Subscribe:

Ads 468x60px

17 أكتوبر، 2014

جنرالات الجامعة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 24 ذو الحجة 1435 – 18 أكتوبر 2014
جنرالات الجامعة - فهمي هويدي

«لا يمكن أن أسمح بالإساءة إلى مصر والجيش والرئيس السيسي في المظاهرات. وأكون خائنا لبلدي لو قبلت بحدوث شيء من ذلك في داخل الجامعة».

هذا الكلام قاله رئيس جامعة المنصورة في مداخلة تليفزيونية له صباح الخميس الماضي (15/10).

وكان ذلك بمناسبة إصداره قرارا بإيقاف أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة عن العمل وإحالته إلى التحقيق بدعوى اشتراكه في مظاهرة للطلاب، ترددت فيها بعض الهتافات المناهضة.

حين تحريت الأمر ممن أعرف في الجامعة وبين مندوبي الصحف في المدينة كان رأي الجميع أن أعضاء هيئة التدريس لا يشتركون في مظاهرات الطلاب.

وعلمت أن توجيهات شفهية صدرت بإيقاف الأستاذ وتوزيع جدوله على زملائه دون تحقيق أو مستند رسمي.

وأسر لي بعض من سألت أن مشكلة الشخص المستهدف ـ أستاذ مساعد بكلية العلوم ـ أن له ميولا إخوانية، وأن هناك حملة أمنية في الجامعة لإقصاء تلك العناصر، بأي ذريعة.

ومن بين هؤلاء ثلاثة أساتذة في كلية طب المنصورة. جرى التحقيق معهم في وقت سابق،
 ثم ألقي القبض على اثنين منهم لمثل الأسباب التي رددها رئيس الجامعة، ولم تعرف التهم الموجهة إليهما بعد.

هذا الذي قاله رئيس جامعة المنصورة لم يختلف في مضمونه كثيرا عما قاله رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر في مداخلة تليفزيونية أخرى قرر فيها أن قضية الأمن أهم ما يشغله،
وأنه لأجل ذلك كلف بعض الطلاب من بلدياته بالتجسس على زملائهم المشاغبين ونقل أخبارهم إلىه.

وكان الرجل قد دعا وزير الداخلية في حوار تليفزيوني سابق إلى إطلاق الرصاص الحي على الطلاب المشاغبين، معتبرا أن ذلك واجب شرعي.

وادعى في هذا الصدد أن أولئك الطلاب المشاغبين يطلقون الخرطوش على الشرطة، لكنهم يصيبون زملاءهم.
ولذلك يتعين معاجلتهم بالرصاص درءا لذلك الخطر.

في هذا السياق لا ينسى أن وزير الداخلية قرر الإبقاء على قوات الشرطة داخل حرم جامعة الأزهر. لأول مرة في تاريخها،

ولا ينسى أن الجامعة ألغت رسالة للدكتوراه بعد إجازتها لأن الباحث الذي أعدها وصف ما جرى في 30 يونيو بأنه انقلاب وليس ثورة.
كما أن الجامعة قررت إجراء تحقيق مع المشرف على الرسالة.

الموقف ذاته عبر عنه رئيس جامعة القاهرة، الذي قدم بلاغين ضد أحد أساتذة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، واتهمه في أحدهما بالتحريض ضد نظام الحكم ومؤسسات الدولة.
وهو من سبق أن وصف مظاهرات الطلاب بأنها «خيانة».
وقال في برنامج تليفزيوني إن بعض الطلاب يتلقون أموالا لإثارة الاضطرابات في الجامعة.

وزير التعليم العالي كان قائدا للمسيرة الأمنية.
والحوار الذي نشرته له صحيفة «المصري اليوم» (في 15/10) كان الأمن محوره، والقضاء على الإخوان قضيته الأساسية،
في حين اتهم الطلاب الذين يشاركون في المظاهرات الذين اشتبكوا مع رجال شركة الأمن الخاصة بأنهم مجرمون وإرهابيون.
 متوعدا من يلقي القبض عليه منهم بالحرمان من دخول الامتحانات.

حين يضع المرء هذه التصريحات جنبا إلى جنب، فإنه لن يصدق أنها صادرة عن أساتذة جامعيين، يربون الأجيال الجديدة التي يفترض أن تتولي قيادة المجتمع في المستقبل.

 بل إننا لو استبعدنا الصفات والوظائف التي يشغلونها. سوف يقنعنا الكلام بأنهم مجموعة من القيادات الذين ينتمون إلى الأجهزة الأمنية.

وربما خطر على البال أن شركة الأمن الخاصة التي تم التعاقد معها لم تكلف فقط بتأمين الدخول إلى الجامعات، ولكنها كلفت أيضا بإدارة الجامعة وتسيير شؤونها.

في هذه الأجواء يصبح الحديث عن استقلال الجامعة أمنية بعيدة المنال وترفا لا نملكه.
 ذلك أن مطلبنا في الوقت الراهن أصبح أكثر تواضعا،
 إذ صرنا نتحدث عن مجرد مدنية الجامعة، بمعني الكف عن عسكرتها ورفع أيدي الأجهزة الأمنية عنها.

إن التعامل مع الجامعات باعتبارها مشكلة أمنية ينبغي قمعها. واختزال المشكلة في وجود الإخوان وضرورة اقتلاعهم وتطهير الجامعة منهم، يعد اختزالا خطرا حذر بعض العقلاء من الوقوع فيه.

ومصدر الخطورة يكمن في الإصرار على تجاهل حقيقة أن ثمة مشكلة في علاقة السلطة بالشباب والمجتمع، ناشئة عن تراجع سقف الحريات والإجهاض المستمر لأحلامهم التي تعلقوا بها بعد الثورة.

وهذه المشكلة لا تحلها الأجهزة الأمنية، وإنما تزيدها تعقيدا خصوصا فيما خص الشباب. الذي ينزع إلى التحدي ولا يتردد في الصدام ولا يزيده القمع إلا عنفا وتصعيدا.

لم تعد مشكلة الجامعة مقصورة على تمرد الشباب وعنفه، ولكنها أصبحت تكمن أيضا في النخبة التي أصبحت تديرها بعقلية الأمن وليس بروح المربين وحكمة العلماء الساهرين على صناعة المستقبل.

صحيح أن أساتذة الجامعات أصبحوا مهددين بالفصل والتنكيل، على الأقل فذلك ما أوحت به التعديلات التي أدخلت على قانونهم ورفضها مجلس الدولة،
 إلا أننا ينبغي ألا ننسى أن جنرالات الجامعات لم يكونوا بعيدين عن إقرارها.

وإذا ما أضفنا إلى ما سبق ما اتخذ من إجراءات لتحريض الطلاب على التجسس على زملائهم. فإن ذلك يعني أننا لم نعد قلقين على المستقبل فحسب، وإنما على الحاضر أيضا.

بعد تأجيل الدراسة في العام الجامعي، وبعد الحديث عن إغلاق المدن الجامعية، اقترح نفر من المثقفين إغلاق جامعتي الأزهر والقاهرة لمدة عام،
وسمعت أن فكرة إلغاء العام الجامعي في كل الجامعات مطروحة للبحث في دوائر السلطة.

وإذ أرجو أن يكون ذلك من قبيل الشائعات المكذوبة، إلا أنها إذا صحت فهي تعني أمرين،
أولهما إشهار موت السياسة في مصر.
وثانيهما أننا بصدد الدخول في نفق مظلم لا نعرف كيف الخروج منه.

.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar