Subscribe:

Ads 468x60px

14 يونيو، 2014

كرامتك من عرضك

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 16 شعبان  1435 –14 يونيو 2014
كرامتك من عرضك – فهمي هويدي

لدي بضع ملاحظات أردت أن أنبه إليها بعدما تابعت أصداء واقعة التحرش التي حدثت في ميدان التحرير بالقاهرة يوم الأحد 8/6:

إن الصدى الإعلامي كان قويا في تعبيره عن الاستنكار والغضب، وعبرت وسائل الإعلام عن الانفعال حتى أن إحدى صحفنا طالبت بإعدام المتحرشين في حين تواضع صوت آخر طالب بالاكتفاء بإخصائهم.
وأحسب أنني لست الوحيد من كتَّاب الرأي الذي تلقى سيلا من التعليقات التي انتقدت شيوع «قلة الأدب» بين الأجيال الجديدة.

إن موقف رئاسة الجمهورية كان مقدرا، سواء حين اعتذر الرئيس للسيدة التي جرى تصويرها أثناء وقوع الجريمة، وظهر الشريط على اليوتيوب،
أو حين وجه الرئيس رئيس الحكومة بضرورة الاهتمام بمكافحة الظاهرة وتشكيل لجنة وزارية خاصة، لذلك الغرض.

إن الاهتمام وجه إلى الضحية التي تم تصويرها أثناء وقوع الجريمة، الأمر الذي صدم الرأي العام في الداخل والخارج، إلا أننا لم نسمع شيئا عما جرى مع سبع أو ثماني حالات أخرى لسيدات تعرضن للتحرش في نفس اليوم، ولكن لم يتم تصويرهن، حيث اكتفين بإبلاغ الشرطة فقط بما جرى لهن.

لاحظنا في الوقت ذاته أن وزارة الداخلية دخلت على الخط حيث كافأت ضابط الشرطة الذي أنقذ الفتاة، ومعه اثنان من أمناء الشرطة.
لكن الضابط الشهم كان قد ذكر في شهادته المتداولة أنه ظل يدافع عن الفتاة ويحميها من الذئاب الذين تجمعوا حولها طوال ساعة ونصف الساعة، وأن الشرطة ظهرت في الدقائق العشر الأخيرة.

كما أن الروايات المتواترة أجمعت على تقاعس الشرطة وضعف حضورها في الميدان آنذاك.
 وقرأت تعليقا ذكر أن الشرطة باتت تستنفر فقط لمواجهة النشطاء السياسيين، وأن ما دون ذلك أصبح يحتل مرتبة ثانية في الأهمية.

الملاحظة الأهم من كل ما سبق، التي دفعتني إلى العودة لمناقشة الموضوع، أن الغضب لوقوع التحرش أو الاعتداء الجنسي يعيد فتح ملف مفهوم الشرف والعرض في ثقافتنا.

ذلك أن الاهتمام الكبير الذي يستحقه فإنه فاق بكثير غضب النخبة والمجتمع إزاء انتشار التعذيب والاعتداءات البدنية والجنسية التي يتعرض لها المعتلقون والناشطون منذ عدة أشهر (شهاداتهم مسجلة ومتاحة على الإنترنت).
وتلك مقارنة تستحق وقفة نعيد فيها التفكير في المشهد.

تحضرني في هذا الصدد مقولة كتبها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وسمعتها منه أكثر من مرة، خلاصتها أننا في العالم العربي نقيم الدنيا ولا نقعدها إذا ما تعرض شرف المرأة للاعتداء، لكننا لا نكترث كثيرا ونتعامل ببرود مشهود مع الانتهاكات التي يتعرض لها شرف الأمة وكرامة المجتمع.

 وغني عن البيان أن المقولة لا تستنكر الغيرة على شرف المرأة، ولكن مناط الاستنكار هو التضييق من مفهوم الشرف وحصره في الاعتداء الجنسي وحده.
وهو ما يؤدي إلى إخراج إذلال الناس أو إهانة المجتمع وإهدار كرامات أفراده من الأمور التي تستحق الغيرة واستنفار الهمم والضمائر.

صحيح أن العرض له مكانته الرفيعة في ثقافة العرب وهو أمر محمود لا ريب، لكن ما يحتاج إلى مراجعة وتصويب أو تطوير هو مفهوم العرض، حيث لا يعقل أن يظل مقصورا على ما هو جنسي وأخلاقي، ويتجاهل ما هو إنساني.

أدري أن مصطلحات مثل العرض والشرف والأخلاق فضفاضة ولها في الثقافة الغربية مفاهيم أخرى تختلف عما هو متعارف عليه عندنا، لكنني لست في وارد مناقشة هذا الموضوع في الوقت الراهن.

 
وما يعنيني على وجه الدقة هو التنبيه والتنويه إلى أن ظاهرة التعذيب لا تقل في خطورتها عن ظاهرة التحرش، وأن انتهاكات حقوق الإنسان ينبغي أن تلقى القدر من الاهتمام الذي نوليه للاعتداء على أعراض النساء.

ولا بد أن يدهشنا في هذا الصدد أن المجلس القومي لحقوق الإنسان وقع في ذلك المحظور.
إذ أصدر بيانا قويا أدان فيه ظاهرة التحرش وطالب بإنزال عقوبات رادعة على المعتدين، في حين أن موقفه من ظاهرة التعذيب يبدو ضعيفا ومتخاذلا. رغم أن شهادات التعذيب المتداولة في مصر الآن تؤرق الضمير وتشعر المرء بالحزن والخزي.

وهو ما ينبهنا إلى بُعد آخر في القضية ينبغي أن يشمله التحليل.
 ذلك أن الحماس القوي لإدانة العنف الجنسي لا يرجع إلى خلل في المفاهيم فقط وإنما له أسباب أخرى.
 ذلك أن البعض يشتد في الإدانة ويتحمس لها لأن التحرش يصدر عن أفراد في المجتمع من السهل الجرأة في مواجهتهم.

 
أما حين يتعلق الأمر بالتعذيب الذي يتعرض له المعتقلون فإنه يتعلق بممارسة السلطة القائمة والمؤسسة الأمنية، الأمر الذي يستدعي قدرا من التردد والحذر.
 ذلك أن الحماس مجاني في الحالة الأولى في حين أنه مكلف في الحالة الثانية.

من العبارات الشهيرة في السينما المصرية أنه لا شيء أهم من الشرف.
وهذا صحيح شريطة أن نضم كرامة الإنسان رجلا كان أو امرأة ضمن شرفه الذي ينبغي أن يصان.

.............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar