Subscribe:

Ads 468x60px

15 فبراير، 2014

نصدق مَنْ؟

صحيفة الشرق القطريه السبت  15 ربيع الآخر  1435 –  15 فبراير 2014
نصدق مَنْ؟ - فهمي هويدي

يوم الثلاثاء 11/2 نفى وزير الداخلية ما تناقلته المواقع الإلكترونية عن وجود تعذيب في السجون المصرية،
وطمأننا إلى أن منظمات حقوق الإنسان تزور السجون باستمرار للتعرف على أوضاع نزلائها.

في اليوم التالي مباشرة ـ الأربعاء 12/2 ـ أصدرت 16 منظمة حقوقية مستقلة بيانا دعت فيه «إلى تحقيق عاجل ومستقل في ادعاءات متزايدة ومفزعة عن أعمال تعذيب وحشية واعتداءات جنسية تعرض لها محتجزات ومحتجزون في سجون وأقسام الشرطة ممن تم القبض عليهم في مظاهرات الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير».

أيضا طالبت المنظمات التي قدرت عدد معتقلي ذكرى الثورة بألف شخص بالكشف الطبي العاجل على كل المحتجزين،
والسماح لوفد من المنظمات الموقعة بزيارة مستقلة وغير مشروطة لأماكن الاحتجاز وإجراء مقابلات مع المعتقلين.

أضاف البيان أن الداخلية رفضت باستمرار الإذن لمنظمات حقوق الإنسان المستقلة بزيارة أماكن الاحتجاز،
واحتجت في ذلك بأنه لا يوجد في القوانين المصرية ما يسمح بذلك للجهات غير القضائية.

وأعربت تلك المنظمات عن قلقها ودهشتها من قيام النيابة بإضافة تهمة قتل المتظاهرين إلى قائمة الاتهامات الموجهة إلى أولئك الشباب،
وهم الذين كان ينسب إليهم عادة التظاهر من دون تصريح والتجمهر وقطع الطريق والاعتداء على رجال الأمن.

وذكرت في بيانها أنه من الغريب أن تتهم النيابة المتظاهرين بقتل زملائهم الذين سقطوا بطلقات الرصاص في ذكرى الثورة.

تصريحات الوزير ومساعدوه التي أنكرت التعذيب صدرت بعد انتشار شهادات المعتقلين التي أكدت وقوعه،
وكان أحدثها ما رواه خالد السيد أحد ثوار 25 يناير وتحدث فيه عن الأهوال التي تعرض لها هو وزملاؤه في أقسام الشرطة وسجن أبو زعبل.

وقد عرضت له يوم الأربعاء 12/2، وهو اليوم الذي أصدر فيه حزب الوسط بيانا ندد فيه بالتنكيل الذي يتعرض له رئيس الحزب المهندس أبو العلا ماضي في سجن طرة ونائبه المحامي عصام سلطان المحتجز في سجن العقرب.

ما ذكره بيان المنظمات الحقوقية عن الادعاءات المفزعة المتعلقة بالتعذيب الوحشي سلط الضوء على معاناة الألف شاب الذين تم اعتقالهم في ذكرى الثورة، وأغلبهم من شباب الثورة الذين خرجوا غضبا لانتكاستها.

وفي الوقت ذاته فإنه ينبهنا إلى المعاناة المماثلة إن لم تكن الأسوأ التي يعامل بها الواحد والعشرون ألف سجين الذين تم اعتقالهم خلال الأشهر السبعة الماضية، من جراء المظاهرات والاعتصامات التي جرت في تلك الفترة.

حين يطالع المرء كلام وزير الداخلية فإنه لا يستطيع أن يتجاهل البيانات والشهادات المحلية والتقارير الدولية التي عارضته ونقضته.
حتى أزعم أن المرء يخدع نفسه إذا صدق كلام الوزير وكذب كل الشهادات والقرائن المعاكسة.

ثم إنه لا يستطيع أن يخفي حيرته إزاء حديث الوزير عن منظمات حقوق الإنسان التي تزور السجناء،
في حين أن البيان سابق الذكر تحدث عن رفض الداخلية السماح للمنظمات المستقلة بتلك الزيارات ومنعها من الالتقاء بالنزلاء.

وأغلب الظن أنه يتحدث في هذه الجزئية عن المنظمات الحقوقية الموالية، التي يقوم ممثلوها بزيارات «مفاجئة» للسجون تعلن عنها وسائل الإعلام.
وهؤلاء يذهبون إلى السجون ومعهم كاميرات التلفزيون وطوابير المراسلين الصحفيين الذين لا يقصرون في القيام بالواجب.
 إذ يحولون الزيارة إلى فيلم دعائي تبثه وسائل الإعلام المختلفة للرد على المتقولين والمشككين من الحقوقيين المصريين، وإسكات الأجانب الذين يتهمون بأنهم يدسون أنوفهم في الشؤون الداخلية المصرية.

الشواهد التي بين أيدينا تدل على أن وزارة الداخلية استعادت تقاليدها التي تمنينا أن ننساها،
 وباتت غير مستعدة لتغيير شيء من سياساتها وأساليبها إزاء المعتقلين،
 وأنها معنية فقط بتحسين صورتها في العالم الخارجي، بعد أن فضحتها المنظمات الحقوقية الدولية والتقارير التي نشرتها الصحافة الأجنبية.
أي أنها معنية فقط بالإخراج الذي تواجه فيه مأزقا لا تحسد عليه.
ليس فقط بسبب الدور الذي باتت تؤديه شبكة التواصل الاجتماعي في كشف ما يراد إخفاؤه،
ولكن أيضا لأنها لا تستطيع أن تنسب التعذيب الذي يتم في السجون لطرف ثالث، تلقي عليه بالتبعة كما حدث في جرائم القتل والقنص التي ارتكبت أثناء الثورة.

ذلك أن الموجودين داخل سجون محكمة الإغلاق ومشددة الحراسة طرفان لا ثالث لهما، هما المسجونون والشرطة،
 من ثَمَّ لا مفر من اتهام الشرطة بالمسؤولية عن أي تعذيب يقع، ولكي لا تحاسب على ذلك فإنها تنكر وقوع التعذيب من أساسه.

في الظروف العادية، حين تتعارض الروايات بين ما فعلته الداخلية وبين ما يشهد به الضحايا بأشخاصهم أو محاميهم أو الحقوقيين الشرفاء الذين يقفون إلى جوارهم، فالحل المنطقي أن تحسم الأمر لجنة مستقلة لتقصي الحقائق أو تحدث مواجهة بين الطرفين يحتكم فيها إلى طرف مستقل.

لكن المشكلة في مصر الآن أن الاستقطاب الحاد قسم البلد نصفين، وأن المستقلين، على قلتهم، ليس مسموحا لهم بأن يكونوا محايدين.
وقد مر بنا أن المنظمات الحقوقية المستقلة منعت من زيارة السجون، في حين سمح بذلك لآخرين من المنظمات الموالية.

لقد أعلنت السلطة أكثر من مرة أنها سوف تسمح للمنظمات الدولية بمراقبة الانتخابات الرئاسية القادمة للتأكد من نزاهتها والاطمئنان إلى عدم وجود أي تزوير فيها، رغم أن هذه الانتخابات بالذات مضمونة النتائج وليست هناك حاجة للتزوير فيها.

وإذ سمحت السلطة بذلك في شأن بأهمية رئاسة الدولة، فلماذا لا تكمل «جميلها» وتسمح للمنظمات الحقوقية الدولية ومعها المنظمات المحلية المستقلة بتفقد أوضاع المسجونين في مصر لحسم الأمر وإغلاق الباب أمام القيل والقال؟

إن قلقنا ليس على أولئك الشبان والشابات فحسب، لأن قلقنا الأكبر على مصر في ظل نظام يوليو الجديد، وبعد إقرار الدستور الذي قيل لنا إنه سينقلنا من الظلمات إلى النور، بحيث إن حياتنا بعده ستختلف عنها قبله. فهل هذا ما وعدنا به؟

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar