Subscribe:

Ads 468x60px

12 يناير، 2014

درس في الإستباحة

صحيفة السبيل الاردنيه الأحد 11 ربيع أول  1435 –   12يناير 2014
درس في الإستباحة – فهمي هويدي

أوافق على كل ما قيل من استهجان واشمئزاز إزاء تسجيل الاتصالات الهاتفية للناشطين المصريين، ثم تسريبها من خلال قنوات مشبوهة وأشخاص ليسوا فوق الشبهة.

وأزعم أن الفضيحة الحقيقية لم تكن من نصيب الأفراد الذين تم استهدافهم، ولكنها لطخت وجه النظام القائم وشوهت صورته.

 إذ من حق أي أحد أن يقول إنه إذا كانت تلك أدوات النظام فإنها لا تطمئننا إلى عقله وسياساته.

وفي هذه الحالة فإن النظام لكي يبرئ ساحته ويبيض صفحته يتعين عليه أن يسارع بإيقاف العملية القذرة، وحبذا لو تعهد بعدم تكرارها.
لكنه إذا التزم الصمت عن استمرار بث تلك الأشرطة البائسة، فسوف يحزننا، أن نعتبر ذلك من علامات الرضا، الأمر الذي يثير السؤال التالي:
عن أي طرف في النظام تعبر؟

الرسالة الظاهرة من العملية أن المراد بها ابتزاز وتخويف الناشطين وتشويه صورتهم أمام الرأي العام؛ عقاباً لهم على أنهم لم ينضموا إلى مواكب المهللين والمهرجين الذين بَصَموا بالعشرة، وصفقوا لكل ما جرى ويجري.

 ليس ذلك فحسب وإنما في الرسالة شق يظهر العين الحمراء لكل من تسول له نفسه أن يقف بعيدا عن المظاهرات المنطلقة أو السرادقات المنصوبة للتصفيق والتبريك والمبايعة

لكن الأمر في حقيقته أبعد من ذلك وأعمق، حيث أزعم أنه بالصورة التي شاهدناها دال على أن حملة تأديب الناشطين والمعارضين دخلت في طور «الاستباحة» المعلنة.

ذلك أننا جميعا نعرف أن الأجهزة ظلت تتنصت على الناشطين والمسؤولين، وتسجل حواراتهم الهاتفية طوال عهود الدولة الأمنية،
وربما يذكر كثيرون أن الأمر أثير في مجلس الشعب إبان حكم الرئيس الأسبق،

وهو ما لم ينكره وزير داخليته اللواء العادلي فقال إن على من يقلقه ذلك أن يكن حذرا في مكالماته.

لكن المكالمات التي كانت تسجل في العهود السابقة كان يتم تداولها في دوائر محدودة للسلطة، فضلا على أنها كانت تستخدم في تصفية الحسابات السياسية وغير السياسية، ونادرا ما كان منها يخرج إلى العلن.

وحتى في هذه الحالة الأخيرة، فإن التسجيلات كانت تسرب إلى الأسواق، ولم تكن تبث من خلال المنابر العامة.

ومشهورة في هذا الصدد قصة رجل الأعمال الذي كانت له علاقة بإحدى الراقصات، وسجل شريط لمشاهد تلك العلاقة، استخدم في اغتيال رجل الأعمال أدبيا وانتزاع بعض التوكيلات التجارية منه

طوال السنوات التي خلت تعايشنا مع هذا الوضع على تعاسته، ليس رضا بطبيعة الحال، ولكن باعتباره من تداعيات أزمة الديمقراطية وغياب الشفافية.

الجديد في هذه المرة أمران
أولهما اتساع نطاق التسجيلات بحيث باتت تشمل نشطاء عاديين في أحاديثهم، تناولت بعض المسائل الشخصية التي لا تهم عامة الناس، ولا علاقة لها بأمن الدولة.

 وثانيهما بث تلك التسجيلات عبر إحدى القنوات الخاصة لفضح النشطاء وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.
وكأن الأجهزة الأمنية أرادت أن تتحدى الجميع، وتعلن على الملأ بصراحة أن آذانها تتنصت على كل الهواتف، وان أم الدنيا صارت أم التنصت على الخلق.

وفيما فهمت من أهل الاختصاص، فإن أجهزة التنصت الحديثة تطورت بحيث باتت تلبي جميع احتياجات السياسة الأمنية، وتمكنها من التجسس والتنصت على أكبر عدد من الأفراد، رغم الاحتياطات الحذرة التي يلجأون إليها مثل إغلاق هواتفهم أو إبعادها عن مجالسهم

هذه الجرأة تلفت النظر وتثير الانتباه.
 ذلك أن ما كان يتم بعيدا عن الأعين، وعلى استحياء، صار يبث في العلن ودون أي تردد، رغم مخالفة ذلك لنص القانون ولمقتضيات الاحتشام السياسي والاعتبارات الأخلاقية.

 وتلك من دلائل عملية الاستباحة التي أشرت إليها والتي في ظلها تهدر كرامة الفرد، وتنتهك خصوصيته ويستباح عرضه، لمجرد أنه كان متحفظا أو مختلفا سياسيا مع النظام القائم.

كنا نأخذ على المتصوفة تبنيهم لشعار من «اعترض انطرد»، في حثهم للمريدين على ضروة الانصياع لشيخهم الذي اخذوا عليه العهد.
 لكننا صرنا بإزاء موقف أكثر تشددا وقسوة شعاره «من اعترض انتحر أو انقرض»!

خطورة هذه الاستباحة لا تكمن في كونها تطلق يد المؤسسة الأمنية في مصائر المعارضين، بحيث تستبيح حقوقهم وكراماتهم وأعراضهم،

ولكن أيضا في أنها تقدم نموذجا لإدارة الصراع وتصفية الحسابات السياسية يحتذيه الآخرون ممن باتوا يستخدمون أساليب لا علاقة لها بالقانون أو بالأعراف المهنية أو حتى بالأخلاق.

وبعض الذين يكتبون في الصحف هذه الأيام فينهشون لحوم الآخرين وينالون من كراماتهم تلاميذ أوفياء لمدرسة الاستباحة هذه.

وحين يحدث ذلك، فإننا نصبح في وضع يبعث على الرثاء، فضلا على الخوف على المستقبل.
 لأن الذين يزرعون الحنظل لا يحصدون سوى المر، وآفاق المر ودرجاته في هذه الحالة لا حدود لها،
ربنا يستر

...............

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

كﻻم في الصميم من أستاذ كبير ..

Delete this element to display blogger navbar