Subscribe:

Ads 468x60px

17 سبتمبر، 2014

دفاع عن دولة القانون

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 22 ذو القعدة 1435 – 17 سبتمبر 2014
دفاع عن دولة القانون - فهمي هويدي

لدي عدة ملاحظات على المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم (يوم الأحد 14/9) بمناسبة قتل سبعة مصريين وصفوا بأنهم من أخطر عناصر تنظيم أنصار بيت المقدس،
وقدموا في وسائل الإعلام بأنهم يمثلون خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى، الذين اتهموا بالاشتراك في 15 عملية إرهابية قتل فيها 44 من رجال الشرطة والجيش.

أدري أن استهداف رجال الشرطة والجيش جرم لا ينبغي التهوين من شأنه ولا التهاون أو التسامح فيه.
وأرجو ألا أكون بحاجة إلى تسجيل ضرورة إخضاع الذين يرتكبون أمثال تلك الجرائم إلى حساب عسير. بل أشد العقوبات التي يقررها القانون.

لكنني أحذر من التسرع في إطلاق الأحكام على المشتبهين أو المتهمين، قبل التحقيق معهم، بقدر ما أحذر من التسرع في إطلاق الرصاص علىهم وإعدامهم.

إنني أفهم أن إطلاق الرصاص من جانب رجل الأمن يكتسب مشروعيته في حالة الدفاع عن النفس، الأمر الذي يعني أنه يمثل استثناء على القاعدة في حالة الملاحقة.

وأرجو أن تكون الواقعة التي نحن بصددها مما يشمله ذلك الاستثناء.
إلا أنني لاحظت أن أخبار قتل الملاحقين تكاد تتحول إلى قاعدة في ظل تواتر الأخبار شبه اليومية التي تتحدث عن قتل «تكفيريين» و«إرهابيين» في سيناء بوجه أخص،

 آية ذلك أنه بعد إعلان قتل المواطنين السبعة يوم الأحد قال المتحدث العسكري يوم الاثنين إنه تم قتل عشرة عناصر إرهابية «شديدة الخطورة» أثناء حملة مداهمات تمت خلال يومي 13 و14 سبتمبر في محافظات شمال سيناء والاسماعيلية والدقهلية.
 وقد أصبح ذلك نمطا للأخبار التي تأتي من سيناء.
ذلك أن أغلبيتها الساحقة لا تتحدث إلا عن تكفيريين خطرين تم قتلهم.

ما يثير القلق إلى جانب تواتر أخبار القتل أن وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية أحيانا درجت على وصف هذه العمليات بأنها من قبيل الثأر والتصفية.
حتى أن صحيفة الوطن وصفت قتل السبعة الذين ذكرهم وزير الداخلية بأنه «يوم الثأر لشهداء الفرافرة».
ونقلت عن المصادر المطلعة قولها إن قوة ضباط العمليات الخاصة تحركت «لتنفيذ عملية الثأر».
واستخدام هذه اللغة يعطي انطباعا بأن رجال الأمن ذاهبون للقضاء على المتهمين وقتلهم، أخذا بثأر ضحاياهم. بما يعني أنهم ليسوا ذاهبين للقبض على المتهمين وتقديمهم للعدالة.

إن ما أفهمه أن رجال الأمن لا يلجأون إلى الثأر ولا إلى التصفية لأن ذلك يعد قتلا خارج القانون وعقبة أمام إرساء العدالة.
ولكن المؤسسة الأمنية تبذل جهدها لإلقاء القبض على المتهمين لكي يتم التحقيق معهم ثم يقرر القضاء مصيرهم.

أما قيامها بكل الأدوار من الإدانة اعتمادا على التحريات الخاصة إلى الحكم بالإعدام بغير أي تحقيق، فذلك يهدر أبسط قواعد دولة القانون. التي يتعين الالتزام بها حتي مع من ترفضهم وتبغضهم.
(في التوجيه القرآني: ولا يجرمنكم شنآن قوم «كراهيتهم» على ألا تعدلوا).

في الوقت ذاته فإن مجرد تصنيف بعض المتهمين ــ هكذا ابتداء ــ بأنهم تكفيريون أو إرهابيون لا يبدو مقنعا من الناحية المنطقية ولا كافيا من الناحية القانونية.

 والأخبار التي تنشر بين الحين والآخر عن قتل تكفيريين هنا وهناك أصبحت تمثل اعتداء علنيا على أبسط مبادئ العدالة،
ذلك أن تلك الصفة أصبحت تطلق بحق أناس ليس بناء على تحقيقات واعترافات، ولكن اعتمادا على تقارير وتحريات المؤسسة الأمنية، التي نعرف جيدا أن محكمة النقض لا تعتبرها دليلا للإثبات، وإنما تراها فقط مجرد رأي للجهة التي أجرتها.
وقد يكون المتهمون تكفيريين حقا أو إرهابيين، ولكن ذلك لا ينبغي له أن يؤخذ على محمل الجد إلا بناء على تحقيقات النيابة وليس اعتمادا على تصنيفات الإعلام الأمني وحده.

لقد ذكر وزير الداخلية أن السبعة الذين قتلوا ووصفوا بأنهم خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى سبق لهم أن اشتركوا مع آخرين من عناصر أنصار بيت المقدس في تفجير مديريتي أمن القليوبية والقاهرة.

وكان اللواء هاني عبد اللطيف المتحدث باسم الداخلية قد أعلن في 11 مارس عن مقتل منفذ تفجير مديرية أمن القاهرة، وهو شخص باسم محمد السيد منصور. وشهرته «أبو عبيدة».

هذا الكلام له أهمية خاصة، لأنه في الوقت الذي تحدث فيه وزير الداخلية والمتحدث باسم الوزارة عن اشتراك أنصار بيت المقدس في تفجير مديرتي أمن القليوبية والقاهرة،
 كما أن تلك الجماعة بثت شريط فيديو سجل قيام عناصرها بعملية التفجير، فإن السياسة المصرية ارتأت في حينها شيئا آخر.

 إذ ما أن وقع تفجير القليوبية في 24 ديسمبر عام 2013، فإن مجلس الوزراء اجتمع في اليوم التالي مباشرة (25/12) وأصدر بيانا استهله بالعبارة التالية:
روعت مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها فجر أمس الثلاثاء بالجريمة البشعة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بتفجيرها مديرية أمن الدقهلية وسقوط 16 شهيدا وأكثر من 130 جريحا.. الخ.

وبنى مجلس الوزراء على ذلك قراره باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، يعاقب المنتمون إليها أو المروجون لها بالعقوبات المقررة قانونا لجريمة الإرهاب.
وقرر المجلس إخطار الدول العربية المنضمة لاتفاقية مكافحة الإرهاب بذلك.

هذه الخلفية تشير بوضوح إلى أن قرار بأهمية اعتبار الإخوان جماعة إرهابية انبنى على معلومات غير صحيحة،
واستند إلى هوى سياسي وليس على معلومات موثقة،

 الأمر الذي يدعونا إلى إعادة النظر في الكثير من التداعيات التي ترتبت عليه وتوالت خلال العام الأخير.
فضلا عن أنها تنبهنا إلى ضرورة التثبت من صحة الكثير من المعلومات التي تم تداولها في ذلك السياق.

ولا يزال في حديث وزير الداخلية ما يستحق المناقشة ــ غدا نواصل بإذن الله.

....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar