Subscribe:

Ads 468x60px

27 أكتوبر، 2014

أوان التحقيق وليس التحريض

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 3 المحرم 1436 – 27 أكتوبر 2014
أوان التحقيق وليس التحريض - فهمي هويدي

منذ وقعت جريمة قتل ثلاثين جنديا وضابطا في سيناء، ونحن نسمع أصوات المحرضين والمزايدين بأكثر من أصوات الباحثين والمحققين.
 فالأولون لديهم إجابات جاهزة في الموضوع (وفي كل موضوع آخر)،
 في حين أن الاخيرين يسألون أكثر مما يجيبون ويتأنون في إصدار الأحكام والتقييمات، حتى تتوافر لديهم المعلومات الصحيحة والمقنعة.

ولا مفر من الاعتراف بأن حظوظ الأولين أكبر في زماننا.
 ذلك انهم رهن الإشارة في كل مناسبة، وحاضرون في مختلف منابر الإعلام وبرامجه في أي وقت،
خصوصا ان بعضهم لا يكاد يذكر أو ترى له صور إلا في الملمات.
كأنما صاروا فريقا متعدد الاختصاصات جاهزا للقيام بالواجب عند اللزوم.

الأمر الذي يذكرنا بمكاتب توريد المجموعات المعروفة في المحيط الفني.
وهي التي لديها طواقم جاهزة توفر الحشود المطلوبة لأي مشهد، سواء كان حربا أو عرسا أو جنازة حتى استعراضا عسكريا.

قرأت ان نشاط تلك المكاتب تطور في ألمانيا، بحيث ظهر منها جيل جديد مستعد لتنظيم المظاهرات لصالح أو ضد أي قضية عامة من الاجهاض والشذوذ الجنسي إلى الاتفاق النووي مع إيران والدفاع عن الأكراد.
وفي هذه الحالة فإن المكتب المختص يتعاقد على الموضوع، فيحشد المتظاهرين ويجهز اللافتات والهتافات والهتيفة، لعدد معين من الساعات مقابل أجر معلوم.

ما ان وقعت الواقعة يوم الجمعة الماضي. حتى انتشرت المجموعات في مختلف المنابر الإعلامية، وشرع أفرادها في ممارسة التعبئة والتحريض وتوزيع الاتهامات،
 الأمر الذي دفعني إلى تسجيل ثلاث ملاحظات هي:

<
ترددت في تحليلات وتعليقات المتحدثين فكرة مبسطة خلاصتها ان الإرهابيين بالجريمة التي ارتكبوها وبالممارسات الأخرى التي لجأوا إليها انما أرادوا «إسقاط الدولة المصرية».

 وهو مصطلح يثير عندي رد فعل سريع يدفعني إلى القول ان الذين يطلقون هذا الكلام يخطئون مرتين،

فهم من ناحية لا يعرفون حجم قوة ورسوخ الدولة المصرية التي تمتد جذورها في عمق البيئة والمجتمع منذ أكثر من خمسة آلاف سنة،
الأمر الذي يوفر لها قدرا هائلا من الثبات يجعلها عصية على الإسقاط الذي يتوهمه أو يروج له هؤلاء.

من ناحية ثانية فإنهم يختزلون الدولة في الحكومة وأحيانا في شخص الرئيس (مصر مبارك مثلا)
 وذلك اختزال مخل لأن الدولة كل والحكومة جزء، والأولى تتكون من الشعب والأرض والمؤسسات في حين ان الحكومة هى إحدى تلك المؤسسات.

وأرجح أن الترويج لفكرة استهداف اسقاط الدولة يمثل مبالغة متعددة للتهويل من شأن الخطر، وتجنب تصنيف الإرهاب باعتباره وسيلة شريرة للصراع ضد الحكومة.

<
كان واضحا في خطاب المتحدثين إلحاحهم على الضيق بالديمقراطية والحث على التشدد والقمع بأكثر من دعوتهم إلى محاولة تفهم ملابسات الحدث الذي تكرر أكثر من مرة.
 ان شئت فقل ان التعليقات توسلت بالعضلات وليس بالعقل.

فمن المتحدثين من دعا إلى إزالة مساكن السيناويين عند الشريط الحدودي باعتبارهم حاضنين للإرهاب
ومنهم من دعا إلى إعلان حالة الطوارئ والتوسع في المحاكمات العسكرية مع عدم التدقيق في مسألة حقوق الإنسان.
ومنهم من طالب بتأجيل الانتخابات إلى ما بعد القضاء على الإرهاب،
ومنهم من تشدد في الابقاء على قانون منع التظاهر وعدم الاستجابة لضغوط سحبه أو تعديله،

وفي هذا السياق حبذ البعض فكرة «الشرطة المجتمعية» التي بمقتضاها يتحول نصف المواطنين إلى شرطة والنصف الآخر إلى مخبرين.

وفي حين تبنى الخطاب لغة التشدد والقمع فإن أحدا لم يطرح السؤال:
لماذا تكررت حوادث قتل الجنود في سيناء وكيف نضمن عدم تكرارها؟

<
الملاحظة الثالثة وثيقة الصلة بالثانية، وخلاصتها ان التحليلات صوبت النظر إلى الخارج بأكثر مما صوبته إلى الداخل.
بمعنى انها انشغلت بما يدبره الآخرون أو يتمنونه، ولم تنشغل سواء بالتحقيق فيما جرى أو بما كان يتعين علينا ان نفعله للحيلولة دون وقوع ما جرى،

وهو نهج في التفكير ليس جديدا لأن استسهال الإحالة إلى اتهام الخارج (الذي نعرف انه ليس بريئا دائما) أمر درجنا عليه، في غيبة ثقافة نقد الذات فضلا عن تراجع قيمة المساءلة في المجال العام.

حين وقعت تفجيرات لندن في عام 2005 التي هزت المجتمع البريطاني وراح ضحيتها أكثر من خمسين شخصا، فإن أجهزة السلطة لم توجه أصابع الاتهام إلى أي أحد خلال الأسبوع الأول من الجريمة، ولم تطلق اي تصريحات بخصوص المتهمين إلا بعدما استجوبت بعض المشتبهين الذين تم اعتقالهم، ثم حددت سبعة أشخاص وجهت إليهم الاتهام.
وهؤلاء قدموا إلى محاكمة علنية استمرت نحو سنتين، وأسفرت عن إدانة أربعة حكم عليهم بالسجن المؤبد في حين تمت تبرئة الثلاثة الآخرين،
الشاهد ان الأمر عولج بغير تشنج أو ترهيب أو قمع لعموم المسلمين ذوي الأصول الباكستانية الذين يعيشون في بريطانيا.

إنني اتفهم جيدا حساسية الموقف وخصوصية وضع اطرافه، لكنني أزعم أننا إذا لم نستوعب دروس الحدث فسوف ترتكب جريمة أخرى.
وستكون الأخيرة أفدح لأنها ستتم في صمت بعيدا عن علم أو رقابة الرأي العام، بما قد يفتح الباب لتكرار ما جرى مرة أخرى.

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar