Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2014

المكارثية الجديدة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 6 ذو القعدة 1435 – 1 سبتمبر 2014
المكارثية الجديدة - فهمي هويدي

مسلسل «إمسك إخواني» هو الأشهر في مصر السياسية خلال العام الأخير.
ذلك انه اصبح الطريق الأسهل لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والوظيفية والسياسية بطبيعة الحال.

والقصة التي نشرها تحت ذات العنوان زميلنا الاستاذ عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق امس (الاحد 31/8) واحدة من عشرات القصص التي سمعتها خلال الأشهر السابقة.

ولم يلفت انتباهي في كلامه ما ذكره في أن مواطنا قبطيا اتهم موظفا بأنه «إخواني» لمجرد انه لم ينجز له عملا أراده،
 وحين حقق الوزير في الأمر اكتشف أن الموظف بريء من «التهمة»، وان الشكوى كيدية.

إذ وجدت انه ليس ضروريا أن يكون المواطن قبطيا لكي يفعلها، لأن ما اعرفه أن عشرات المسلمين لجأوا الى ذات الاسلوب، ونجحت بعض مساعيهم في حين خابت مساعٍ اخرى.

إنما الذي استوقفني فيما كتبه انه حذر من المكارثية في مصر، التي تعيد الى الاذهان اللوثة التي اصابت الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي،
حين قاد النائب الجمهوري جوزيف مكارثي حملة لتصفية المعارضين الليبرالىين بحجة انهم شيوعيون وجواسيس للاتحاد السوفييتي،
وقد حققت الحملة نجاحا نسبيا، قبل أن يثبت فشلها وزيف الادعاء الذي اطلقه الرجل وخوف به الليبرالىين المثقفين في الولايات المتحدة.

ما استوقفني هو التحذير من المكارثية في مصر الآن، وكأنها شبح يلوح في الأفق، في حين انها حقيقة ماثلة علي الارض منذ عدة اشهر،
ومع ذلك فالتحذير الذي اطلقه زميلنا يستحق الحفاوة والتقدير. ودعوته الى التعويل على الافعال والتصرفات التي تخالف القانون وليس على مجرد الانتماءات أو الاقوال المرسلة،

 ذلك كله شيء جيد يذكرنا بما هو بديهي ومن مسلمات أي دولة عصرية تعرف القانون.
وكما يقال فإن مثل هذه النصائح والتحذيرات اذا جاءت متأخرة افضل الا تأتي على الاطلاق.

قبل عدة اسابيع، اثناء الامتحانات الجامعية، ضبط احد المعيدين طالبا متلبسا بالغش، فطبق عليه ما تقضي به لائحة الجامعات،
 إذ حرر محضرا بالواقعة، بعد أن الغى امتحانه. إلا أن تلك لم تكن نهاية القصة، لأن والد الطالب ــ وهو محام له علاقاته الوثيقة ببعض قيادات الشرطة ــ حرر محضرا ضد المعيد واتهمه فيه بأنه اخواني ويحرض الطلاب على التظاهر والاضراب.

وتم حبك المحضر بحيث جرى تدعيم البلاغ بشهود وتحريات جاهزة.
وعلى الفور تحول المعيد الذي ضبط واقعة الغش الى اخواني محبط ومتهم.

وقد قيل له صراحة انه اذا لم يسحب محضر واقعة الغش فإن محضر اتهامه بالتحريض على التظاهر والاضراب سيأخذ مساره القانوني ومن ثم فاعتقاله وارد وقضيته جاهزة.

 ليس ذلك فحسب وانما حاولت ادارة الكلية أن تقعنه بسحب المحضر الذي حرره حتى لا يعرض نفسه لمشاكل لا حدود لها، ولن يستطيع احد أن يساعده في هذه الحالة.

 لا اعرف كيف انتهى الامر لأن معلوماتي وقفت عند حدود رفض المعيد الاستمرار في مراقبة الطلاب أثناء ادائهم الامتحانات واعتصامه بمكتب عميد الكلية الذي لم يستطع حمايته.

لقد قرأنا مؤخرا عن عزل مدير احدى الجامعات لمجرد انه إخواني،
وعن نقل عدد من مهندسي وزارة الكهرباء بسبب التهمة ذاتها،
وهي ما تكرر في وزارة التعليم العالي.
كما نشرت الصحف اخبارا عن تطهير الازهر ووزارة الاوقاف ممن جرى الشك في انتسابهم للإخوان،
كما تحدثت الصحف عن تطهير كلية الشرطة من ابناء عائلات الاخوان،
 ونوه بعضها الى أن ابن شقيقة الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة واحد من هؤلاء، وهو الآن طالب بالسنة الثالثة بالكلية.

هذا في حدود ما أعلن وتحدثت عنه وسائل الإعلام،
أما ما لم يعلن فالله اعلم به ــ إلا أن ما يهمنا في الامر أن تلك الاجراءات اتخذت ليس بناء على وقائع أو مخالفات للقانون نسبت الى هؤلاء، ولكن لمجرد انتسابهم أو صلة القرابة التي تربطهم ببعض الاخوان أو اعتمادا على تقارير وتحريات جهاز أمن الدولة.
وهذه هي المكارثية الجديدة في مصر.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، فالتخويف والترهيب بالانتماء الى الاخوان اصبح اسرع سلاح يستخدم لتشويه وقمع الناقدين أو المعارضين المستقلين،
لذلك فإن نسبة غير قليلة منهم تتحسب لذلك الاحتمال ولا تعلن رأيا في أي قضية الا بعد أن تؤمن نفسها بأن تقدم له بسب الاخوان ونعتهم بأقذع الصفات، ثم تسجل بعد ذلك نقدها للوضع الذي تريد.
في ظل تلك الاجواء رفع شعار «من ليس معنا فهو ضدنا».

وصار الحياد مرفوضا ومدانا من ثم اصبح كل من لم يسب الاخوان مطعونا في حياده ومتهما بانتمائه السري الى الاخوان،
 حتى اذا لم تكن له أي علاقة بتنظيمهم.

وما لم يلجأ المرء الى إعلان البراءة عن طريق اثبات السب واللعان، فإن أي رأي يبديه في أي قضية وطنية أو عربية أو حتى رياضية ينسب الى الشك في انتمائه الايديولوجي وتنسيقه مع الجماعة وانصياعه لتنظيمهم الدولي. وعليه اذا اراد أن يثبت العكس.
واسألني في ذلك، فلا ينبئك مثل خبير.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar