Subscribe:

Ads 468x60px

06 سبتمبر، 2014

مواطنون لا رعايا

صحيفة السبيل الاردنيه السبت 11 ذو القعدة 1435 – 6 سبتمبر 2014
مواطنون لا رعايا - فهمي هويدي

ذكرت الصحف المصرية أمس أن تقريرا عاجلا قدم إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أسباب انقطاع التيار الكهربائي الذي أصاب مصر بالشلل طوال خمس ساعات في نهار يوم الخميس 4/9.
وكان أول سؤال خطر لي حين وقعت على هذه الأخبار هو:
لماذا لم يقدم التقرير أيضا إلى الشعب المصري. بعدما ترك طوال النهار يضرب أخماسا في أسداس
ويتساءل عما إذا كان الانقطاع سببه عمل تخريبي أم إهمال في الصيانة أم قصور في الإمكانيات.

ثم إنني لم أفهم لماذا سلطت الأضواء على انقطاع التيار الكهربائي خلال تلك الساعات، ولم يشر أحد إلى انقطاع المياه.

ذلك أنني كنت ضمن ضحايا الانقطاعين، إذ ظلت المياه مقطوعة عن الحي الذي أسكن فيه طوال 15 ساعة متصلة.
الأمر الذي يشعر المرء بمهانة مضاعفة، إذ يصبح عاجزا عن حل الإشكال، بعدما نفدت كميات المياه المعدنية من كل بقالات المنطقة،
كما أنه يصبح عاجزا عن فهم سبب الانقطاع، خصوصا أن كل هواتف المسؤولين عن الحي والمحافظة والوزارة أصيبت بالخرس وامتنعت عن الرد.
وحتى هذه اللحظة لم يتح لسكان الحي أن يعرفوا حقيقة ما جرى.

ولا أعرف إن كان التقرير العاجل الذي قدم إلى الرئيس تحدث عن مشكلة المياه المقطوعة في أحياء ومدن عدة أيضا أم أنه اكتفى بعرض مشكلة انقطاع التيار الكهربائي التي تسبب خسائر اقتصادية كبيرة، في حين أن خسائر انقطاع المياه ربما كانت إنسانية بأكثر منها اقتصادية.

ذلك فضلا عن أن انقطاع التيار الكهربائي يمس مصالح قوي لها وزنها في المجتمع،
 أما انقطاع المياه فيعاني منه عامة الناس الذين لا تكترث السلطة بالإنصات إلى أصواتهم.

هناك تفسير آخر خطر لي هو أن تكون السلطة قد اعتبرت أن انقطاع المياه بات أمرا مفروغا منه ومألوفا وما عاد يستحق الذكر.
ثم إنه ربما لا يخلو من فائدة لأنه قد يعد تدريبا لمواجهة احتمالات المستقبل بعد بناء سد النهضة الأثيوبي، الذي من شأنه أن يؤثر على حصة مصر من المياه.

 وفي كل الأحوال فإننا لن نعدم تهوينا من الأمر يتكفل به بعض المفتين المتعلقين بأذيال السلطة والجاهزين لركوب كل موجة، ممن يذكروننا بأن النصوص الشرعية حلت الإشكال من خلال إباحة «التيمُّم» إذا انقطعت المياه أو شحت،
الأمر الذي يبطل حجة الشاكين ويسكت أصوات الناقدين.

لست في مقام مناقشة الأسباب الفنية أو غير الفنية التي أدت إلى انقطاع الكهرباء أو المياه.

ولدي استعداد للقبول بأي أسباب مقنعة تذكر في هذا الصدد أو ذاك.

بالتالي فلست في وارد انتقاد الانقطاع أيا كانت أسبابه، لكن الذي يهمني في المشهد، وما يشعرني بالاستياء والحزن هو ذلك التجاهل للرأي العام، والتعجل في إبلاغ الرئيس ثم التمهل والتراخي في إبلاغ المجتمع.
الأمر الذي يسلط الضوء على مشكلة الافتقاد إلى الشفافية التي يعاني منها المجتمع المصري منذ عدة عقود،
ذلك أن قوة السلطة المركزية في مصر، التي تمتد جذورها إلى عصر الفراعنة، أقنعت البيروقراطية المصرية بأن المهم أن تحاط السلطة علما بما يجري، لأنها صاحبة الأمر والنهي.

أما مجتمع الرعية الذي لا سلطان له، فليس جهة اختصاص معنية بالشأن العام. وطالما أن «الراعي» يعرف ففي ذلك الكفاية، حيث بيده التقرير والتدبير.
 إذ إنه وحده له حق الإرسال، ودور الرعية لا يتجاوز الامتثال والاستقبال.

ليس في هذه الصورة أي مبالغة، والقرائن والشواهد التي تؤيدها كثيرة، ولا تقتصر على مسألة انقطاع التيار الكهربائي أو توقف شبكات المياه وحدها.

 ذلك أن بين أيدينا قائمة طويلة من المشروعات الكبري التي تؤثر على مستقبل البلد، ولا نعرف من درسها ولا من حدد أولوياتها، ولا من الذي يمكن أن يحاسب على الإنجاز أو الإخفاق فيها.

وهذا الذي نقوله عن المشروعات الكبرى يتوازى مع أسئلة أخرى عن موعد الانتخابات التشريعية وتشكيل البرلمان، وعن التعديلات المراد إدخالها على الدستور لتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، وعلى مصير قانون التظاهر، أو مصير الجمعيات الأهلية.

وقبل أيام قليلة كتب أحد أساتذة العلوم السياسية ـ الدكتور مصطفي كامل السيد ـ مقالة في جريدة «الشروق» (1/9/2014) انتقد فيها التخبط والشفافية في إدارة الشأن الجامعي لم تعرفه مصر منذ إنشاء أول جامعة حديثة في عام 1908.

وضرب لذلك أمثلة كثيرة بعضها يتعلق بتغيير مواعيد بدء العام الدراسي لأسباب غير معلومة، وبعضها يتعلق بتأجيل تعيين رؤساء سبع جامعات وإلغاء انتخاب العمداء ورؤساء الأقسام... الخ.

من المفارقات أن يحدث ذلك في أعقاب ثورة قام بها الشعب المصري احتجاجا على تحكم نظام مبارك الذي صادر إرادة الأمة وعمد إلى تزويرها طوال ثلاثين عاما.

وحين رفعت الثورة شعارات العيش والحرية والكرامة الإنسانية، فلم يكن الهدف من وراء ذلك إزاحة سلطة واستبدالها بسلطة أخرى، ولكن الهدف الحقيقي كان رد الاعتبار للشعب بحقوقه التي أهدرت وتطلعاته التي أجهضت.

صحيح أن المجتمع المصري جرى إضعافه وتدمير قواه المدنية، إلا أن علاج ذلك لا يكون بإيداعه غرفة الإنعاش وتسليم أمره إلى «الراعي» وبطانته، لكنه يكون بتنشيط خلاياه الحية ورفع سقف الحريات والحقوق المتاحة له وفي مقدمتها حق المشاركة.
وبذلك يكتسب الخبرة والمناعة والعافية التي تمكنه من طي صفحة الرعية وممارسة حقوق المواطنة.

أرجو أن يضم ما سبق إلى مرافعة الدفاع عن إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها قبل نهاية العام.

 ذلك أننا بحاجة ملحة إلى جهة منتخبة تمثل المجتمع وتحاسب القائمين علىه.

وما لم يحدث ذلك فإننا سنكون قد انتقلنا من دعوى الأخونة إلى قبضة العسكرة،
وكأنك يا أبوزيد ما غزيت!

...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar