Subscribe:

Ads 468x60px

18 نوفمبر، 2014

ما بين إرهاب وترهيب

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 26 المحرم 1436 – 19 نوفمبر 2014
ما بين إرهاب وترهيب - فهمي هويدي

ليس مفهوما أن تطلق في الفضاء المصري دعوات الحوار في الوقت الذي تصوب فيه السهام المسمومة نحو كل صاحب رأى مخالف.

 ذلك أنني أفهم أن الحوار إذا كان جادا فهو يتم بين أصحاب الآراء المختلفة ونجاحه مرهون باستعداد كل طرف لأن يفسح صدره وعقله للآخر. أما الحاصل الآن فهو يوحي بغير ذلك.

ذلك أن هناك جهدا حثيثا من جانب ميليشيات المتربصين الذين نصبوا أنفسهم أعوانا للنظام وحراسا له يستهدف قمع كل رأى آخر وتشويه صاحبه وتكفيره سياسيا، بمعني إخراجه من الملة الوطنية.

أقول ذلك بمناسبة حملة القمع التي يتعرض لها هذه الأيام أناس لم يحسبوا يوما ما على الإخوان، وإنما كانوا من بين معارضيهم الذين خرجوا في 30 يونيو 2013 مع الغاضبين الرافضين لنظام الدكتور محمد مرسى، لكنهم اختلفوا في تقييم ما يجرى وأبدوا بعض التحفظات على ما آلت إليه الأمور في مصر.
 إلا أنهم ما إن تفوهوا بذلك حتى استهدفتهم وعاجلتهم سهام المتربصين من التكفيريين الجدد.

أتحدث عن الحملة الشرسة التي يتعرض لها الفنان خالد أبو النجا التي دعت البعض إلى تجريح شخصه والمطالبة بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى،
وعن الحملة المماثلة التي استهدفت الأستاذ بلال فضل ـ الكاتب والساخر المرموق ـ التي دعت إلى سحب الجنسية المصرية منه،
والأول عبر عن تقييم آخر للوضع القائم في حين أن الثاني له كتاباته الناقدة للنظام التي تنشر خارج مصر بعد انتقاله المؤقت إلى نيويورك.
 بطبيعة الحال فالاثنان ليسا أول المستهدفين ولا آخرهم، لأن القائمة طويلة وتضاف إليها كل حين أسماء جديدة.

وقبل أن أسترسل أنبه إلى أنني لا أؤيد بالضرورة كل ما صدر عن الاثنين أو غيرهما من مواقف وأفكار. لكنني أدافع عن حق الجميع في التعبير عن آرائهم المخالفة، ما دامت لا تشكل مخالفة للقانون ولا تدعو إلى عنف أو كراهية أو تأييد للإرهاب.

أدرى أن ذلك الاستهداف ليس جديدا، ولكنه ظهر إلى الأفق في الأشهر الأولى التي أعقبت عزل الدكتور مرسى في الثالث من شهر يوليو عام 2013.

ولعلنا جميعا نذكر أن الأمر كان محدودا في البداية. فالمستهدفون خارج دائرة الإخوان كان عددهم قليلا كما أن أعداد المتربصين كانت متواضعة، فضلا عن أن أساليب الاستهداف اتسمت بالحذر والاستحياء.

ذلك أن المخالفين في تلك المرحلة المبكرة وصفوا حينا بأنهم من أصحاب الأيدى المرتعشة، وجرى الغمز فيهم باتهامهم بأنهم ضمن الطابور الخامس،

وقدم أحد أساتذة القانون بلاغا للنائب العام اتهم فيه الدكتور محمد البرادعى بخيانة الأمانة.
وطال الغمز الدكتور زياد بهاء الدين الذي كان نائبا لرئيس الوزراء.
لكن المتربصين أخذوا راحتهم بصورة أكبر مع الدكتور باسم يوسف وبرنامجه التليفزيوني الشهير.

اختلف الأمر بعد أكثر من عام؛ ذلك أن الممارسات التي جرت على أرض الواقع التي عولج أغلبها بالحلول الأمنية حينا وبالأحكام الجائرة في أحيان كثيرة. دفعت كثيرين إلى مراجعة مواقفهم.
 كما أنها شجعت آخرين على الجهر بانتقاد النظام. وهو ما لمسناه في بعض دوائر المثقفين وبصورة أكبر في محيط شباب ثورة 25 يناير.
الأولون تكفلت بهم ميليشيات المتربصين.
والآخرون ووجهوا بقانون التظاهر الذي قاد بعضهم إلى المحاكم والسجون.

اتساع دائرة النقد في أوساط المثقفين الموالين الذي كان من علامات استعادة الوعى والإفاقة كان يمكن أن يستثمر لتصويب المسيرة وإثراء المجال العام ثم تعزيز عافية النظام، إلا أن ذلك لم يحدث للأسف الشديد.
وما حدث كان العكس تماما، لأن أداءهم ووجه بتوسيع دائرة الاشتباك معهم وتنويع أسلحة المواجهة التي تجاوزت حدود التشويه إلى التصفية والاغتيال المعنوى.

 فما عدنا نسمع غمزا في الطابور الخامس أو خيانة الأمانة.
ولكننا فوجئنا بالتسجيلات التي سربت من خزائن المؤسسة الأمنية لتحقيق التصفية المعنوية،

كما صرنا نقرأ عن اتهامات بإسقاط الدولة والخيانة العظمى والتحريض على النظام وإهانة الجيش والشرطة.. الخ.

الملاحظ أننا بعد مضى 17 شهرا حيث يفترض أن تكون الأمور أصبحت أكثر استقرارا والنفوس أكثر هدوءا، فوجئنا بارتفاع مؤشرات الحساسية والاستنفار، وانتشار ميليشيات المتربصين الذين وجدوا في المناخ المخيم فرصة للغلو والمزايدة وظرفا مواتيا للتنافس على التقرب للنظام والادعاء بحمايته.

إننا إذا تذكرنا أن هذه الحملات استهدفت الموالين، أو الذين كانوا كذلك يوما ما، فإن ذلك يصور لنا حظوظ المعارضين وما ينتظرهم.

 في الوقت ذاته فإننا لا نستطيع أن نتجاهل أن تلك الحملات بمثابة ألغام تعترض طريق الحوار المرتجى، فضلا عن أنها تشكك في صدقيته،
 صحيح أنها تتم من خلال وسائل الإعلام التي لا تنسب بالضرورة إلى السلطة.
لكننا نعلم جيدا أنها ما كان لها أن تستمر ما لم تجد قبولا وتشجيعا من جانب السلطة، أو من بعض أجنحتها النافذة على الأقل.

لقد صرنا محصورين بين شرَّين، شر الإرهاب وشر الترهيب، الأمر الذي يستدعى سيلا من الأسئلة القلقة حول المستقبل.

..................

Delete this element to display blogger navbar