Subscribe:

Ads 468x60px

21 يونيو، 2014

آسفون يا شرطة!

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 23 شعبان  1435 –21 يونيو 2014
آسفون يا شرطة! – فهمي هويدي

في أحدث حلقة من مسلسل إعادة كتابة تاريخ ثورة 25 يناير، قال محامي أحد قيادات الداخلية أمام محكمة جنايات القاهرة في الأسبوع الماضي إن المتظاهرين هم الذين قاموا بالاعتداء على الشرطة وليس العكس.

ولكي يؤيد الرجل كلامه فإنه قدم شريطا مصورا مدته ساعتان إلا ربعا لبعض المشاهد واللقطات المجتزأة التي حاول بها إقناع المحكمة بأن الشعب المفتري وثواره الأشرار هم الذين جنوا على الشرطة التي كانت خرجت لاحتضانهم وتهدئة خواطرهم.

كان صاحبنا كريما فلم يتهم الثوار بتعذيب الشرطة، ولكنه اكتفى بتوجيه اتهامه للمتظاهرين في تطوير للموقف التقليدي الذي دأبت الداخلية على إعلانه في كل تصادم يقع.
وهو الذي لا ينسب إلى الشرطة اعتداء ولكنه يقرر دائما أن المتظاهرين هم الذين بدأوا العدوان، وفي كل مرة «تضطر» الشرطة للرد دفاعا عن النفس.

اتهام المتظاهرين بالاعتداء على الشرطة يسبقه ادعاء آخر هو أن خروج الجماهير في 25 يناير كان مؤامرة لإسقاط الدولة المصرية.
 وهو ما ذكره المحامي مرددا الفكرة التي ما برحت تروج لها وسائل الإعلام وبعض أركان وأبواق نظام مبارك.
 وهو الخطاب الذي انتج عبارة «نحن آسفون يا ريس».

لإنعاش الذاكرة، ولكي لا يلتبس الأمر على أحد، فربما كان مفيدا أن نتابع حلقات المسلسل من بدايته.

في هذا الصدد أزعم أن ما عرض علينا في المشهد أربع حلقات تتابعت على النحو التالي:

*
الحلقة الأولى تمثلت في تقرير لجنة لتقصي حقائق أحداث الثورة
(من 25 يناير 2011 إلى 11 فبراير من العام ذاته).
وهي اللجنة التي رأسها المستشار الدكتور عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض، وضمت من بين أعضائها عددا من كبار القانونيين وعلماء الاجتماع، الذين استعانوا بفريق من الباحثين والمساعدين،

وفي التقرير ذكرت اللجنة ما نصه «أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوش ذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين،
 أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير. خاصة من مبني وزارة الداخلية ومن فوق فندق النيل هيلتون ومن فوق مبني الجامعة الأمريكية،
وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة،

ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر،
على أن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة رئاسة وزير الداخلية».

*
هذه الإدانة الصريحة للشرطة (الموجهة إلى قياداتها بطبيعة الحال) جمدت وتم تجاهلها.
وقد تحركت المؤسسة الأمنية بسرعة لإجهاضها. فتوالت التقارير والشهادات التي بدأت تروج لفكرة أن غرباء ظهروا في ميدان التحرير. ومنهم من اعتلى المباني العالية وشارك في القنص.
وبدأت أصابع الاتهام تشير إلى مجموعات من حركة حماس وحزب الله استثمارا لأجواء العلاقات السلبية المخيمة على علاقات القاهرة بالاثنين.
ولم يعرف بعد كيف استطاعت تلك المجموعات الوصول إلى ميدان التحرير،
ولماذا لم ترصدها المخابرات الحربية التي كان يرأسها آنذاك اللواء عبدالفتاح السيسي؟

 الشاهد أن إقحام حماس وحزب الله في المشهد كان من شأنه أن يخفف من الاتهام الموجه إلى الشرطة المصرية ويشرك طرفا آخر في المسؤولية عن العنف الذي وقع والقتل الذي حدث،

وكان قد سبق استدعاء حماس وحزب الله حديث متواتر عن «طرف ثالث» غير المتظاهرين والشرطة، ولم يكن ذلك الطرف الثالث سوى هؤلاء المتسللين عبر الحدود.

*
بعدما تولت الأجهزة الأمنية كتابة تاريخ تلك الفترة، غسلت أيدي الشرطة من العنف وتمت تبرئة الضباط ومساعديهم الذين اتهموا في جرائم القتل.
وفي أكثر من أربعين قضية حكمت المحاكم ببراءة جميع الضباط المتهمين.
وحين لم يكن هناك مفر من إدانة عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، فإن هؤلاء أطلق سراحهم في وقت لاحق
(كما في حالة الضابط الذي أدين في قتل سيد بلال بالإسكندرية)
أو ألغى الحكم وتقررت إعادة المحاكمة من جديد
(كما في حالة الذين أدينوا في قتل 37 معتقلا أثناء ترحيلهم إلى سجن أبوزعبل).

*
المرحلة الرابعة هي التي نحن بصددها الآن، وبمقتضاها لا تتم تبرئة ضباط الشرطة وحسب، ولكن يتهم المتظاهرون بالاعتداء عليهم، ومن ثم تحميلهم مسؤولية العنف الذي وقع.

بقيت مرحلة أخيرة -لا نعرف متى ستجئ -تتم بمقتضاها محاكمة الذين تظاهروا في 25 يناير بتهمة الاعتداء على الشرطة والاشتراك في إسقاط الدولة المصرية.
ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يظهر في الأفق شعار يعبر عن الاعتذار والندم يقول بالفم الملآن، آسفون يا شرطة.

ما جرى يذكرني بقصة ربما رويتها من قبل، خلاصتها أن «لورد» إنجليزيا قرر فجأة أن يهاجر من بلاده،
حين سئل عن السبب في ذلك قال إن الشذوذ الجنسي كان مجرما في بلاده، ولكنه أبيح بعد ذلك،
 وتطور الأمر بحيث أصبح استهجانه جريمة يعاقب عليها القانون،
 ثم أصبح الشاذون يطالبون بحقوقهم في الميراث والمعاش،
 ثم سمح لهم بالتبني،
وإزاء استمرار الاستجابة لطلباتهم فإن اللورد توجس من المستقبل.
وقال لمن سأله إنه قرر أن يهاجر قبل أن يصبح الشذوذ إجباريا.

النقطة الأخيرة هي التي تهمني، إذ تدعوني إلى التساؤل عما إذا كان استمرار المسلسل سوف يؤدي في النهاية إلى محاسبة ثوار 25 يناير ومحاكمتهم،
وربما نصحوا في هذه الحالة بأن يحاولوا الهجرة من مصر قبل وقوع المحظور.

.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar