Subscribe:

Ads 468x60px

09 يناير، 2014

نداء مشكوك في احتذائه

صحيفة الشرق القطريه الخميس   8 ربيع أول  1435 –  9 يناير 2014
نداء مشكوك في احتذائه – فهمي هويدي

هل يمكن أن نقيم عازلا بين الخلافات السياسية بين الأنظمة والحكومات وبين انسياب العلاقات بين الشعوب الشقيقة؟

السؤال من وحي نص نداء تلقيته من الجزائر موقعا من أكثر من 1500 شخص من المثقفين والأكاديميين الجزائريين والمغاربة دعوا فيه إلى
 «اعتبار المسار المغاربي مسألة جوهرية، وعدم ربطه بشرط فض الخلافات السياسية،
والكف عن تأليب الشعبين ضد بعضهما البعض بالمزايدات والشحن الإعلامي،
مع العمل على تسوية المشكلات القائمة بين البلدين بحكمة ووفق المصالح المشتركة».

القضية بعيدة عن أذهان كثيرين من أهل المشرق، الذين لا يذكرون على الأغلب أن الحدود مغلقة بين الجزائر والمغرب منذ عشرين عاما وهما أكبر بلدين في الاتحاد المغاربي
(عدد السكان فيهما يربو على 70 مليون نسمة).

وسبب الأزمة راجع في ظاهره إلى عوامل عدة على رأسها قضية الصحراء التي تتبناها جبهة «البوليساريو» المؤيدة من قبل الجزائر، والداعية إلى انفصال منطقة الصحراء واستقلالها عن المملكة المغربية.

وخلال العقدين الماضيين خيم التوتر جراء ذلك على علاقات البلدين، الأمر الذي انتهى إلى إحداث الخصومة والقطيعة بينهما،
في حين أن التداخل والوشائج التاريخية والثقافية والاجتماعية بين الشعبين أقوى منها مع أي شعب آخر في المنطقة.

ليس فقط على صعيد المصالح المشتركة
(يخسران سنويا ما يزيد على 10 مليارات دولار بسبب القطيعة)
ولكن أيضا على صعيد التداخل السكاني
(الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة من مواليد مدينة وجدة المغربية)
علما بأن القبائل العربية والأمازيغية منتشرة على الجانبين.

مثقفو البلدين انخرط بعضهم في التجاذب في حين أن البعض الآخر نأى بنفسه عن ذلك،
وهؤلاء الأخيرون كنا نسمع انتقاداتهم وأصواتهم في مناسبات عدة، معبرة عن الضيق بالقطيعة والاستياء من تداعياتها، بل والتشكيك في دوافع استمرارها.

ما يقوله المثقفون الجزائريون في ذلك كنا نسمعه من نظرائهم المغاربة، وعلى حد علمي فإن بعض مثقفي المغرب طرحوا في العام الماضي فكرة تنظيم مسيرة عربية تكسر الحاجز وتخترق الحدود مع الجزائر (طولها 1560 كيلومترا) لإعادة اللحمة وتأكيد رفض استمرار القطيعة المرذولة،

وتمنى هؤلاء على مصر أن تتقدم تلك المسيرة وتقودها باعتبارها الشقيقة الكبرى،
وكنت أحد الذين اشتركوا في مناقشة الاقتراح، إلا أن الظروف التي يعرفها الجميع حالت دون إخراجه إلى حيز التنفيذ.

لا أستبعد أن يكون المثقفون في البلدين قد يئسوا من مساندة المشارقة لموقفهم، فقرروا أن يأخذوا زمام المبادرة، ويسجلوا ذلك الموقف في النداء الذي حمل توقيعات الرموز الثقافية في البلدين.

في ندائهم انتقدوا تردى علاقات البلدين وسيرها «من سيئ إلى أسوأ»،
 كما انتقدوا «الطابع التسلطي لنظام الحكم المعتمد بعد الاستقلال، إضافة إلى غياب المبادرات المستقلة لدى المثقفين والمجتمع المدني في البلدين».
ولاحظوا أنه «كلما كانت هناك بوادر للانفراج بين الدولتين إلا ووقع إجهاضها».

في تشخيص الواقع ذكر النداء «أن الوضعية التي نعيشها اليوم هي وضعية غير معقولة، تكتسي طابعا عارضا لا يمكنه أن يسد الآفاق الواعدة، ولا أن يحجب الحاجة الملحة إلى بناء فضاء مغاربي مستقر، ينعم فيه الشعبان بالازدهار والحرية».

السؤال الذي طرحته في البداية كنت قد سجلت ردى عليه بالإيجاب في كتابات سابقة، تمنيت ألا تختزل فيها الأوطان في أشخاص أو أنظمة.
وناديت بالتخلي عن فكرة التعامل مع الأقطار بحسبانها قبائل ملحقة بكبيرها،
وتمنيت ألا يلقى الخلاف السياسي بظلاله الكئيبة على مسارات الأنشطة الأخرى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ومن جانبي بادرت إلى تنفيذ الفكرة حين «تهورت» قبل ثلاثين عاما وقمت بالذهاب إلى إيران لإعداد كتابي عن ثورتها في عز خصومة السادات لها،
 ودفعت ثمنا لذلك حين عاقبني الرئيس بوضع اسمي على رأس المستبعدين من جريدة الأهرام عام 1979.

المثقفون الجزائريون والمغاربة الذين أطلقوا النداء لم يسجلوا موقفهم المستقل عن سياسة الحكومات فحسب،
ولكنهم أيضا أثبتوا ولاءهم لأمل شعوبهم في العيش المشترك الذي ينعم فيه الجميع بالازدهار والحرية،

 أعنى أنهم كانوا معبرين عن ضمير مجتمعهم وليسوا أبواقا لحكوماتهم.
وتلك لعمري بادرة جديرة بالحفاوة والتشجيع والاحتذاء.

وإذ أتمنى أن يحققوا مرادهم، إلا أنني لست واثقا من أننا يمكن أن نصدر نداء مماثلا نجمع فيه توقيعات الغيورين من المثقفين والأكاديميين المصريين مع أقرانهم الأتراك والإيرانيين والسوريين والقطريين والفلسطينيين،
 يدعو إلى تصفية الحسابات السياسية ومعالجة ملفاتها بعيدا عنهم، وبمعزل عن روابط شعوبهم ومصالحها.

وهى فكرة ألقيها وانسحب بسرعة، لأن أجواء الاحتقان والاستقطاب جرفت مثقفينا وألحقت أغلبهم بفصائل العراك السياسي،
بحيث باتت الدعوة إلى الدفاع عن العلاقات مع الأشقاء وعن حلم الوحدة المشترك، تهمة تصم صاحبها بالعمالة والإرهاب والتخابر والعياذ بالله.

إن البعض عندنا صاروا يتحدثون بجرأة عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لكن الدعوة إلى تطبيع العلاقات مع الأشقاء صار يتطلب حذرا ولا يخلو من مغامرة!

..............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar