Subscribe:

Ads 468x60px

04 يونيو، 2014

وصية الملك خيتى

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 6 شعبان  1435 –4 يونيو 2014
وصية الملك خيتى – فهمي هويدي

القرار مهم والرسالة أهم.
أتحدث عن قرار وقف بث حلقات «البرنامج» الذي يقدمه باسم يوسف،
 أما الرسالة فهي أن الهزل أيضا له خطوطه الحمراء، التي لا يسمح لأحد بالاقتراب منها أو تخطيها.
 ومن يشك في ذلك ففي تجربة باسم يوسف عبرة لمن يعتبر.

بعد العطلة التي طالت والتأجيل الذي جرى تبريره بأعذار عدة. كان من بينها عدم تعكير صفو الانتخابات الرئاسية بما قد يؤثر على الرأي العام، الذي قد يستقبل الهزل باعتباره نوعا من الجد غير المرحب به في تلك الظروف.

 بعد كل ذلك حان موعد العودة إلى بث البرنامج يوم الجمعة 30 مايو. إلا أن اللغط بدأ يثار حول مصيره.
إذ ترددت شائعات أن العطلة (أو التعطيل) ستستمر إلى أجل آخر، في حين تحدثت شائعات أخرى عن إلغاء البرنامج تماما.
 وقوى من الشائعات الأخيرة أن إعلاميا سعوديا أجرى اتصالا هاتفيا جرى بثه مع إحدى قنوات الفلول المصرية قال خلاله إن خادم الحرمين أمر بألا تبث قناة سعودية (يقصد إم. بي.سي) برنامج باسم يوسف بدعوى أنه يسيء إلى القيادة والجيش في مصر.
وبصرف النظر عن مدى صحة ذلك الادعاء. فإنها كانت المرة الأولى فيما اعلم التي يتدخل فيها العاهل السعودي فيما يجوز أو لا يجوز بثه تلفزيونيا في مصر.

 إذ رغم أن ملاك القناة سعوديون إلا أن أحدا لم يحسب ما تبثه على المملكة التي نعرف حساسيتها ازاء النقد خصوصا عاقبة التورط في عدم طاعة ولى الأمر.

في الوقت ذاته فإنه لم يعد سرا أن السلطة الحالية في مصر لم تكن سعيدة بالبرنامج.
وقد عبرت عن امتعاضها منه أكثر من مرة. وهو ما أدى إلى تعثر انتظام البث حينا والتشويش على حلقاته في أحيان أخرى كثيرة،
 إلى جانب تعرض باسم يوسف والبرنامج لحملة تشهير وتجريح من جانب ابواق السلطة ومنابر الفلول ودراويش النظام الجديد. مرة بدعوى الغيرة على الفضائل والأخلاق العام، ومرات بدعوى الحفاظ على الثوابت وعدم احترام المقامات والمساس بالمقدسات السياسية.

فيما بدا لنا على الأقل فإن تلك الضغوط بدت وكأنها نوع من الضريبة التي يتعين أن يدفعها صاحب الرأى الحر في بلادنا خصوصا إذا مارس جرأته ونجح في تقديم مادته على نحو جذاب ومشوق. جعل البرنامج في مقام الأعلى مشاهدة والأكثر شهرة والأشد ظرفا في العالم العربي.
 إلا أن الضغوط تضاعفت في الآونة الأخيرة حتى أصبحت تفوق القدرة على الاحتمال، وهو ما عبر عنه باسم يوسف صراحة في المؤتمر الصحفي الذي عقده مساء الاثنين 2/6، وأعلن فيه توقف البرنامج.
 إذ قال إنه تعب من استمرار المعاناة، ومن حالات التخويف والترهيب، حتى إنه لم يعد آمنا على نفسه أو أسرته أو العاملين معه في البرنامج.

 وإزاء الضغوط التي مورست عليه وعلى البرنامج من كل صوب، فإن استمراره بات متعذرا، حيث لم يعد المناخ العام مستعدا لاحتماله، وهو المناخ الذي وصفه بأنه «أزهى عصور الديمقراطية».

الرسالة جاءت صادمة، حيث لم يكن متصورا أن يكون ذلك مصير برنامج ساخر تمتع بجرأة عالية في تناول الشأن العام، بعد ثورة 25 يناير.
وقد مارس تلك الجرأة اللاذعة إزاء رئيس الدولة بصورة أسبوعية طوال السنة التي حكم فيها الدكتور محمد مرسى الذي لم تخل حلقة من نقد ممارساته وإضحاك الملايين عليها.
إلا أن صدور أولى الأمر لم تعد تحتمله بعد 30 يونيو. حيث ظل يتعرض للضغوط والترهيب طوال الأشهر العشرة الماضية، إلى أن اضطر إلى التوقف في نهاية المطاف.

لم تعد المشكلة مقصورة على أننا حرمنا من نموذج فريد من السخرية السياسية بدد بعض مشاعر الإحباط والكآبة التي باتت تحاصرنا،
ذلك أن المشكلة الأكبر تمثلت في أن الضغوط التي أدت إلى تعثر البرنامج ثم أفضت إلى إيقافه جاءت دالة على أن مؤشر حرية التعبير في انخفاض مستمر، وأن ضيق الصدر بالنقد لم يعد يحتمل حتى السخرية التي هي إحدى صور التنفيس التي لجأ إليها المصريون على مدار تاريخهم،
وكل الذي حدث أن باسم يوسف نقلها من الشارع إلى التلفزيون.

 لذلك فإن كل فعله الإيقاف أنه منع بث البرنامج على التلفزيون. في حين أن عرضه مستمر في الشارع. نشهد بذلك التعليقات اللاذعة التي توالت على تويتر بعد المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه الخبر.

هذه خلاصة الرسالة التي تلقيناها مع خبر إيقاف البرنامج.
وقد شاءت المقادير أن يذاع الخبر متزامنا مع الإعلان عن اتجاه وزارة الداخلية إلى مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي.
وهو ما يمثل خطوة أخرى في اتجاه التضييق على حرية التعبير تضيف سببا آخر لإشاعة الخوف حتى بين المواطنين العاديين.

أما الدلالة الموجعة فإن ذلك حدث في توقيت انتهاء الفترة الانتقالية والإعلان الرسمي عن فوز رئيس الجمهورية الجديد. وهو ما يلقى بظلال من الشك لا تساعد كثيرين على التفاؤل بالوضع المستجد.

وإذ لا استبعد أن يكون ذلك التزامن من قبيل المصادفات. إلا أن المواطن العادي يعذر إذا ما ربط بينها ورأى في المستقبل صورة قاتمة، تكاد تجهض ما كان يحلم به منذ قامت ثورة 25 يناير 2011.

في الجزء الثاني من كتاب «شخصية مصر» للدكتور جمال حمدان فصل عن «الطغيان الفرعوني»، أورد فيه نص رسالة الملك خيتى لابنه مريكارع (حوالي 2000 سنة قبل الميلاد يقول فيها:
 إذا وجدت في المدينة رجلا خطرا يتكلم أكثر من اللازم ومثيرا للاضطراب، فاقض عليه واقتله وامح اسمه وأزل جنسه وذكراه وأنصاره الذين يحبونه، فإن رجلا يتكلم أكثر من اللازم لهو كارثة على المدينة.

حين قرأت تلك العبارة قلت إن على باسم يوسف وفريقه ومحبيه أن يحمدوا الله ويشكروا أولى الأمر، لأنهم تسامحوا كثيرا حين لم ينفذوا وصية الملك خيتى كاملة.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar