Subscribe:

Ads 468x60px

15 مايو، 2014

نكرههم أم نرثي لحالهم؟

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 14 رجب  1435 –15مايو 2014
نكرههم أم نرثي لحالهم؟ - فهمي هويدي 

لا يستطيع المرء أن يكتم شعوره بالاستهجان والسخط وهو يتابع الأخبار والتقارير التي تطوف أنحاء العالم معبرة عن الصدمة والدهشة إزاء ممارسات جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا.
حتى إذا قيل انهم يدعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية فإنه يظل من غير المفهوم أن يكون لذلك الهدف علاقة بخطف أكثر من مئتي فتاة من إحدى مدارس شرق البلاد. والمطالبة بمقايضتهن بعناصر للجماعة تحتجزهم السلطة.

وإذ يرفضهم المرء وهو مغمض العينين. ويتضامن مع الحملة العالمية لإطلاق سراح الفتيات المخطوفات، فإنه لا يعرف ما إذا كان عليه ان يكرههم فقط، أم ان يرثي لبؤس حالهم أيضا.

ذلك ان الجماعة التي تأسست منذ عشر سنوات لم تأت من فراغ، وانما هي حصيلة تفاعلات وتراكمات عميقة متعددة في المجتمع النيجيري المركب الذي تختلط فيه الديانات والأعراق والمذاهب.

ذلك ان سكان نيجيريا أكثر من 145 مليون نسمة، نسبة المسلمين فيه تتجاوز 50٪،
وهؤلاء يتركزون في الولايات المتحدة، في حين ان أغلب الولايات الشمالية في الجنوب. وفي الشمال شيعة وبعض الأحمدية، وفي الجنوب وثنيون أيضا.

والصراع في ذلك البلد الغني بالنفط دائم ومتفاقم بين قبائل الهاوسا والفولاني ذات الأغلبية المسلمة، واليوريا التي تنتشر فيها المسيحية.
وهذا الصراع يدور حول السلطة والثروة حينا، وبين الأعراق في حين آخر، وبين اتباع الديانات المختلفة في أحيان كثيرة،

وبحكم وجود النفط في البلاد فإن ذلك استدعى وجود تمثيل للعديد من الشركات الغربية الكبرى، البريطانية والأمريكية والفرنسية والإيطالية،
 وهؤلاء لم يكونوا بعيدين عن الصراع يوما ما، فضلا عن ان الكلام متواتر عن وجود للموساد الإسرائيلي هناك
(لاحظ أن «إسرائيل» أعلنت عن استعدادها للمساعدة في تحرير الفتيات المخطوفات).

بوكو حرام ومعناها باللغة السواحيلية ان التعليم الأجنبي محرم شرعا،
 (بالمناسبة هذا الموقف ليس جديدا تماما لأن الفكرة سبق ان اطلقها بعض الفقهاء المغاربة أثناء الاحتلال الفرنسي، واعتبروها من قبيل مقاومة رفض ثقافة المستعمر وتحدي فكرة الغزو الثقافي)

وإذ دعت الجماعة منذ انطلاقها إلى رفض التغريب والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، فإن ذلك أثار حفيظة الأجهزة الأمنية، التي قررت حظرها وقامت بملاحقة مؤسسها محمد يوسف ومعاونيه،

ولكن المؤسس الذي كان يعمل مدرسا هرب إلى السعودية وأمضى هناك بعض الوقت، ثم عاد إلى بلاده وقد تحول إلى السلفية، وغير اسم جماعته التي أصبحت جماعة أهل السنة والدعوة والجهاد،
إلا أن الاسم القديم ظل لصيقا بها، حيث أشاعته وسائل الإعلام بعدما عممته الأجهزة الأمنية.

 اصطدمت الجماعة مع الشرطة والجيش. وأسفر الصدام الذي وقع عام 2009 عن قتل مؤسسها محمد يوسف وتصفية أكثر من 150 شخصا من أعوانه ومؤيديه.
(قناة الجزيرة بثت في عام 2010 شريطا تسجيليا وثق المذبحة)

استمر الصدام وبلغ ذروته في عام 2013 حين قامت الشرطة باعتقال زوجات قادة الجماعة وأطفالهم. وهو ما انتقدته آنذاك منظمة هيومان رايتس ووتش.

الخلاصة ان السنوات الأخيرة شهدت سلسلة من المواجهات المسلحة بين الجماعة من ناحية وأجهزة الشرطة من ناحية ثانية
وقد انضمت إلى الأخيرة مجموعات من المتعصبين، الأمر الذي أسهم في تأجيج الصراع وتوسيع نطاقه، وحوَّله إلى شيء قريب من الحرب الأهلية.

فالشرطة والجيش ومعهما المتعصبون لم يتوقفوا عن مداهمة قرى المسلمين والانتقام منهم،
وجماعة بوكوحرام ردت الانتقام بمثله واستهدفت مراكز الشرطة والجيش ومراكز الحكومة وحتى السكة الحديد.

الخلاصة ان حادث خطف الفتيات هو حلقة في سلسلة المواجهات الدامية التي تشهدها نيجيريا وفشلت السلطة المركزية في ايقافها منذ عشر سنوات على الأقل.

وكان للحادث الأخير دويه لأن الذي قامت به جماعة إرهابية من المسلمين، إضافة إلى كون ضحايا من تلميذات المدارس اللاتي تحدث رئيس الجماعة أبوبكر شيكاو عن بيعهن إذا لم تتم مبادلتهن بسجناء للجماعة لدى السلطة.
 وقد لعبت وسائل الإعلام دورا بارزا في تعميم القصة ولفت نظر الكافة إليها.

لدي ملاحظتان على القصة ألخصهما فيما يلي:

*
ان تركيبة بوكو حرام لا تختلف كثيرا عن خلفية حركة طالبان الأفغانية،
 فعناصرها من طلاب المدارس الدينية الهزيلة التي تلقن الأجيال الجديدة ثقافة إسلامية هزيلة ومشوهة تصدِّر للمجتمع تدينا منقوصا وخطرا،
الأمر الذي يدين تقصير المنارات الإسلامية (الأزهر وأمثاله) في التبشير بحقائق الإسلام وترشيد الداعين إليه خصوصا في مناطق الأطراف بآسيا وأفريقيا.

*
إننا ونحن نرفض خطف الفتيات وندينه بأعلى صوت، لسنا على ثقة من أن الحملة العالمية التي تدافع عنهن الآن كان يمكن ان تنطلق لو ان الضحايا كن من بنات المسلمين.

يؤيد ذلك الشك أن مسلمي أفريقيا الوسطى يتعرضون للإبادة هذه الأيام ــ ليس بعيدا عن نيجيريا ــ لكننا لم نشهد تحركا دوليا مماثلا لإغاثتهم.

 والحاصل في أفريقيا الوسطى له نظيره في ميانمار وفي الصين وأخيرا في الهند.
وليس بعيدا عن أذهاننا ما حدث في فض اعتصامي رابعة والنهضة.
إذ في كل تلك المشاهد سالت دماء المسلمين غزيرة ووقف المجتمع الدولي مستغبيا وصامتا.
 اننا نقف معهم فيما هو إنساني، لكنهم لم يعترفوا بإنسانيتنا بعد.

...............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar