Subscribe:

Ads 468x60px

08 نوفمبر، 2014

تقدم مشين لا نريده

صحيفة السبيل الاردنيه السبت 15 المحرم 1436 – 8 نوفمبر 2014
تقدم مشين لا نريده - فهمي هويدي

هذا إرهاب آخر مسكوت عليه في مصر.
ففي الأسبوع الماضي وحده قتل الإهمال نحو 30 شابا وفتاة في محافظتي البحيرة وسوهاج إضافة إلى 25 تعرضوا لإصابات مختلفة.
وهو رقم يقترب إن لم يتطابق مع ضحايا الهجوم الإرهابي على كمين الجيش في شمال سيناء الذين وصل عددهم إلى 30 جنديا وضابطا غير عدد مماثل من الجرحى.

صحيح أن الأول كان قتلا على سبيل الخطأ،
في حين ان الثاني كان القتل فيه متعمدا، إلا أننا نفهم في القانون ان الخطأ حين يكون جسيما فإنه يرقى إلى مستوى العمد.

 وقد شاءت الأقدار ان تحترق أجسام تلاميذ البحيرة وان تزهق أرواح طالبات جامعة سوهاج في وقت متزامن مع اليوم العالمي لحوادث الطرق (3 نوفمبر) الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن مصر باتت تحتل المرتبة الأولى في وفيات حوادث الطرق، متقدمة في ذلك على 178 دولة أخرى في الكرة الأرضية،

ولست واثقا من أن كلمة «تقدم» تناسب هذا المقام أم لا، لكنه في كل أحواله يظل من قبيل التقدم المشين الذي لا يتمناه أحد لبلده.

مما ذكرته منظمة الصحة العالمية في هذا الصدد أن ضحايا حوادث الطرق السنوية في مصر يقدر عددهم بـ13 ألف قتيل و40 ألف مصاب، وان تلك الحوادث تكلف البلد 17 مليار جنيه.

صحف الخميس 6/11 التي نعت إلينا خبر كارثة طلاب البحيرة، قدمت إلينا الحادث مقتضبا، وإن فهمنا أن حافلة استقلها الطلاب في الطريق إلى مدرستهم، لكنها اصطدمت بسيارة محملة بالبنزين فاحترقت واحترقت معها جثث 17 طالبا في حين أصيب آخرون بإصابات مختلفة، وبعضهم في حالة خطرة.
إلا أن الصحف فصلت في إجراءات وقرارات السلطة سواء من جانب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء.
وهي التي تراوحت بين السعي لدراسة مشكلة حوادث الطرق ورعاية المصابين وتعويض أسر القتلى.

كارثة حافلة البحيرة وقعت أثناء فترة الحداد المحلي التي أعلنها مدير جامعة سوهاج، بعد مصرع 11 من طالبات الجامعة جراء حادث تعرضت له الحافلة التي أقلتهم مما أدى إلى انقلابها ومقتل ذلك العدد من الطالبات إضافة إلى إصابة 18 منهن.

ولأن سوهاج في عمق الصعيد، فإن أصداء الكارثة ظلت في إطار الإقليم، حيث لم تتجاوز إعلان الحداد بالمحافظة لمدة 4 أيام وصرف التعويضات المالية للأهالي.

 بالتالي فإنها لم تحدث الصدى الذي لمسناه بعد حادث البحيرة، إلا أن ما يلفت الانتباه أن كارثة سوهاج وقعت يوم 2 نوفمبر، وأن فاجعة طلاب البحيرة حدثت يوم 5 نوفمبر.

المفارقة تذكرنا بأصداء حادث قرية المندرة (منفلوط ــ محافظة أسيوط) الذي وقع في نفس الشهر (17 نوفمبر) قبل سنتين،
 حين كان تلاميذ إحدى المدارس داخل حافلة في طريقهم إلى مدرستهم،
 وأثناء محاولتها عبور «مزلقان» السكة الحديد صدمها قطار الصعيد الأمر الذي أدى إلى قتل 52 طفلا وإصابة 18 آخرين.

وهي الكارثة التي احتلت عناوين الصحف وعولجت في حينها بالتحقيقات والتعويضات، ثم نسي الأمر بعد ذلك وانضم إلى بقية ملفات الصعيد المنسية.

القضية قديمة متجددة، سواء بالنسبة لحوادث الطرق أو لحظ الصعيد وأهله منها (لا ينسي حادث حريق قطار الصعيد الذي وقع في عام 2002 وأدى إلى مصرع نحو 400 شخص).

وحين يتكرر وقوعها عاما بعد عام فذلك يعني ان أسبابها الكامنة لم تعالج، وان كل ما اتخذ من إجراءات في هذا الصدد لم يصل إلى جذور المشكلة، لأن النتيجة ظلت واحدة لم تتغير.

صحيح أن القرارات التي صدرت عقب كارثة البحيرة الأخيرة يفترض أن تؤدي إلى القضاء على المشكلة من جذورها، لكننا ينبغي أن نتروى في تأكيد ذلك، لأن العبرة بالتنفيذ بعد تجاوز مرحلة الانفعال الذي أحدثته الصدمة.

وإلى أن يحدث ذلك فبوسعنا أن نسجل عن ملاحظات منها ما يلي:

<
أن اهتمام السلطة في مصر بالتحديات التي تواجه النظام يتجاوز بكثير اهتمامها بالأخطار التي تهدد المجتمع.
وذلك واضح في الحملة الراهنة ضد الإرهاب إذا قورنت بموقف السلطة إزاء صور أخرى للإرهاب سواء تمثلت في حوادث الطرق أو تلوث المياه أو انتشار فيروس سي أو غير ذلك.

ولعل ذهاب الرئيس الأسبق حسني مبارك مع زوجته لمشاهدة مباراة كرة القدم بين فريقي مصر والسنغال عام 2006 عقب غرق عبارة السلام الذي أدى إلى غرق وقتل أكثر من 1200 مصري شاهدا يؤيد ما أدعيه.

<
أن تعدد كوارث الطرق ينبهنا إلى أن ثمة مشاكل كبيرة في مصر تتصل بصلب حياة الناس ومعايشهم فضلا عن صلتها الوثيقة بالأمن القومي، ينبغي أن تعطى الأولوية في برنامج العمل الوطني.
وهذه المشاكل تتعلق بالتعليم والصحة والإسكان على الأقل.

 ومن الملاحظ أن ثمة حرصا أكبر في الوقت الراهن على تقديم طائفة أخرى من المشروعات القومية والعملاقة ذات الرنين القوي في وسائل الإعلام،
وهي مما لا يشك أحد في أهميته وربما ضرورته.
 ولكننا في مرحلة ينبغي أن يقدم فيها العاجل على الضروري والأهم على المهم.

<
أننا لم نعرف بعد فضيلة المسؤولية الأدبية والسياسية.
لذلك لم نلمس حزما في محاسبة المسؤولين الكبار على الحوادث التي تقع في نطاق اختصاصهم.

 يثير الانتباه في هذا الصدد انه حين غرقت العبارة «تشيونان» في كوريا الجنوبية في شهر أبريل من العام الحالي (2014) الأمر الذي أدى إلى غرق 187 شخصا، فإن رئيس الوزراء شونج كونج قدم استقالته من منصبه على الفور.

 ولكننا لم نعرف ان مسؤولا مصريا كبيرا قدم استقالته رغم تعدد الحوادث المفجعة التي أزهقت فيها أرواح مئات بل آلاف البشر

(استثني من ذلك حالة الدكتور إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق الذي تمت التضحية به وأقيل من منصبه بعد حادث احتراق قطار الصعيد عام 2002 الذي وقع في أثناء عطلة العيد).

إن أرواح المصريين ودماءهم تستحق غيرة أكبر من جانب السلطة، حتى إذا كانوا من خارج القوات المسلحة والشرطة.

...............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar