Subscribe:

Ads 468x60px

01 أكتوبر، 2014

أزهى عصور البصاصين

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 7 ذو الحجة 1435 – 1 أكتوبر 2014
أزهى عصور البصاصين - فهمي هويدي

حين أذاع أحد الإعلاميين خلاصة حوار خاص دار بينه وبين الدكتور باسم يوسف، انتقد فيه الأخير الرئيس عبدالفتاح السيسي، وترتب عليه إحالة باسم إلى النيابة العامة، فأغلب الظن أن الرجل تصور إنه بوشايته أدى واجبه كإعلامي «وطني».

وحين قرر وزير الأوقاف الذي يرأس بعثة الحج ترحيل أحد الحجاج في نفس الوقت، لأنه انتقد الحكام العرب في الحرم المكي، فإن الرجل أراد بدوره أن يثبت وطنيته والتزامه بتعليمات الضبط والربط في الحج.

ومن المصادفات ان الحدثين وقعا بعد الإعلان عن الترتيبات الأمنية الاستثنائية، التي سيجري تطبيقها في الجامعات المصرية هذا العام، التي من بينها التنسيق مع الطلاب «الوطنيين» والاتفاق معهم على أن يتولوا الوشاية بزملائهم «المشاغبين»، الذين يحرضون على الاضرابات والتظاهر.

وطبقا لما نشرته وسائل الإعلام المصرية فإن الإجراء ذاته سوف يتبع مع الأساتذة أيضا، الذي عُدل قانون الجامعات بحيث خول لرئيس الجامعة سلطة فصل المشكوك في وطنيته منهم دون عرضه على مجلس التأديب،
ومصادر تلك المعلومات لن تخرج عن حدود وشايات الطلاب وتقارير الأجهزة الأمنية.

ولأن الشك وليس البراءة صار الأصل، حتى بالنسبة للأساتذة الذين يقومون على إعداد الأجيال الجديدة، فإنه سيتم تفتيش الجميع بلا استثناء عند دخولهم إلى الحرم الجامعي، طبقا لتصريح رئيس جامعة الإسكندرية يوم الاثنين ٢٩/٩.

اختراق المؤسسة الأمنية لمختلف قطاعات المجتمع ليس جديدا في مصر، وربما كانت له أسبابه التي تبرره في بعض الأحيان،
 بوجه أخص فإنه في الظروف التي تمر بها مصر الآن التي انحازت خلالها السلطة إلى الحلول الأمنية دون السياسية، حدث تطوران مهمان،
أولهما التوسع الكبير في دور المؤسسة الأمنية، الذي لم يعد متقدما على دور السياسة فحسب، وإنما صار متقدما على دور القانون أيضا.
 التطور الثاني تمثل في الجهر بدور «الأمنجية» وإضفاء الشرعية عليه إلى الحد الذي جعل الانتساب إلى المؤسسة الأمنية من معايير «الوطنية» وتجلياتها.

في المحيط الإعلامي الذي أعرفه منذ أكثر من نصف قرن، كان الصحفي الذي يعمل لصالح الأجهزة الأمنية يخفي مهمته،
وحين يكتشف أمره تحت أي ظرف فإنه يصبح محلا للاحتقار والاستهجان والنفور، لكن الأمر اختلف كثيرا الآن، حتى شاع مصطلح الصحفي «الأمنجي»، وأصبحت الإشارة إليه أمرا عاديا حتى على مستوى رؤساء التحرير.
وفي بعض الأحيان بدا أن نموذج «الأمنجي» هو الأصل، وغدا غيره شذوذا واستثناء.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن حيازة ذلك اللقب باتت من الفضائل التي تضعها السلطة في ميزان حسنات المرء،
الأمر الذي يفتح أمامه الأبواب ويتيح له فرص الترقي والثراء والشهرة، فضلا عن الانتساب إلى أهل الثقة والحظوة.

وقد سمعت أحدهم، وهو يعلن على الملأ من خلال برنامجه التليفزيوني إني فعلا «أمنجي»، وإنه يتشرف بذلك ويفخر به، لأنه بذلك يخدم بلده،

(لم يسأله أحد: لماذا لا يتفرغ للقيام بتلك المهمة «الوطنية» من خلال المؤسسة الأمنية التي يعمل لصالحها،
ولماذا يستمر في خداع الناس ويقدم نفسه باعتباره منتسبا إلى مهنة أخرى).

الأمر ليس مقصورا على الوسط الإعلامي بطبيعة الحال، رغم أنه المجال الذي بات يعج بـ«الأمنجية»، حيث جرى التركيز عليه نظرا لخطورة الدور الذي يقوم به الإعلام في تشكيل الرأي العام.

ذلك إننا وجدنا حضورا لافتا لـ«الأمنجية» في مختلف المجالات، حتى تلك التي حفظ لها القانون والدستور استقلالها وحصنها ضد تغول السلطة السياسية،
وهي حصانة وفرت للمؤسسات المعنية تاريخا مشرفا وهيبة خاصة، جعلت المجتمع يضفي عليها المقامات الرفيعة ويتوارث وصفها بالشموخ والكبرياء.

حين غابت أهم قيم الممارسة الديمقراطية، فتلاشى دور المؤسسات وتراجعت قيمة القانون وهبط سقف الحريات العامة، ماتت السياسة،
ما عاد ممكنا أن يرتفع صوت فوق صوت مؤسسة الأمن.

الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول إن شعار الشرطة في خدمة الشعب طرأ عليه تعديل جعله أصدق في التعبير عن الواقع، بحيث أصبح الشعب في خدمة الشرطة،
ومن ثم فإننا انتقلنا إلى أزهى عصور البصاصين، وهو ما رأيناه في الصورة التي رسمها البريطاني جورج أورويل في مؤلفه «١٩٨٤» وقدم فيها دولة الأمنجية على أصولها.

هذه التفاصيل تستدعي أمامنا قضيتين،
 الأولى تتعلق بواقع يمثل تراجعا عما توقعناه بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وتمنينا أن ينسينا الذي فات ويطوي صفحته،
والثانية تتعلق بالقيم التي نربي عليها الأجيال الجديدة التي تهيأ لدور الأمنجية في الجامعات، وهي التي نراهن على دورها في إقامة المجتمع الديمقراطي القوي، الذي قضينا أعمارنا ونحن نحلم به، وربما رحلنا عن الدنيا دون أن نراه بأعيننا ونلمسه بأناملنا.

وذلك إذا صح فإنه يصيبنا بالحسرة مرتين،
مرة على أعمارنا التي أنفقناها دون أن نحقق لبلدنا ما تمنيناه، رغم أننا لم نقصر في ذلك والله، ودفعنا له الثمن مقدما وباهظا.
 ومرة على أبنائنا الذين قد يلحقون بنا دون أن يروا بدورهم لذلك الحلم أثرا..

 أدعو الله أن يصبح أحفادنا أفضل حظا من أجدادهم وآبائهم.

................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar