Subscribe:

Ads 468x60px

05 أغسطس، 2014

في لزوم محاسبة المجرم والتفكير في الضحية – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 9 شوال 1435 5 أغسطس 2014
في لزوم محاسبة المجرم والتفكير في الضحية – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الآتي ينبغى أن نفكر فيه جيدا، حتى لا تمر الجريمة الإسرائيلية كسابقاتها دون حساب أو ترتيب.

-1-

قبل أي كلام في الموضوع، أرجو أن يتوقف النائحون واللوامون عن التذرع بالثمن الباهظ الذي دفع، والاتكاء عليه لهجاء المقاومة وتبكيتها، والادعاء بأنها لو رضخت من البداية «وسمعت الكلام» وأحنت رأسها للعاصفة، لما جرى ما جرى. فلا أريقت الدماء ولا هدمت البيوت ولما انقطع التيار الكهربائي ولما تحول قطاع غزة من سجن إلى مقبرة كبرى.

وإذا نحينا جانبا كلام الصهاينة العرب الذين هم ضد المقاومة من الأساس، وافترضنا حسن النية فى غيرهم فينبغى أن ندرك أن معارك التحرير تقاس بنهاياتها وخواتيمها وليس بأطوارها وجولاتها.
ذلك حدث في الحرب العالمية الثانية ولاحقا في فيتنام والجزائر.
حيث لا ينبغي ولا يجوز إحصاء رءوس الضحايا أثناء العراك لأن ذلك من مداخل الانكسار المؤدي إلى الهزيمة..

وفي أمثالنا الدارجة أنك إذا شغلت نفسك في العراك بإحصاء الرجال فلا تقدم على المعركة من الأساس.
 ليس ذلك حفاوة بالموت ولا تشجيعا على التضحية المجانية ولكن لضبط بوصلة المقاتلين الذين ينبغي أن ينشغلوا بتحقيق النصر مهما كان الثمن..

 بوجه أخص فإنه في مواجهة العربدة الإسرائيلية التي لم تعترف للفلسطينيين منذ قرن تقريبا بحقهم في الوجود، ولا نرى لمشكلتهم حلا سوى الاقتلاع والإبادة، فإن المناضلين الفلسطينيين لا يبقى لهم خيار.

وبعد أن جربوا مفاوضات ومراوغات السلام منذ أكثر من 20 عاما فإن تحدي تلك العربدة ومحاولة ردع العدو والرد على جرائمه وجبروته ليس له أن يتم إلا بالصورة التي تمت بها في غزة.

-2-

إذا أدرنا ظهورنا للنائحين والمنددين، وألقينا نظرة على ساحة المعركة، فسندرك أننا بإزاء جريمة مكتملة الأركان، كل ما تتطلبه هو التوثيق والتحقيق، لكي تقدم إلى العدالة الجنائية الدولية يوما ما، بعد عشر أو عشرين أو حتى خمسين سنة.

 ذلك أنها كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. ولكنها تظل تلاحق مرتكبيها إلى يوم الدين..

أدري أن مقاومة العدوان هي المهمة الأولى، وإن شاغل الجميع هو تجنب الموت الذي بات يهدد كل إنسان في أي موقع كان..
 لكن ذلك كله شىء، وما أدعو إلى شىء آخر قد يكون تاليا إن لم يكن موازيا،

 ذلك أن جثث القتلى تتوزع بين الطرقات وتحت الأنقاض وأشلاؤهم ترى رأي العين والطريقة التى قتلوا بها تعلنها الجثث بغير ادعاء.

الذين قتلوا بالصواريخ معروفون بالاسم والذين قتلوا بالرصاص فى عمليات الإعدام الجماعي كما حدث في خزاعة لاتزال الآثار ظاهرة على أجسادهم، والذين هدمت البيوت فوق رءوسهم مكومون في ثلاجات الخضراوات بعدما ضاقت بهم ثلاجات الموتى..

أما الدماء النازفة فلا تزال طرية لم تجف بعد، ناهيك عن أن القصف المجنون يضيف إليها المزيد كل يوم.
ولا تسأل عن الشهود فكل أبناء غزة رأوا الموت بأعينهم سواء فى بيوتهم أو بيوت إخوانهم وجيرانهم.

إلى جانب ذلك.. فالقتلة موجودون ومعروفون، أسماؤهم ووظائفهم وتسلسلهم الإدارى، فضلا عن أن تصريحاتهم التى وعدت بالقتل ودعت إليه وباركته..

 ليس ذلك فحسب وإنما إلى جانب الفاعلين الأصليين فأسماء الشركاء والمحرضين بدورها معروفة..

الخلاصة أن أركان الجريمة وأطرافها وضحاياها، جميعهم تحت أعيننا، وليس هناك ما ينقص عملية التوثيق سوى القرار السياسى والهمَّة.

 وتلك مسألة حبذا لو دعت إليها السلطة فى رام الله، ولكن المنظمات الحقوقية الفلسطينية تستطيع أن تقوم بها دونما حاجة إلى إذن السلطة.

إن الدكتور سلمان أبوستة -صاحب مشروع أرض فلسطين الذي أشرف على إصدار أطلس فلسطين وغطى به الفترة من 1917 إلى 1966، يعمل منذ ربع قرن فى توثيق كل ما له صلة بالنكبة والقضية،
ولا يزال يبحث عن الشهود الأحياء كى ينقل رواياتهم ويوثقها بعد أن يقارنها بغيرها..

وإذا كان ذلك الجهد يبذل لتحقيق ما جرى قبل 65 عاما فأيسر منه كثيرا أن يحاول الباحثون والنشطاء الفلسطينيون توثيق الحاصل هذه الأيام..

وإذا كان الجهد الأول يقدم للدفاع عن التاريخ وحمايته من الاندثار، فإن الجهد المطلوب الآن يراد به توفير أدلة إدانة المجرم تمهيدا لملاحقته وحسابه على ما اقترفت يداه.

أتابع الجهد اليومى الممتاز الذى يبذله الأستاذ راجي الصوراني- مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة، في فضح الجرائم الصهيونية والجنايات التى ارتكبتها والتشوهات التى أحدثتها فى مختلف أوجه الحياة الفلسطينية.

وأقدر الجهد الذي تبذله منظمات حقوقية أخرى ونشطاء لا تنقصهم الخبرة أو الحماس، لكنني أتمنى أن ينتهز هؤلاء جميعا الفرصة الراهنة لكى يشكلوا فريقا يقوم بتوثيق وتحقيق الجرائم الصهيونية التي ارتكبتها إسرائيل في عدوانها الأخير على غزة..

 ولست أشك في أنهم أدرى منى بكيفية إحكام عملية التوثيق وتجميع أدلة الإدانة لتجهيز ملف تقديم الملف إلى القضاء الدولى في أي فرصة.

-3-

التوثيق أهم من التحقيق الذي لا ينبغي أن تقلل من أهميته،
ذلك أن التوثيق يسجل وقائع الجريمة وأدلتها في حين أن التحقيق يسلط الضوء على ملابساتها..

 والتوثيق مهمة الفلسطينيين بالدرجة الأولى.
 أما التحقيق فهو يحتمل كلاما آخر،
تؤيد ذلك تجربة القاضى الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون حين أعد تقريره فى عام 2009 بعد العدوان الإسرائيلي الذي تعرض له القطاع في بداية ذلك العام.

 ذلك أن التقرير أدان إسرائيل صراحة، ولكن رئيس الفريق تراجع عن موقفه في وقت لاحق، أغلب الظن بسبب الضغوط المتوقعة التي تعرض لها،
 ومع ذلك فإنه ظل وثيقة تاريخية قابلة للتوظيف والاستثمار في أي وقت إذا توفرت الإرادة السياسية المطلوبة.

في كل الأحوال، فالتوثيق مرحلة سابقة على التحقيق..
وبالمناسبة فإن مهمة التحقيق يفضل أن تتم من خلال مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التي سبق لها تشكيل لجنة تقصي الحقائق التي رأسها القاضى جولدستون..

إلا أن هناك وفرة من الخبراء والحقوقيين الفلسطينيين الذين يستطيعون أن يتعاملوا مع الإجراءات القانونية المطلوبة لإيصال ملف القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية،

وفي مقدمة هؤلاء الدكتور أنيس القاسم المحامي الدولي المعروف والخبير الدستورى لميثاق منظمة التحرير،

وهو في الوقت ذاته عضو فى لجنة جرائم الحرب الدولية فى جنيف، وقد شارك أكثر من 20 من أولئك الخبراء فى المؤتمر الدولي الذي عقد في بيروت عام 2005 حول إسرائيل والقانون الدولي، الذي ركز على كيفية التعامل مع جرائم الحرب التي ترتكبها.

رغم أن الكلام مبكر عن عرض الموضوع على المحكمة الجنائية الدولية إلا أن هذه الخطوة إذا قدر لها أن تتم فينبغي أن يكون ذلك من خلال أي دولة منضمة إلى معاهدة روما التي أنشأت المحكمة الدولية (في عام 1957).

وحتى الآن، فإن المملكة الأردنية هي الوحيدة فى العالم العربي التي أنجزت تلك الخطوة..
ويتردد أن السلطة الفلسطينية قدمت طلبا بهذا الخصوص، إلا أن ذلك لم يحسم بعد..

وقد أشرت توا إلى أن تحريك القضية في ذلك الاتجاه يتطلب إرادة سياسية أرجو أن تتوفر في الوقت المناسب.

(للعلم: نشرت صحيفة ها آرتس في 3/8 أن الحكومة الإسرائيلية شكلت فريقا لكي يستعد لمواجهة التحقيقات التي يمكن أن تجري في وقائع الحرب).

-4-

واجب الوقت ليس مقصورا على المسارعة إلى توثيق ما جرى،
 ولكنه ينبغى أن يشمل أيضا وعلى وجه السرعة محاولة التفكير فى إعمار القطاع والبحث عن أساليب فعالة لإيواء عشرات بل مئات الألوف الذين هدمت بيوتهم ولاذوا بالمدارس والمساجد والخرائب..
وتلك مهمة تحتاج إلى تضافر جهود أطراف عدة دولية وإقليمية إلى جانب المؤسسات والمنظمات العربية ذات الصلة..

وإذ أفهم أن تلك مسألة ينبغى أن يتصدى لها أهل الاختصاص مع أهل القرار السياسى، ولست انتمى إلى أى منهما،
 إلا أننى أسجل هنا ملاحظتين هما:

<
إننى قرأت عن معمارى يابانى اسمه شاجيرو بان، احتفل فى طوكيو قبل حين بمنحه جائزة الإبداع المعمارى.
 فقد نشرت عنه صحيفة لوموند الفرنسية فى 5/4/2014 مقالة استعرضت سيرته ومعالم تميزه.

وأشارت فى ذلك إلى تنفيذه مشروعات مهمة فى بلاده وفى فرنسا، إلى جانب تصميمه وتنفيذه بنايات فاخرة لعديد من الميسورين فى أوروبا..

لكن الرجل ذاع صيته أكثر حين قام بتصميم منازل صغيرة من الورق المقوى مخصصة لإيواء المنكوبين..
 وقد نفذ فكرته تلك فى عدة دول ضربتها الزلازل والكوارث الطبيعية مثل رواندا وتركيا والهند والصين، إضافة إلى بلده اليابان..
وتلك خبرة تستحق الدراسة وحبذا لو تمت الاستعانة بها لمواجهة الأزمة التى نحن بصددها.

<
الملاحظة الثانية أنه فى أعقاب العدوان الإسرائيلى على غزة فى بداية عام 2009 الذى أشاع قدرا غير قليل من الدمار فى القطاع اهتم اتحاد المهندسين العرب بمشروع إعمار القطاع..
 وطرحت آنذاك فكرة استخدام الأنقاض والركام فى إقامة مبان جديدة..

وفيما أذكر فإن الدكتور مهندس شريف أبوالمجد وكيل هندسة حلوان آنذاك درس الموضوع من هذه الزاوية..

ووجد أن ثمة تجارب ناجحة تمت فيها معالجة الأنقاض وتوظيفها في صناعة «بلوكات» تستخدم في إقامة مبان جاهزة جديدة.

ورغم ترجيح نجاح تكرار التجربة في القطاع إلا أن عوامل عدة عطلت تنفيذها، أهمها رياح السياسة ونقص التمويل.

وتلك خلفية تسمح لمثلي أن يتأملها جيدا، وأن يدعو إلى التفكير فيها كبدائل مرشحة للإسهام فى الإعمار المنشود.

إذا لاحظت أننا بحاجة إلى إرادة سياسية فى محاسبة إسرائيل على جرائمها أمام المحكمة الجنائية الدولية،
وأننا أيضا بحاجة إلى إرادة سياسية لفتح ملف إعمار غزة واللجوء إلى حلول مبتكرة لأجل ذلك، فربما أقنعك ذلك بأن السياسة هى بيت الداء، وأنها المشكلة وهي الحل.

< وإذا انتبهت إلى أننى لم أشر إلى دور للدول النفطية الخليجية في الحديث عن الإعمار، فلا تحسبن أننى سهوت عن ذلك،
لكننى تعمدته لأنني وجدت أن أبرز تلك الدول تقف في الناحية الأخرى.
لذلك فإن حماسها منصرف إلى أمور ليس بينها القضية الفلسطينية.

...................

2 التعليقات:

م/محمود فوزى يقول...

(اعتذار: أخطأت خلال اليومين الماضيين حين ذكرت ان الأستاذ راجي الصوراني مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في الضفة،
والصحيح أن المركز في غزة وليس في الضفة. )
من مقال الاستاذ فهمي هويدي
صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 11 شوال 1435 – 7 أغسطس 2014
العمى السياسي حين يتجلى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2014/08/blog-post_7.html

وقد تم التعديل

ابتكار لتصميم المواقع والتسويق الالكترونى يقول...

القانون
العلوم السياسية
علم الادارة
محاسبة
السياسة الخارجية
العلاقات العامة
الترجمة
الاعلام
الهندسة
الدراسة في فرنسا
الدراسة في المانيا
الدراسة في كندا




Delete this element to display blogger navbar