Subscribe:

Ads 468x60px

28 يوليو، 2014

يعبرون عن أسوأ ما فينا

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 1 شوال  1435 – 28 يوليو 2014
يعبرون عن أسوأ ما فينا – فهمي هويدي

لا أعرف كيف نعتذر للعالم العربي عن تدهور خطابنا الإعلامي،
ولا كيف نقنع أشقاءنا في المشرق والمغرب بأن انهيار قيمه فيما تبثه أغلب المنابر الإعلامية لا يمثلنا ولكنه يعبر عن أسوأ ما فينا.

أقول ذلك في حين مازلنا في مصر نحاول بالاعتذار وبشتى طرق التصالح الأخرى إزالة آثار الإهانة التي وجهتها إحدى المذيعات للشعب المغربي.

كما يحاول ممثل مصر في رام الله التنصل مما صدر عن «إعلامي» آخر مهينا للشعب الفلسطيني،

وما كتبته إعلامية أخرى أعربت فيه عن حفاوتها بالغارات الإسرائيلية على غزة وما تفوهت به إعلامية شابة استخفت بقتل الفلسطينيين واعتبرت أنه لا غضاضة في ذلك وأن مصر لا شأن لها بما يجري هناك.

هذا قليل من كثير يلحظه كل من تابع أداء الإعلام المصري، والتلفزيوني منه بوجه أخص. بعدما تحول أغلب مقدمي برامجه الحوارية، الرجال منه والنساء، إلى «نشطاء» يوجهون الرأي العام ويعظون المشاهدين كل يوم بآرائهم في مختلف القضايا العامة.
حتى صاروا هم مقدمو البرامج وهم الضيوف وهم السائلون وهم المجيبون وهم المذيعون وهم المعقبون.

وبسبب تواضع معارفهم ومحدودية قدراتهم، فإنهم أساءوا إلى المهنة بقدر ما أساءوا إلى مصر.

 إزاء ذلك لم يكن مفاجئا أن تتراجع نسبة مشاهدي البرامج الحوارية بشكل ملحوظ في داخل مصر ذاتها، حتى سمعت من أخبر الخبراء أن نسبة المشاهدين الآن هبطت إلى ثلث ما كانت عليه في السابق.
 الأمر الذي يعني أن ثلثي المشاهدين في مصر ملوا متابعة تلك البرامج وانصرفوا عنها.

ليس الأمر مقصورا على التدهور في الأداء المهني، لأن الأداء السياسي شهد مستويات عدة من التدهور
ذلك أنهم منذ تحولوا إلى «نشطاء» انخرطوا في الاستقطاب وتنافسوا في ركوب الموجة والدفاع عن سياسات النظام القائم.
وتراوحت مرافعاتهم اليومية بين الهبوط في الأفكار والتغليط في المعلومات والبذاءة في التعبير.
 بحيث أصبح أداء الإعلام المصري بمثابة سلسلة من الفضائح التي أسهمت في تشويه صورة البلد في الخارج ولطخت سمعتها.

إذا أردنا أن نكون أكثر دقة وإنصافا فربما جاز لنا أن نقول إن ذلك الأداء المتدني ليس بعيدا تماما عن السياسة.
ليس فقط لأن بعض الأبواق عالية الصوت التي تسهم بقسط أوفر في الابتذال والتجريح وثيقة الصلة بالأجهزة التحتية،

ولكن أيضا لأننا نلاحظ أن مدفعية التجريح وسيل الإهانات والبذاءات عادة ما تستهدف المخالفين من دول الإقليم.
وهو ما يسوغ لي أن أقول إن حملة الاعتذارات للمملكة المغربية ليس سببها أن عبارات مهينة وجهتها إحدى المذيعات لذلك البلد الشقيق،
وإنما السبب الحقيقي لها أن المغرب يحتفظ بعلاقات طيبة مع مصر، وأن المملكة ليست من الدول المخالفة لسياساتها.

دليلي على ذلك أن مثل هذه العبارات وما هو أسوأ منها وجهت إلى دول أخرى على خلاف مع مصر، وتم التسامح معها ولم يعتذر عنها.
 كأن هبوط المستوى ليس مزعجا لنا بحد ذاته، ولكننا نتحفظ عليه فقط حين يستهدف إحدى الدول الصديقة.

إذا وسعنا الدائرة فسنجد أن المشكلة تكمن في رسوخ فكرة استباحة الآخر المغاير والمخالف، سواء كان في الداخل أو الخارج.

ذلك أننا نشهد تلك الاستباحة مع المخالفين في الداخل تماما كما تشهدها مع المخالفين في الخارج.

والقاعدة الحاكمة لذلك الموقف هي أنه «لا كرامة لمخالف».

وحين يكون الأمر كذلك فإن الباب يصبح مفتوحا على مصراعيه لمختلف صور التجريح والتجاوز والاستباحة.
وهذه الأخيرة تصبح بلا سقف.

وإذا لاحظنا أن المخالف في الداخل حتى إذا كان من الحلفاء يلاحق باتهامات من قبيل الانخراط في الطابور الخامس والخيانة والعمالة والإرهاب أحيانا.
كما يشهر به بالتسجيلات وما أدراك ما هي، فلك أن تتصور مدى تلك الاستباحة حين يتعلق الأمر بدولة شقيقة ولا يكون هناك سقف للتشويه والتجريح والسباب.

الإعلام المكتوب ليس أفضل كثيرا من المرئي أو المسموع، ذلك أن جرأة بعض العاملين فيه ذهبت إلى حد إهدار أبسط قواعد المهنة وبديهياتها،

آية ذلك مثلا أنني تلقيت هذا الأسبوع رسالة من الدكتورة ريما خلف مساعد الأمين العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
شكت فيها من أن جريدة الدستور المصرية نسبت إليها حوارا امتدحت فيه النظام القائم، ووصفت تسلم الرئيس السيسي وثيقة حكم مصر باعتباره «مرحلة جديدة في تاريخ العرب».

ولما كان الحوار مختلقا ولا أساس له، فإنها طلبت من مكتب الإعلام التابع للأمم المتحدة أن يبلغ الصحيفة بذلك لكي تصحح الوضع وتعتذر عنه،
وحين تم ذلك فإنها لم تقم بأي إجراء.

سألتني الدكتورة ريما، النائب السابق لرئيس الوزراء بالأردن، ماذا تفعل في هذه الحالة؟
 لم أستطع أن أرد على السؤال لأنني اعتبرت ما جرى معها جزءا من مشكلة كبرى نعاني منها، حتى سولت لي نفسي أن أعتبرها محظوظة، وأدعوها لأن تحمد الله على أن التدليس والافتراء عليها وقف عند ذلك الحد(!).

....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar