Subscribe:

Ads 468x60px

25 أكتوبر، 2014

من الاتباع إلى الابتداع

صحيفة الشرق القطريه السبت 1 المحرم 1436 25 أكتوبر 2014
من الاتباع إلى الابتداع – فهمي هويدي

لا أعرف مدى جدية أو جدوى بعض المشروعات التي تبرزها وسائل الإعلام المصرية هذه الأيام.
أحدثها حكاية التاكسي الطائر وفكرة القطار المعلق الذي يربط العاصمة بمحيطها.

إذ رغم أنها قد لا تخلو من فائدة، إلا أنني لا أخفي شعوراً بالاستياء والحيرة ينتابني حين أطالع تلك الأخبار.

 الاستياء لأنني أرى فيها ترفاً يخدم الذين لا مشاكل لديهم في الانتقال على الأقل.
والحيرة لأنني لا أرى فيها إبداعاً من أي نوع، ولا تنمية من أي باب.
وإنما هي من قبيل استنساخ أفكار الآخرين الذين حلوا مشاكلهم الأساسية وتفرغوا لتحسين حياتهم والاستمتاع بها،

وذلك حقهم لا ريب، لكني أراه في ظروف بلادنا نوعا من التزيد يعبر عن خلل في الأولويات وعن الاستخدام غير الرشيد للإمكانات.

يضاعف من الحيرة أنني ما عدت أعرف كيف نفكر في حل مشكلة التنمية في مصر، ناهيك عن أن أحداً لا يعرف من يفكر في الموضوع.
صحيح أن هناك رغبة شديدة في الإنجاز، وأن ذلك تجلى في الإعلان عن عدد من المشروعات القومية الكبيرة التي لها رنينها الجذاب،
 لكن هذه المشروعات إذا كانت قد عبرت عن قدر لا بأس به من الحماس وحسن النية، إلا أن الرؤية الإستراتيجية ليست واضحة فيها، ناهيك عن الابتكار والإبداع.

بوجه أخص فإن المرء لا يكاد يجد في تلك المشروعات استثمارا لا للبيئة المصرية ولا الإمكانات المحلية،
 وإنما هي في أحسن فروضها فيها من الاستنساخ والتقليد، بأكثر مما فيها من الابتكار والتجديد.

لديّ نموذجان أدلل بهما على ما أقول ألخصهما فيما يلي:

* خلال العام الأخير نشر الخبير الزراعي الدكتور محمود عمارة نحو 30 مقالة دعا فيها إلى مراجعة المشروعات القومية التي يعلن عنها تباعا.

وظل طوال الوقت يحذر ويرن الأجراس منبها إلى أهمية التصنيع الزراعي في بلد قامت حضارته على الفلاحة في أول ثورة زراعية بالعالم.
لكن المسؤولين عنه عجزوا عن استثمار تلك الميزة،
 كما لم يحددوا بالضبط ماذا يريدون من الزراعة.

وفيما فهمت من مقالاته التي تنشرها جريدة الوطن فإنه يلح طول الوقت على ترشيد استثمار الأراضي الزراعية الموجودة، للحصول على أكبر عائد منها عن طريق زراعة وتصدير التقاوي والنباتات العطرية والأعشاب الطبية وغيرها. بدلا من المغامرة بإنفاق الملايين أو المليارات في استصلاح أراضٍ جديدة لا توفر للبلد العائد الذي يتمناه، ولا تغير كثيرا من اعتماده في توفير 60٪ من احتياجاته الغذائية على الاستيراد من الخارج.

< على صعيد آخر وجدت أن بعض الباحثين المعنيين بالبيئة في كلية الهندسة بجامعة عين شمس شغلوا أنفسهم بدراسة الاستخدام الصناعي للمواد المتجددة، التي تتمثل في البواقي الزراعية التي يتم التخلص منها (مثل قش الأرز وحطب القطن) أو التي توظف بشكل محدود للغاية مثل جريد النخل.

 وقد تم تطوير ذلك الجهد بإنشاء مركز تنمية الصناعات الصغير بالكلية في عام 1990.
واتسع نطاق عمل المركز بعدما صار ذلك محور عمل الجمعية المصرية لتنمية المجتمعات المحلية ابتداء من عام 2003 وحتى الآن.
وخلال تلك الفترة حققت الجمعية إنجازات كبيرة في هدوء وصمت، تم الاعتراف بها محليا ودوليا.

الأبحاث والتجارب التي أجراها أولئك العلماء أثبتت أن تلك البواقي الزراعية إذ تم استثمارها فإنها تفتح آفاقا هائلة للتنمية والتصنيع وتشغيل الأيدي العاملة.
علما بأن بواقي قش الأرز وحطب القطن وغيرهما، تمثل 76 مليون طن في مصر، و138 مليونا في الدول العربية.

كما أن نواتج تقليم أشجار الفاكهة تمثل 3.9 مليون طن في مصر و7.9 مليون طن في الدول العربية.

 أما أشجار النخيل فمنها في مصر 12 مليون شجرة ومجموعها في العالم العربي نحو مائة مليون نخلة.

وسوف يفاجئنا أن نعرف أن الجزء الأكبر من البواقي الزراعية يتم إعدامه والتخلص منه بواسطة إحراقه في الحقول،
الأمر الذي لا يهدر تلك الثروة فحسب، وإنما له تأثيره السلبي على البيئة على النحو الذي يلمسه الجميع في مصر الآن.

تجارب الإفادة من البواقي الزراعية حققت نجاحا في تصنيع أعلاف الماشية بقرية كفر العرب بمحافظة دمياط وفي إنشاء شركة الألياف النباتية في قنا والمنصورة وفي تصنيع السماد العضوي النباتي بقرية فارس (محافظة أسوان)،
 أما النجاح الأكبر فقد حققته الأبحاث والتجارب التي أجريت على النخيل.

إذ استخدمت خاماته في صناعة الأخشاب ومنتجاتها وبدائلها التي تستوردها مصر حاليا من الخارج بما قيمته 4 مليارات جنيه سنويا.

 وهذا المشروع دخل حيز التنفيذ الآن في قرية القايات بمحافظة المنيا.
وفي الدراسة التي أجراها الدكتور حامد الموصلي، أستاذ الهندسة، الذي يدير المشروع مع نخبة من العلماء والخبراء، فإن المجالات المرشحة لاستخدام موارد النخيل في المجالات الصناعية تتجاوز حدود الإنشاء والإعمار، إلى مجالات الصناعات الكيميائية والغذائية إلى جانب منتجات العلف والسماء والورق.. إلخ.

لأن الآفاق واسعة وثروة المليون نخلة في العالم العربي تشكل قاعدة متميزة للاستثمار المتجدد في مختلف الأقطار، الذي تقوده الخبرة المصرية وتنفرد به، فإن الدكتور الموصلي وفريقه المعاون يطمحون في تبني مصر فكرة استخدام النخيل في التنمية واعتباره مشروعا قوميا نموذجيا نابعا من الواقع ومحققا نفعا للجميع لا حدود له.

لا أشك في أنه من المفيد أن نتطلع إلى الشاطئ الآخر لكي نقتبس أو نتعلم مما لدى غيرنا، لكن من المهم أيضاً أن نتحسس مواقع أقدامنا علّنا نجد في الأرض التي نقف عليها ما يعزز قدرتنا على تجاوز التقليد إلى الابتكار، ويعيننا على الخروج من أسر الاتباع إلى آفاق الابتداع.

...........

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar