Subscribe:

Ads 468x60px

29 يونيو، 2014

حسن النية لا يكفي

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 1 رمضان  1435 –29 يونيو 2014
حسن النية لا يكفي – فهمي هويدي

من الإشارات الجيدة التي ظهرت في الإعلام المصرى خلال الأسبوع الماضى واحدة انتقدت فكرة عقد مؤتمر للمانحين للنهوض بالاقتصاد المصري، ودعت إلى استبداله بمؤتمر آخر للمستثمرين.

قرأت أيضا تعليقا تحفظ على مسألة الاعتماد على التبرعات في محاولة الإنقاذ المنشودة، حذر فيه صاحبه من أن التبرعات لا تبني دولة.

كانت هناك إشارة ثالثة عكستها استطلاعات أجرتها إحدى الصحف للتحقق من أصداء اقتراح بدء العمل في دواوين الحكومة في الساعة السابعة صباحا.
وبينت تلك الاستطلاعات أن الاقتراح لم يؤخذ على محمل الجد، وأنه لم يطرأ تغير يذكر على أداء العديد من مؤسسات ومرافق الدولة.

لي ملاحظتان على تلك الإشارات،
الأولى أنها بمثابة تطور إيجابي بدا وكأنه تغريد خارج على سرب التهليل والتصفيق، الذي أصبح سمة للخطاب الإعلامي المصري في مختلف منابره.
أعنى أنها كانت بمثابة تحفظات على تلك المبادرات وتشكيك فىِ جدواها، ومنها ما اقترح مراجعة بعضها وتصويبه. وذلك أمر جيد لا ريب.

الملاحظة الثانية والأهم أن المبادرات التي جرى انتقادها جاءت تعبيرا عن حسن النية بأكثر مما قدمت حلولا عملية للمشكلات التي تواجه الاقتصاد المصري.
 إذ يكاد المرء يلمح فيها ليس فقط تبسيطا للمشكلات، وإنما أيضا أنها لم تدرس جيدا من جانب أهل الاختصاص.
ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنها بدت وكأنها خواطر طرأت على البال في لحظات معينة، ثم طرحت على الرأي العام مباشرة قبل أن تأخذ حقها من التدقيق والتمحيص.

إن فكرة مؤتمر المانحين ليست جديدة ولكنها طرحت في حالات أخرى سابقة في الصومال واليمن وسوريا.
 ورغم أن لها ثمنها السياسي الباهظ فإنها لم تحقق تقدما يذكر في تلك الأقطار،.
 ناهيك عن أن ما قد يصلح لحل أزمة بلد يضم عشرين أو ثلاثين مليونا من البشر، قد لا يكون حلا لمشكلة بلد كمصر يضم 90 مليونا.

أما تغيير مواعيد العمل فبدوره ليس فكرة جديدة، فقد طبقت في ماليزيا ولكنها كانت ضمن رؤية استهدفت تغيير عوائد العاملين في الجهاز الإداري،
 واعتبرت أحد بنود مشروع تحقيق التنمية البشرية التي أنشئت وزارة خاصة لأجلها.

مسألة التبرع بنصف الراتب الشهري لا إبداع فيها،
 فالرئيس التونسي المنصف المرزوقي خفض راتبه إلى الثلث وتبرع بالثلثين في شهر ابريل الماضي،
والرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند ما إن تسلم منصبه حتى تنازل هو و34 وزيرا فى حكومته عن 30٪ من رواتبهم.
 بل إن رئيس أوروجواي خوسيه موخيكا تبرع بـ90٪ من راتبه (12 ألف دولار فى السنة) واختار أن يعيش هو وأسرته بعشرة في المائة فقط.. الخ.

أحد الأسئلة التي تخطر على البال هو:
 هل يستشير الرئيس عبد الفتاح السيسى أحدا في المبادرات التي يعلنها؟
لست وحدي من عنَّ له السؤال، ولكن زميلنا الأستاذ إبراهيم عيسى ألقاه في أعقاب إعلان الرئيس عن تبرعه بنصف راتبه.
 ولأنه يبدو أقرب إلى دوائر صنع القرار فقد كتب يوم 25/6 في صحيفة التحرير التي يترأسها قائلا:
 حتى الآن لا يعتمد الرئيس السيسي على مستشارين.
وبعد أن امتدح صراحته في حديثه عن الموازنة العامة والأزمة الاقتصادية، أضاف قائلا أن التبرع بنصف ممتلكاته وراتبه تعبير عن إخلاص ونية صادقة، لكنه ليس حلا. لا راتبه ولا تبرعاته أو تبرعات أي أحد.

واستطرد قائلا: إن مصر جربت كثيرا طريقة النوايا الحسنة وجمع التبرعات وفشلت كلها. ولا أظن أن حظها مع السيسي.
إذ بدا متشككا في جدوى فكرة التبرع، فإنه تساءل عن وجود المستشارين ودورهم المهم في تمحيص أي فكرة قبل إطلاقها.

وهو ما اتفق معه فيه تماما. لكنني أتحدث عن شيء أبعد من ضرورة دراسة الفكرة، حيث أتمنى أن تكون جزءا من رؤية استراتيجية واضحة. وهو ما يبدو أننا نفتقده في الوقت الراهن.
 وهو نفسه ما أخذته على فترة حكم الدكتور محمد مرسي وانتقدته في حينه.

ليس ذلك وحده ما يبعث على القلق، لكن ما يقلقني أيضا أن يكون الرئيس السيسي لا يزال معتمدا على معلومات وتقديرات الأجهزة الأمنية التي ظل يعمل فيها وعلى رأسها لفترة ليست قصيرة.
وفي حدود علمي فإنه نقل إلى مكتبه بعضا من مساعديه حين كان رئيسا للمخابرات الحربية.

ولا أستطيع أن أقلل من شأن تقارير وتقديرات تلك الأجهزة، لكنني أزعم أنها إذا أدت دورها في محيطها فإنه لا يطمئن إلى كفايتها حين يتعلق الأمر بمستقبل البلد والمجتمع بأسره.

إن السؤال الكبير الذى ينبغي أن يطرح في مواجهة هذا الموقف هو
 لماذا لا تدعى العقول المصرية الخبيرة إلى مؤتمر تناقش فيه الأزمة الاقتصادية وحلولها،
ولماذا لا تتولى تلك العقول صياغة الرؤية المتكاملة ووضع الاستراتيجية التي تتيح للوطن أن يتحرك صوب المستقبل بثقة واطمئنان.

إن الإخلاص على العين والراس والنوايا الطيبة تقدر وتحترم، لكننا ينبغي ألا نعول عليها وحدها، لأننا نحفظ منذ وعينا أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar