Subscribe:

Ads 468x60px

09 سبتمبر، 2014

الإنكار بالأمعاء الخاوية

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 15 ذو القعدة 1435 – 10 سبتمبر 2014
الإنكار بالأمعاء الخاوية - فهمي هويدي

يبدو أنه لم يعد هناك سبيل لإعلان الرغبة في التغيير السلمي سوي الإضراب عن الطعام.
فإذا أراد الناشطون أن يخرجوا إلى الشارع في مظاهرة يعبرون فيها عن مطالبهم فإن مصيرهم بات معروفا.

ذلك أن الاعتقال بالقانون بات أبسط إجراء يمكن أن يتخذ بحقهم.
وبعد الاعتقال هناك ما بين عشر وخمس عشرة تهمة جاهزة توجه إلى كل واحد منهم،
فضلا عن أن أحدا لا يضمن أن هؤلاء سيذهبون سالمين إلى أقسام الحجز، لأن السيناريو الرائج يتهمهم بالاعتداء على الشرطة التي ستضطر لأن «تدافع عن نفسها» بقنابل الغاز المسيل للدموع والخرطوش، والنتائج بعد ذلك معروفة.

ولن يقف الأمر عند حدود الاعتقال وتلفيق القضايا،
ذلك أن الذين يلقي القبض عليهم في المظاهرات يتعرضون لتعذيب أشد من غيرهم، لأن الأجهزة الأمنية لا تكتفي باحتجاز المتظاهرين، ولكنها تسعى في كل مرة للتعرف على العناصر التي تقف وراءهم.
 الأمر الذي يدفعها إلى استنطاق كل واحد منهم بمختلف السبل للحصول على تلك المعلومات.
ولعلك لست بحاجة لأن تعرف مزيدا من التفاصيل في ذلك.

سمعت أحد مقدمي البرامج التليفزيونية وهو يقول بثقة شديدة إنه يتحدى من يدعي أن شخصا اعتقل لمجرد أنه تظاهر،
كما أنه يتحدى أي شخص يدعي أن في مصر معتقلين سياسيين.

وكلامه صحيح على الورق، لأن المتظاهر حين يلقى القبض عليه فإن قائمة التهم الجاهزة له المشفوعة بتحريات عناصر الأمن الوطني المعدة سلفا بحيث يضاف إليها اسم الشخص في كل مرة،

هذه الترتيبات تحول الشخص من معتقل إلى متهم في غمضة عين،
وبالتالي فإن كلام صاحبنا يبدو صحيحا.
وهو ينطبق على الستة عشر ألف شخص الموجودين في السجون الآن، حيث صاروا جميعا متهمين.
علما بأن قانون الإجراءات الجنائية يسمح الآن بتمديد حبس أي متهم مقدم إلى المحاكمة إلى أجل غير مسمى.

إذا عزف المواطن الغاضب عن مغامرة التظاهر وفكر في أن يحتج بواسطة بيان مطبوع يعبر فيه عن احتجاجه، فإنه لن يسلم بدوره من الاعتقال والإلحاق بأي قضية جاهزة.

وكما يذكر المحامون فإن أمثال هؤلاء لا يتعرضون للتعذيب عامة أثناء الحبس.
وفي الغالب فإنهم يتعرضون لأحكام مخففة نسبيا، سنتين أو ثلاث على الأكثر.

وهذا المصير ينتظر أيضا من يحاول أن يعلق ملصقا في الشارع،
ذلك أنه سوف ينضم على الفور إلى طابور المتهمين بإثارة الشغب وتعطيل المرور والاعتداء على رجال الشرطة،
فضلا عن توزيع ملصقات تحرض على الجيش والشرطة وحيازة سلاح ناري.. إلى آخر التهم التي حفظناها.

الشاهد أن من يريد أن يعبر عن رأيه بصورة سلمية يفترض أن يحميها القانون لن يجد الأبواب موصودة أمامه فحسب، ولكنه لن ينجو من التهم المفتوحة نهايتها على كل الاحتمالات.

وحينئذ لا يكون أمامه سوى أحد احتمالين،
الأول أن يختصر الطريق ويلجأ إلى العنف، لأنه إذا وجد نفسه متهما ومحبوسا في كل الأحوال،
فقد يجد أن حبسه جراء عنف أقدم عليه أفضل من حبسه دون أن يفعل شيئا، ولمجرد أنه ردد هتافا أو وزع بيانا أو ملصقا.

 الاحتمال الثاني أن يظل صاحبنا متمسكا بسلميته ومصرا على الدفاع عن قضيته، وحينئذ لن يجد سوى جسده يشهره في وجه النظام الذي يعارضه.

وفي هذه الحالة فإن إضرابه عن الطعام يكون الوسيلة الوحيدة التي يستطيع اللجوء إليها دون أن تتعلل السلطة بأي حجة لمعاقبته أو التنكيل به.

صحيح أن الذين يضربون عن الطعام داخل السجون والذين تجاوز عددهم 58 شخصا قد يتعرضون لصور من الضغط والتنكيل من جانب سجانيهم.
إلا أن ذلك لا يسري على الأربعين شخصا الذين أضربوا عن الطعام خارج السجون تضامنا مع مظلوميه الأبرياء الذين تحتجزهم السلطة.

في تراثنا الفقهي أن مراتب إنكار المنكر تتراوح بين الإنكار بالقلب أو باللسان أو باليد (ولكل مرتبة شروطها)
لكنها المرة الأولى فيما أعلم التي يتم فيها الإنكار بالأمعاء الخاوية.
حيث ذلك باب جديد للإنكار لم تعرفه خبرة المجتمع الإسلامي.
 وقد يكون بحاجة إلى اجتهاد جديد يحدد ضوابطه والمشروع فيه وغير المشروع.

وقد سمعت من بعض أهل العلم من يؤيده باعتباره أقرب إلى العمليات الاستشهادية،
ومن يعارضه باعتباره من قبيل قتل النفس ويميز بين العمليات الاستشهادية التي تتم في مواجهة الأعداء، وبين قتل النفس احتجاجا على ظلم الأشقاء.

لكن أي جدل فقهي ينبغي ألا يصرفنا عن القضية الأساسية المتمثلة في انسداد أفق التعبير عن الاحتجاج السلمي، الذي يضطر البعض إلى الإضراب عن الطعام،
 فضلا عن أنه يقدم ذريعة تقنع دعاة العنف بأن الخيارات ضاقت أمامهم بحيث لم يبق لهم سوى التغيير باليد وهدم المعبد على من فيه.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar