Subscribe:

Ads 468x60px

13 ديسمبر، 2014

لا وجه للمقارنة

صحيفة الشرق القطريه السبت 21 صفر 1436 13 ديسمبر 2014
لا وجه للمقارنة – فهمي هويدي

لدي شك في براءة الاهتمام الملحوظ من جانب الصحف المصرية بمتابعة أخبار المظاهرات الحاصلة في الولايات المتحدة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة،
 خصوصا اشتباكات الشرطة معها التي لم تتوقف طيلة تلك الفترة.

ذلك إنني أظن ــ وبعض الظن إثم ــ أن ثمة هدفا سياسيا وراء ذلك يراد به إسقاط ما يجري هناك على ما يحدث في مصر،
والإيحاء بأن ما نشهده في مصر له نظيره في الديمقراطيات الغربية بما في ذلك اشتباك الشرطة مع المتظاهرين واعتقال بعضهم.

وإذ أتمنى أن تكذب الأيام ذلك الظن الذي ذهبت إليه، إلا أنه لم يغب عن بالي منذ وجه المتحدث باسم الداخلية المصرية بهذه المناسبة موعظته الشهيرة في أغسطس الماضي للسلطات الأمريكية.

ذلك أنه انتهز فرصة المظاهرات التي انطلقت في ولاية ميسوري إثر قتل الشرطة لأحد الأمريكيين السود فدعا السلطات الأمريكية إلى «اللجوء إلى الحوار والاحتكام لمعايير حقوق الإنسان الدولية، وعدم استخدام القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين السلميين والعزل».

 لم تكن النصيحة لوجه الله بطبيعة الحال، ولكن المتحدث باسم الداخلية أراد أن يكسب نقطة في مواجهة الأمريكيين، وأن يلقنهم درسا في أصول التعامل الرشيد مع المظاهرات، الذي افترض أن مصر مدركة له وملتزمة به وتوحي الآخرين باحتذائه.

لن أخوض في أصداء النصيحة سواء عند الأمريكيين أو في أوساط الحقوقيين المصريين والأجانب، الذين يعرفون عن الموضوع أكثر مما نعرف.

ذلك أن ما يهمني هو أن توضع المظاهرات الحاصلة في الولايات المتحدة في إطارها الصحيح، سواء في دوافعها وموضوعها، أو في موقف الشرطة وكذلك الإدارة الأمريكية والمجتمع منها.

فالمظاهرات لم يكن لها طابعها السياسي، ولكنها كانت تعبيرا في الاحتجاج على عنصرية الشرطة وتحيز القضاء.

ذلك أن قطاعات من الأمريكيين استفزها عدم توجيه الاتهام للضابط الأبيض الذي قتل الشاب الأسود مايكل براون (18 سنة) في بلدة فيرجسون بولاية ميسوري،
 كما أنهم استشاطوا غضبا حين تسبب نظير له من البيض في قتل رجل أسود اسمه اريك جارنر (46 سنة).
وهو ما أثار غضب أعداد كبيرة من الأمريكيين السود ومعهم آخرون من البيض فخرجوا إلى الشوارع معلنين إدانتهم لذلك المسلك العنصري ونقمتهم على الشرطة التي تسببت في القتل وعلى المحلفين الذين امتنعوا عن محاسبة القتلة بحجة عدم كفاية الأدلة.

وخلال تظاهراتهم في المرتين الأولى والثانية، فإنهم خرجوا في عدد كبير من المدن حيث افترشوا الميادين وحطموا واجهات بعض المحال التجارية ومنهم من قام بنهبها،
كما أنهم أحرقوا سيارات الشرطة وقطعوا بعض الطرق والجسور.

ورغم كل ذلك فلم يوصفوا بأنهم مخربون أو إرهابيون، ولم تطلق الشرطة رصاصة واحدة على جموعهم.

وفي محاولتها تفريق المتظاهرين ووقف اعتداءاتهم فإنها استخدمت لأجل ذلك قنابل الدخان وخراطيم المياه ورذاذ الفلفل الحار.

وكان أقصى ما فعلته الشرطة أنها أطلقت رصاصات في الهواء للتخويف والترهيب. وألقت القبض على بعض الذين اشتركوا في نهب المحال العامة.

بالتوازي مع ذلك فإن رموزا مهمة من المثقفين والفنانين ونجوم الرياضة أعلنوا تأييدهم للمتظاهرين واستهجانهم للمسلك العنصري الذي كشفت عنه القضيتان.

بل إن الرئيس باراك أوباما وقف إلى جانب المتظاهرين ودعاهم إلى الاحتفاظ بسلمية تظاهراتهم.

 وقال صراحة في حديث تلفزيوني إن العنصرية ضد الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية متأصلة بشدة في المجتمع الأمريكي،

كما انتقد وزير العدل في الحكومة استخدام الشرطة للقوة المفرطة،
ودعا إلى ضرورة «تطبيق قواعد جديدة صارمة وأساليب وقائية متينة لوضع حد لعنف الشرطة».

وتنافس السياسيون في انتقاد ما جرى. وكان من بينهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة التي يرجح أن تخوض الانتخابات الرئاسية عام 2016،
 إذ دعت إلى إصلاح نظام العقوبات ووسائل الشرطة منددة بـ«تعرض السود أكثر من البيض للاعتقال والتفتيش من قبل الشرطة، ثم اتهامهم وإدانتهم بأحكام سجن أطول».

ونشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالة في 26/11 كتبها جيسي جاكسون المرشح السابق للرئاسة وأحد أبرز مناضلي الحقوق المدنية في أمريكا قرر فيها أن الحكومة الفيدرالية فشلت في مد الجسور بين البيض والسود،

وذكر أنه في الولايات المتحدة فإن احتمال موت الشاب الأسود يفوق 21 مرة احتمال موت الشاب الأبيض،
وأن معدل اعتقال السود هو عشر مرات أكثر من معدل البيض رغم أن معدل الجريمة في وسط السود ليس عشرة أضعاف نظيره لدى البيض.

الشاهد أنه لا وجه للمقارنة بين المظاهرات في الولايات المتحدة وتلك التي تخرج عندنا، فالقضية عندهم اجتماعية وعرقية بالدرجة الأولى،
في حين أنها عندنا سياسية بامتياز، وسلوك الشرطة عندهم ــ رغم عنصريتها ــ يختلف جذريا عما هو حاصل في بلادنا،

وموقف السياسيين بمن فيهم رأس السلطة ومؤسسات المجتمع المدني أنضج بمراحل منه عندنا على الأقل من حيث إنه ليس أسير الاستقطاب المقترن بدعوات الإقصاء والكراهية.

ثم إن هناك قانونا يخضع له الجميع، ومؤسسات تحاسب وقوى سياسية تراقب،
وعالم آخر لا علاقة له بالعالم الذي نعايشه،

ومع ذلك ندس أنوفنا في شؤونهم وكأننا أنداد لهم وأن «الحال من بعضه»،

 في حين أن ذلك تطفُّل لا لزوم له، فضلا عن أنه لا يقنع أحدا منهم أو منا.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar