه ومواهبه وطاقاته الإبداعية لكي يخدم قضيته،

وهو ما لاحظته في مسيرتها العلمية، حيث كانت أطروحتها للدكتوراه التي أعدتها في سبعينيات القرن الماضي بالولايات المتحدة حول الأدب الأفريقي الأمريكي،
 ثم شقت طريقها بعد ذلك مواصلة كتاباتها عن فلسطين والأندلس وهموم العرب والمصريين وصولا إلى مظاهرات ثورة 25 يناير.

حين قـُدمت بحسبانها روائية فإن ذلك سلط الضوء على جانب واحد من جوانب إبداعها، أعني أن ذلك كان صحيحا لكنه لم يكن كافيا، لأن عطاءها تجاوز تلك الحدود إلى آفاق أخرى أرحب وأوسع،
 ناهيك عن أن الروائيين كُثر وأساتذة الجامعات أكثر منهم. لكن ليس كل روائي أو أكاديمي صاحب موقف أو قضية.

 بل ان تجربتنا في مصر كشفت الستار عن نماذج من هؤلاء وهؤلاء صاروا خصما على الثقافة وليس إثراء لها، كما أصبحوا عبئا على المجتمع وليسوا إضافة إليه.

قبل أن تصبح رضوى عاشور روائية كبيرة كانت مثقفة شريفة ونبيلة، حملت قضيتها طول الوقت ولم تتخل عنها أو تساوم عليها رغم ما تعرضت له هي وأسرتها من ضغوط وابتلاءات.
وظل اهتمامها الإنساني والعروبي والوطني هو مجالها الحيوي الذي نذرت نفسها للانحياز إليه والذود عنه.

في لحظات التيه وحلقات المزايدة وأمام بريق الغواية التي استسلم لها كثيرون، ظلت رضوى عاشور مستعلية وشامخة وثابتة القدم، تحتضن من حولها وتوزع عليهم ابتسامتها العذبة وتغمرهم بمعين محبتها الذي لا ينضب،
وكأي ضمير حي يمشى على قدمين فإنها ظلت مهجوسة بقضايا الوطن والأمة، مثلما ظلت تضرب المثل في الشجاعة والإقدام والانحياز لكل ما هو شريف ونبيل في حياتنا، ولأجل ذلك فإنها رفضت الاستقطاب والانخراط في المعارك الصغيرة،
 وبقيت طول الوقت متفائلة بالمستقبل ووفية للحلم الذي تآمر الجميع عليه وعملوا على إجهاضه.

ما يحزنني ليس فقط أن الموت غيبَّها، ولكن أيضا أن مقعدها في كتيبة الوطنيين النبلاء سيظل خاليا إلى أجل غير معلوم، فضلا عن أن كتيبة النخبة ذاتها باتت معرضة للانقراض.
 ليتني عرفتها أكثر.

....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar