Subscribe:

Ads 468x60px

31 ديسمبر، 2013

صراع اليأس والأمل في العام الجديد – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 28 صفر 1435 –  31 ديسمبر 2013
صراع اليأس والأمل في العام الجديد – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

أتوقع عاما صعبا على مصر في 2014،
ولأننا سنحصد فيه ثمار ما زرعناه في عام الكراهية الذي سبقه فإنني لا أكاد أجد بين عناوينه ما يسمح بالتفاؤل، زاعما بأنه لا يمثل المستقبل وإنما هو مجرد سحابة داكنة وعابرة فيه.

(1)

أدري أن الخوف من الآتي المنظور يكاد يكون عنوانا للمشرق العربي بوجه أخص في العام الجديد.
من لبنان وفلسطين إلى سوريا والعراق مرورا بمصر والسودان واليمن.
إلا أنني أزعم أن لكل بلد أسبابه الخاصة الداعية إلى ذلك.

ولئن كان سيناريو الانفراط والتشرذم سمة غالبة على أكثر الدول المشرقية، إلا أن الأمر لا ينسحب على مصر. التي لا يهددها الانفراط الجغرافي،
 في حين تدخل في مرحلة من المواجهة قريبة من تلك التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر،
حين أصيبت الدولة بلوثة عارمة دفعتها إلى التورط في معركة مفتوحة على الجهات الأربع ضد الإرهاب.

ومن يتابع وسائل الإعلام المصرية وحملة التعبئة المجنونة ضد الإرهاب التي يروج لها صباح مساء، والتي تحشد لها كل الرموز والطاقات، لا يدع مجالا للشك في أننا نستنسخ ما جرى في الولايات المتحدة،
فالهيستيريا واحدة.
والمكارثية لم تختلف في البلدين.
وتهمة الطابور الخامس التي وجهت ضد الرافضين لموقف الحكومة تكاد تكون متطابقة عندهم وعندنا.

وما فعلته ليز تشيني ابنة نائب الرئيس آنذاك ديك تشيني، حين خصصت موقعا لتتبع وإعلان أسماء أولئك الرافضين بين أساتذة الجامعات خاصة. لا تختلف عما يفعله بعض إعلاميي الأجهزة الأمنية عندنا بحق بعض المثقفين وحتى المسؤولين في الحكومة.

وشعار من ليس معنا فهو ضدنا الذي أشهرته الإدارة الأمريكية خارج حدودها مرفوع عندنا في الداخل والخارج،

مع ذلك فثمة فوارق مهمة بين الحالتين، منها أن الحرب الأمريكية انبنت على حقائق وقعت على الأرض، ودارت رحاها خارج حدود البلاد،
في حين أن الحرب المصرية الراهنة انبنت على كم غير قليل من الأوهام والأغاليط وظل ميدانها الأساسي في الداخل.

منها أيضا أن الأمريكيين وجهوا نيرانهم في البداية ضد هدف واضح هو معقل تنظيم القاعدة في أفغانستان،
 أما في مصر فإن السلطة اختارت هدفا لم يثبت أنه الفاعل الحقيقي وراء الحوادث الإرهابية، رغم أن له أخطاءه السياسية وغير السياسية التي لا تنكر.

أما أهم تلك الفوارق فإن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب كانت موجهة ضد أناس من شعوب أخرى،
 أما في حالتنا فسهام الحرب موجهة ضد فئة من الشعب المصري ذاته.

(2)

قلت إننا سوف نحصد في العام الجديد ثمار ما زرعناه في عام 2013 الذي سبقه،
وإذا تطلعنا إلى صفحة العام المنقضي فسنجد أننا زرعنا أمورا عدة يتمثل أبرزها فيما يلي:

< إقصاء الإسلام السياسي وإخراجه من المشهد.

< اعتماد الدور السياسي للقوات المسلحة، من خلال الوضع الخاص لوزير الدفاع الذي جرى تقنينه في نص الدستور
والذي يحول قيادة القوات المسلحة إلى مركز قوة في الساحة السياسية، خصوصا في ظل الضعف المشهود للأحزاب السياسية.

< إضعاف دور الحراك الأهلي ومنظمات المجتمع المدني، في ظل القانون الذي صدر باسم تنظيم التظاهر، وتضمن قيودا عدة على ممارسة ذلك الحق،
 الأمر الذي استخلص منه الجميع أنه أريد به منع التظاهر وليس تنظيمه.

< تسييس القضاء ودفعه كي يصبح طرفا في الصراع الدائر، خلال إخضاع إجراءات التحقيق والضبط، ونظر القضايا أو حفظ البلاغات وكذلك أحكام القضاء لمتطلبات وملاءمات السياسة الأمنية.

< استعادة السياسة الأمنية التي كانت متبعة في مرحلة ما قبل الثورة، بما استصحبته من ممارسات شكلت انتهاكات لحقوق الإنسان. أعادت إلى الأذهان ما ظن الجميع أن الثورة تجاوزته وطوت صفحته.
أسهم في ذلك قرار إعادة العناصر الأمنية التي سبق استبعادها لارتباطها بمرحلة مبارك والعادلي إلى وظائفهم السابقة.

< فتح الأبواب للتشكيك في ثورة 25 يناير، من خلال تجريح الحدث وتلويث سمعة المشاركين فيه، لتأسيس شرعية جديدة لما سمي بثورة 30 يونيو.

وفي الوقت الذي بذل فيه البعض جهدهم للقطيعة مع ثورة يناير، فإن قرائن عدة لاحت في الأفق المصري الجديد مشيرة إلى التصالح مع نظام مبارك الذي انتفض ضده ثوار يناير.

وكان ظهور رموز وأبواق عصر مبارك في الساحة الإعلامية من تلك القرائن، التي كان بينها أيضا إسهام أثرياء ذلك العصر في مساندة معارضي نظام الدكتور محمد مرسي والدعوة إلى إسقاطه.

< إذكاء وتأجيج الخصومة مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة،
وفي الوقت نفسه، ممارسة درجة ملحوظة من التهدئة مع إسرائيل،
 حتى بدا أن ضغوط النظام المصري موجهة بشكل أساسي ضد الفلسطينيين الذين يسكنون القطاع
(التي تمثلت في هدم الأنفاق وتكرار إغلاق معبر رفح إلى جانب حملات التشهير الإعلامية).

< الانخراط في محور «الاعتدال» العربي الأكثر ارتباطا بالسياسة الأمريكية،
والاعتماد شبه الكامل على دعم ذلك المحور ومساندته في التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر.

(3)

ربما لاحظت أنني لم أتعرض للسياسات الاقتصادية، التي أحسب أن لأهل الاختصاص في شأنها كلاما كثيرا، يضيف مسحة إضافية من التشاؤم إزاء سيناريوهات السنة الجديدة،
وهو أمر لا غرابة فيه لأن جزءا كبيرا من النشاط الاقتصادي يرتبط باستقرار الأوضاع السياسية وهدوئها.
ولأنني آثرت أن أترك تناول الشأن الاقتصادي لأهله، فسوف أكتفي هنا باستعراض الحصاد المفترض لما تم زرعه في الساحتين السياسية والاجتماعية، وهو ما ألخصه في النقاط التالية:

< مصير الحريات العامة في العام الجديد محفوف بالمخاطر، لسبب جوهري يتمثل في الضعف الشديد للمجتمع المدني. والفراغ المؤرق المخيم على الفضاء السياسي،
 ذلك أن مصر خرجت من العام المنصرم وقد توزعت على معسكرين.

أحدهما متغلب قابض على السلطة يضم تحالفا عريضا تقوده المؤسسة العسكرية والأمنية يضم أغلب الكيانات السياسية (الليبرالية واليسارية) ومعها فلول نظام مبارك، إضافة إلى القضاء والإعلام.

المعسكر الثاني مغلوب ومهشم يضم جماعة الإخوان ومعها بقية الكيانات المنخرطة في التحالف من أجل الشرعية، وقد التحق بالمعسكر المغلوب مؤخرا عدد محدود من المنظمات الحقوقية.

 وذلك المعسكر المتغلب لم يكن لديه مشروع للوطن، ولكنه اجتمع على هدف إسقاط حكم الإخوان.
وإن تحقق ذلك فإن الاستمرار في السلطة سيصبح هدف المرحلة المقبلة التي تم التمهيد لها برفع أسهم المؤسسة العسكرية ومعها القضاء العسكري، وإصدار قانون منع التظاهر وإنشاء محاكم خاصة للإرهاب.
 وستكون الأجهزة الأمنية هي الحارسة لكل ذلك، خصوصا في ظل استمرار مسلسل اجتثاث الإخوان وإقصائهم من الحياة السياسية.

 وإذا كان الوضع المستجد لم يحتمل في بداياته حلقة واحدة من البرنامج الساخر الذي كان يقدمه الدكتور باسم يوسف، فلنا أن نتصور مقدار حساسية إزاء حرية التعبير بعد تمكينه.

< إذا كانت جولة إخراج الإخوان من السلطة قد حسمت في عام 2013، فإن العام الجديد يفترض أن يشهد الجولة الأهم التي سيتم بمقتضاها إخراجهم من السياسة.
ذلك أن كل القضايا التي أعلن عنها في العام السابق سوف يحسم أمرها خلال السنة الجديدة.
 وحسب المعلومات المتاحة فإن عدد الذين أحالتهم النيابة إلى القضاء من الإخوان وحدهم يقدر عددهم الآن بنحو 1800 شخص.
وهناك مئات آخرون وجهت إليهم الاتهامات بالتحريض على العنف وتعطيل الدستور وغير ذلك. ولم يتم تحديد مصيرهم بعد.
ذلك غير المعتقلين الذين تقدر المصادر الإخوانية عددهم بأكثر من 14 ألف شخص. يفترض أن يحسم أمرهم أيضا هذا العام.

< إضافة إلى ما سبق فإن جراح العام الماضي ستظل معلقة على جدران العام الجديد، ولا أحد يعرف كيف ستعبر عن نفسها.
أخطر تلك الجراح ما تعلق منها بضحايا فض الاعتصامات الذين يتفق الجميع على أن العدد الأدنى لقتلاهم هو نحو ألف شخص (مصادر الإخوان تتحدث عن ثلاثة آلاف) وذلك بخلاف المصابين والمعاقين.

وهو الملف الذي لايزال مغلقا ولم يبذل أي جهد لمداواته وامتصاص مراراته، ناهيك عن إعلان الحقيقة فيه.

وأخشى ما أخشاه إذا ما استمر ذلك الوضع أن يؤدي ذلك إلى موجة جديدة من العنف الذي ينطلق من الثأر وتصفية الحساب،
خصوصا أن الضحايا لم يكونوا من الإخوان فقط ولكن بينهم أناس ينتمون إلى جماعات إسلامية أخرى.
والعنف في هذه الحالة قد لا يستهدف مؤسسات النظام فقط، ولكنه قد يستهدف أيضا ضرب نقاط الضعف في المجتمع (الأقباط مثلا) والاقتصاد (السياحة أقرب مثل).

< في حين شهدت سنة حكم الدكتور مرسي انخراط كل التجمعات الإسلامية في العمل السياسي العلني والسلمي بمن فيهم الجهاديون والسلفيون والمتصوفة،
فيخشى أن تشهد مرحلة الإقصاء والاجتثاث المقبلة عودة التنظيمات السرية، بأفكارها الخطرة وتداعياتها التي تهدد الاستقرار والأمن.

< في العام المنقضي توجهت أصابع الاتهام إلى حركة حماس في غزة بالضلوع في تهديد الأمن القومي المصري، وتضاعفت تلك الاتهامات بعد عزل الدكتور مرسي، إلى الحد الذي دعا البعض إلى تصنيفها كحركة إرهابية مع الإخوان،
وهي للأسف ذات التهمة التي وجهتها إسرائيل إلى حماس وغيرها من فصائل المقاومة.

 وفي العام ذاته برزت سيناء باعتبارها بؤرة ومعقلا للجماعات الإرهابية والتكفيرية،
وفي وسائل الإعلام المصرية محاولات للربط بين حماس وبين تلك الجماعات،
رغم أن عام 2012 شهد إنشاء غرفة عمليات اشترك فيها ممثلو حماس مع الجهات المصرية المختصة للتعامل مع الوضع في سيناء.

وليست هناك مؤشرات توحي بأي تطور يدعو للتفاؤل بمستقبل العلاقة مع الطرفين في العام الجديد، لأن ثمة تصعيدا في مواجهة حماس لا يستبعد في ظله حدوث صدام عسكري تشجعه أطراف عدة،
 إلى جانب أن الوضع في سيناء لم يعد مؤهلا لأي تهدئة، خصوصا أن القضاء على الإرهاب القادم منها لم يحقق هدفه خلال السنة الماضية.

(4)

العنصر الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال هو أن مصر أكبر من الطرفين المتصارعين، الغالب منهما والمغلوب.
ذلك أن ثمة مساحة وسطا تحتلها كتلة جماهيرية حية لا تنتمي إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

ومن رحم تلك الكتلة خرج المجهولون الذين فجروا ثورة 25 يناير وأعادوا إلى المجتمع حلمه المغيب وبلده المغتصب والمنهوب،

 ولم يتحقق ذلك بالمجان، ولكن الشباب القادم من المجهول دفعوا ثمنه من دمائهم.
ويخطئ من يظن أن ملف الإخوان ومسعى اجتثاثهم هو أهم ملفات العام الجديد.

ورغم أنني لا أجادل في أهميته إلا أنني أزعم أن الأهم هو مستقبل الديمقراطية في مصر ومعه مصير ثورة 25 يناير.

الأهم هو استعادة الحلم الذي ما كاد يحط على الأرض حتى جرت ملاحقته ومطاردته فعاد إلى موقعه معلقا في الفضاء، بانتظار المجهولين الذين استدعوه في عام 2011 لكنهم لم يحملوه وعادوا بعد ذلك إلى المجهول.

لست أرى في السحابات الداكنة التي تلوح في الأفق نهاية المطاف.
وأقاوم بشدة فكرة ضياع الحلم والاستسلام لليأس من المستقبل، لأننا عشناه ولمسناه في لحظة خاطفة.
 ولأنه كان، فذلك يعني أنه ممكن وأنه سيكون.

...................

30 ديسمبر، 2013

اندفاع على طريق الندامة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 27 صفر 1435 –  30 ديسمبر 2013
اندفاع على طريق الندامة – فهمي هويدي

أحد الأسئلة المهمة التي تثيرها التطورات الأخيرة في مصر هو:
كيف يتخذ القرار المصيري في البلد؟

السؤال يستدعيه قرار مجلس الوزراء الأخير باعتبار الإخوان جماعة إرهابية.
وما يقلق ويحير فيه ليس فقط مضمونه، وإنما أيضا توقيته وخلفيته،

ذلك أن القرار صدر في أعقاب تفجير مديرية أمن الدقهلية في إشارة ضمنية واضحة إلى العلاقة بين الاثنين،
في حين أن ذلك لم يثبت بأي دليل حتى الآن.
ليس فقط لأن الإخوان أعلنوا استنكارهم له وإدانته،
 ولكن أيضا لأن جماعة أنصار بيت المقدس أعلنت مسؤوليتها عنه.
كما تحدثت الصحف المصرية لاحقا عن التعرف على الفاعلين الأساسيين فيه، حتى أشارت إلى الحروف الأولى لأسماء بعضهم.
(اليوم السابع تحدثت عن طبيب يدعى ن.ش بقسم التشريح بكلية الطب اعترف بدوره مع ثلاثة آخرين)

ــ من ناحية أخرى، فإن التعجل في إصدار قرار بتلك الخطورة يثير أسئلة عدة من قبيل:
كيف درس وما هي الجهة التي قامت بالدراسة؟
 وهل وضعت في حسبانها تبعاته والنتائج المترتبة عليه.
ليس فقط فيما يخص الإخوان، ولا حتى فيما يخص الوطن، وإنما فيما يخص تمكين النظام القائم واستقراره.

يوم الأربعاء الماضى (25 ديسمبر) كتبت قبل سفري إلى الخارج نصا نشر في اليوم التالي قلت فيه
إنه حين يشب أي حريق فإن العقلاء والأسوياء يبادرون إلى حصاره وإطفاء ناره،
ووحدهم والحمقى والمجانين الذين يدعون إلى تأجيج ناره وتوسيع نطاقه.
وتمنيت في ختامه أن تقوم جهات التحقيق والأمن بتعقب الجناة في العمليات الإرهابية لإجهاض مخططاتهم ومحاسبتهم،
وأن ينهض الراشدون والعقلاء بدورهم في محاولة إطفاء الحريق الذي شب في مصر، لإنقاذ الوطن مما هو أسوأ.

حين كتبت هذه الكلام كنت مراهنا على وعي الراشدين ولم أكن قد فقدت الأمل في تفعيل ما دعت إليه خريطة الطريق التي أعلنها الفريق عبد الفتاح السيسي في الثالث من شهر يوليو الماضي ونصت على:
تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات،

كنت لا زلت متعلقا بأمل تحقيق تلك المصالحة، رغم إدراكي لشراسة الحملة الإعلامية المسعورة التي ما برحت تقاوم الفكرة، انطلاقا من فكرة شيطنة الآخر واعتباره شرا مطلقا.

مع ذلك فقد حاولت إقناع نفسي بالتفرقة بين الشيطنة واللوثة الإعلامية التي تقف وراءها جهات عدة وبين حسابات العقل السياسي الذي يتحرى المصلحة الوطنية العليا.

وفي ظل أسوأ الفروض كان يخيل إلي أن عملية الشيطنة قد تعبر عن جناح أو تيار في السلطة،
ولكنها ليست مهيمنة على القرار السياسي أو حاكمة له.
 لكني أعترف بأنني خسرت الرهان، وأنني أفرطت في حسن الظن بكفاءة العقل السياسي الذي يدير المرحلة الراهنة.

لقد أمضيت أربعة أيام خارج مصر، شاركت خلالها في اجتماعات المجلس الاستشاري لتقرير حول العالم العربي في عام 2025 تعده منظمة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة.

 وأثناء الاجتماعات فاجأتنا التطورات التي حدثت في مصر،
ولأن المشاركين كانوا عشرين شخصا من المثقفين العرب فقد لاحقتني أسئلة الدهشة التي عبر عنها كثيرون.
لم يكن ذلك راجعا إلى تعاطفهم مع الإخوان، ولكن لأنهم استغربوا أن الحكومة المصرية اتخذت قرارها قبل أي تحقيق، خصوصا أن آخرين أعلنوا مسؤوليتهم عن التفجير.

ازداد الأمر غموضا بالنسبة لي حين عدت إلى القاهرة.
ذلك أنني فهمت مما نشرته صحيفة «الشروق» على الأقل أن رئيس الجمهورية المستشار عدلي منصور رفض إصدار قانون باعتبار الإخوان جماعة إرهابية.
كما فهمت أن رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي كان له رأي آخر في الموضوع،
لذلك فإن الذي أعلن القرار كان نائبه الدكتور حسام عيسى،

ولمحت في مقال رئىس تحرير الأهرام عبد الناصر سلامة يوم الجمعة خطاب ضغط وتخويف لبعض الوزراء ممن رفضوا قانون التظاهر وعارضوا دخول رجال الأمن إلى الجامعات ولم يؤيدوا اعتبار الإخوان جماعة إرهابية، وضم إليهم الذين يتواصلون مع الدكتور محمد البرادعي،
وقال ان هؤلاء جميعا يقدمون غطاء رسميا للإرهاب.

كانت خلاصة ما خرجت به أن جهة ما فرضت القرار على الجميع رغم التحفظ والتململ أو التمنع.
وأن تلك الجهة تملك من النفوذ ما مكنها من أن تحقق مرادها وأن تجعل الجميع يرضخون لما ذهبت إليه،
ولم يكن عسيرا علي أن أستنتج أن الطرف الذي فرض قراره على الرئاسة ومجلس الوزراء له نفوذه في الوسط الإعلامي، بحيث أصبحت أغلب المنابر الإعلامية تقف في مقدمة المهللين للقرار والداعين إلى مواصلة الحرب لتأكيد الإبادة السياسية الحاصلة.
وهي الحرب التي تضامن في إعلانها نفر من السياسيين والقانونيين وقيادات منظمات حقوق الإنسان.. إلى آخر طابور حملة مباخر المرحلة.

إذا صح ذلك التحليل فينبغي ألا نستغرب انتقاد أهم العواصم الغربية للقرار،
وإصدار بيان منظمة «هيومان رايتس ووتش» الذي ذكر أن دوافع إصداره سياسية بالدرجة الأولى.

في هذا الصدد فإنني لم أفهم إعلان جريدة الأهرام في عدد السبت 28/12 في العنوان الرئيس لصفحتها الأولى عن أن أمريكا وبريطانيا كشفتا عن الوجه القبيح، لمجرد أن البلدين لم يؤيدا قرار الحكومة المصرية،

 لكن الذي فهمته من سياق الأحداث وأصدائها ان قطارنا مندفع بأكثر مما ينبغي على طريق الندامة.،

وإننا حين نغلق الأفق ونوصد كل أبواب الأمل في الانفراج السلمي، فإننا نبدأ رحلة العد التنازلي في سيناريو الانفجار.

لذلك تمنيت أن نطالع صورة وجوهنا جيدا في المرآة قبل ان نتحدث عن قبح وجوه الآخرين.

.................

29 ديسمبر، 2013

فرقعات سياسيه

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 26 صفر 1435 –  29 ديسمبر 2013
فرقعات سياسيه – فهمي هويدي

كشفت مصادر سيادية مسؤولة أن اجتماعا عقد قبل يومين في إحدى القواعد البحرية بألمانيا ضم ممثلين لأجهزة مخابرات ضمن دول هي:
 الولايات المتحدة الأمريكية ــ بريطانيا ــ ألمانيا ــ تركيا ــ إسرائيل.
وهو اللقاء الثاني لهذه المجموعة الذي يتم بعد عزل الدكتور محمد مرسي.
وأوضحت المصادر أن الاجتماع الذي رصدته المخابرات المصرية انتهى إلى عدة توصيات تدور حول الادعاء بأن «الفوضى في مصر بلا نهاية».
من تلك التوصيات ما يلي:
 دعم تجار السلاح في ليبيا والسودان وغزة ومواصلة تصدير الأسلحة للجماعات التكفيرية في مصر لشن عملياتها ضد قوات الأمن والجيش في سيناء والمحافظات.
 أضافت المصادر سابقة الذكر أن ممثلي أجهزة مخابرات الدول الخمس أوصوا أيضا بدعم عدد من الإخوان المقيمين بالخارج لإطلاق أكثر من قناة فضائية تعبر عن الإخوان وقضاياهم كما تتولى تشويه السلطة الحالية.

النص أعلاه منقول من الخبر الرئيسي الذي نشرته جريدة «الوطن» على صدر صفحتها الأولى يوم الجمعة 20 ديسمبر.
وفي بقية الخبر تفصيلات أخرى تتعلق بمظاهر الفوضى والتشويه التي تم الاتفاق على إشاعتها داخل مصر وخارجها بين ممثلي مخابرات الدول الخمس.

في اليوم التالي للنشر مباشرة كانت الصحف التركية والعربية تتحدث عن إنذار وجهه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى السفير الأمريكي في أنقرة فرانسيس ريتشاردوني، الذي نقل على لسانه قوله للصحفيين «قريبا ستشهدون نهاية الإمبراطورية»، في غمز غير مباشر للوضع القائم في تركيا حاليا.

وهو ما اعتبر إشارة إلى ضيق الولايات المتحدة بسياسة حكومة أردوغان ــ الذي علق على كلام السفير الأمريكي بقوله:
 إذا صح ما نشرته الصحف، فإن ذلك يعد عملا استفزازيا، ولن تتمسك تركيا ببقاء الرجل في أنقرة.

كما ذكرت الصحف أن وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو أجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره الأمريكي جون كيري،
ونقل إليه استياء أنقرة من سعي واشنطن إلى تشويه سمعة حكومة بلاده ومحاولة إسقاطها.

التزامن بين القصتين يغري بالمقارنة.
 لا أقصد التناقض بين اشتراك الأمريكيين مع الأتراك في التآمر على مصر حسب الرواية الأولى، ثم إسهامهم في التآمر على الحكومة التركية في الرواية الثانية.
ورغم أنها مفارقة تستحق الملاحظة إلا أن ما أعنيه شيء آخر أكثر أهمية.

ذلك أن رواية الصحيفة المصرية تحدثت عن مؤامرة ضد النظام القائم اشتركت في نسجها خمس دول أشير إليها بالاسم نقلا عن المصادر السيادية التي ذكر الخبر منها جهاز المخابرات العامة.

وحسب الكلام المنشور فإن ذلك لم يكن الاجتماع الأول لممثلي تلك الدول في ألمانيا، لكنه الاجتماع الثاني.
 وقد ذكرت التفاصيل المنشورة أن المؤامرة متعددة الأوجه، إذ تحدثت عن سلاح وهجوم إعلامي ومحاكمات دولية وفوضى محلية.

رغم خطورة هذه المعلومات التي سربتها الأجهزة السيادية المصرية، فإننا لم نشهد أي تحرك سياسي على أي مستوى، يعاتب أو ينذر أو حتى يستدعي سفراء تلك الدول ليلفت أنظارهم ويحتج.

وفي الوقت الذي طالبت فيه مصر الإنتربول بإلقاء القبض على الدكتور يوسف القرضاوي لمجرد أنه ألقى بعض الخطب التي انتقد فيها النظام المصري، فإن المؤسسة السياسية لم يصدر عنها أي تحرك يذكر للتصدي لمؤامرة الدول الخمس.

عند المقارنة مع الموقف التركي الرافض للغمز الضمني الذي صدر عن السفير الأمريكي (الذي لا يقارن بحجم المؤامرة على مصر التي شارك فيها ممثلو الدول الخمس) نجد أن رئيس وزرائهم هدد بطرد السفير الأمريكي،
كما أن وزير الخارجية اتصل هاتفيا بنظيره الأمريكي لكي يعبر عن استياء حكومة بلاده من موقف السفير ريتشاردوني.

في تفسير السكوت المصري على المؤامرة أرجح أن المؤسسة السياسية لم تأخذ الكلام على محمل الجد،
 وأنها تعاملت معه بحسبانه فرقعة إعلامية تعمدت الأجهزة السيادية إطلاقها لتحقيق أهداف دعائية محلية، لا تختلف في مراميها عن الأهداف التي تتوخاها وحدة إطلاق الشائعات بين الحين والآخر.

أعني أن المؤسسة السياسية تعاملت مع قصة مؤامرة أجهزة مخابرات الدول الخمس باعتبارها من قبيل «كلام الجرايد» الذي يطلق في الصباح وينسخ أو ينسى صبيحة اليوم التالي.

الخبرة وحدها دليلي على ما قلت.
ذلك أننا اعتدنا على أن نطالع في الصحف أخبارا عدة عن مؤامرات تحاك وأسلحة تهرب ومخططات إرهابية ترسم،
 ثم نكتشف بمضي الوقت أنها للاستهلاك المحلي الذي يراد به تحقيق أهداف وتوفير أجواء سياسية في لحظة تاريخية معينة، ويراهن في نشرها دائما على ضعف ذاكرة الناس وأن أحدا لا يحاسب أحدا على ما يقوله.

أحدث ما وقعت عليه في هذا الصدد ما ذكره أحد الأبواق الأمنية عن أن وزير خارجية عربي جاء إلى القاهرة ثم زاره في فندقه اثنان من قيادات الإخوان. وخرجا من عنده محملين بحقائب احتوت على 21 مليون دولار.
ونسبت القصة إلى شهادة خبير أمني مزعوم ذكر أن كاميرات الفندق قامت بتصوير الرجلين حين خرجا بالمبلغ،
الأمر الذي يثير لدى أي قارئ متوسط الذكاء السؤال التالي:
 أما وقد عرف الأمر، لماذا لم يقبض على حاملي هذا المبلغ الكبير،
ولماذا لم يسأل الوزير العربي أو تعاقب حكومته على ذلك التصرف؟،

لكن لأنه كلام جرايد فإن شيئا من ذلك لم يحدث،
وتم الاكتفاء بالأثر الذي تحدثه الفرقعة في أوساط الرأي العام.
وكل فرقعة وأنتم طيبون.

...................

28 ديسمبر، 2013

آخر الشامخين

صحيفة الشرق القطريه السبت 25 صفر 1435 –  28 ديسمبر 2013
آخر الشامخين – فهمي هويدي

الصدمة جعلتني أقرأ خبر التحقيق مع كبار رجال القضاء في مصر مرتين لكي أستوعبه، وأصدق ما وقعت عليه عيناي.

أتحدث عن قرار قاضي التحقيق المنتدب من استئناف القاهرة باستدعاء مجموعة من أشرف وأنظف القضاة الوطنيين، الذين اتهموا بأنهم «قضاة من أجل مصر»،

ولست أخفي أنني شعرت بالحزن حين رأيت صورهم منشورة إلى جانب خبر استدعائهم للتحقيق.

 ذلك أن ذاكرتي تحفظ صور تلك الوجوه على منصة مؤتمر العدالة الأول الذي عقد في عام 1986 وارتفعت فيه أصوات القضاة مدافعة عن حرية الوطن وكرامة المواطن واستقلال القضاة وحصانتهم.

وطوال الثلاثين سنة التي خلت ظلت صورهم تظهر وأصواتهم تسمع عالية في كل مناسبة تذكر فيها قضية الحريات أو يشار فيها إلى سيادة القانون واستقلال القضاء ونزاهته،
 حتى عرف جيلنا مصطلح القضاء الشامخ مرتبطا بأسمى المستشارين الراحلين يحيى الرفاعي وممتاز نصار، ورفاقهما وامتداداتهما
 وفي المقدمة منهم الأحد عشر قاضيا الذين استدعوا للتحقيق معهم، وهم الذين لا يزالون يمثلون في وعينا ضمن آخر أجيال الشامخين.

صباح يوم الإثنين الماضي 23/12 نشرت الصحف المصرية بعض صور أولئك الشامخين وسط تقرير يقول:
كان مستشار التحقيق قد تلقى معلومات موثقة تفيد بأن المستشارين المذكورين اشتركوا في تأسيس جماعة على خلاف القانون تسمى قضاه من أجل مصر. التي قامت بإذاعة البيانات المتعلقة بإعلان نتيجة جولة الإعادة في انتخابات رئاسة الجمهورية، وإعلان نتيجتها من جانبهم قبل إعلانها رسميا من لجنة الانتخابات الرئاسية المشرفة على إجراء الانتخابات،
وذلك تأييدا من جانبهم لذات النتيجة التي أعلنها حزب الحرية والعدالة بفوز مرشحهم عن الانتخابات محمد مرسي.

لم أستطع أن افترض البراءة في الأسلوب الذي عرض به الموضوع، خصوصا حين أتيح لي أن أطلع على خطاب الاستدعاء الذي أرسل إلى الجميع،
 ومنهم المستشار أحمد مكي وزير العدل الأسبق الذي طلب منه الحضور إلى جلسة تحقيق يوم 29/12 الساعة الحادية عشرة صباحا بسراي محكمة القاهرة الجديدة بالتجمع الخامس. بمبنى محكمة الأسرة ــ الدور الأول فوق الأرضي ــ
وذلك بمناسبة التحقيقات التي يجريها (المقصود هو قاضي التحقيق) في القضية رقم 10371 لسنة 2013 عرائض مكتب النائب العام.

لقد وجدت أن الموضوع عرض بشكل غير لائق، خصوصا مع قامات قضائية لها مكانتها وتاريخها،
ذلك أن التحقيق معهم إذا كان ضروريا فإن الأعراف المتبعة تقضي بإجرائه بصورة سرية وفي جلسات مغلقة الأمر الذي جعل المسارعة إلى النشر فيه تصنف باعتبارها تشهيرا متجاوزا لحدود اللياقة،

 إلى جانب ذلك فإن أحدا من الشخصيات التي تلقت الاستدعاء لم يعرف إذا كان التحقيق معه باعتباره شاهدا أو متهما،
فضلا عن أن الاستدعاء المرسل لم يحدد ما هي القضية التي سوف يسأل فيها.

من المفارقات المدهشة أنه لا يوجد كيان أو تجمع باسم قضاة من أجل مصر، وأن المصطلح أطلقته وسائل الإعلام على اللجنة التي شكلها نادي القضاة أثناء انتخابات عام 2005 لمتابعة وحماية القضاة الذين يشرفون على الانتخابات، بعدما تعرض أحدهم للاعتداء عليه من جانب ضابط شرطة في الإسكندرية.
 وتلك شهادة المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة السابق، وهو أحد الذين تم استدعاؤهم للتحقيق معهم.

لماذا فتح الملف الآن بحيث أضيف إلى قائمة شيوخ القضاء التحقيق مع عشرة آخرين من المستشارين، غير الـ75 قاضيا الذين اتهموا بالانحياز للإخوان، فيما بدا أنه تحضير لمذبحة جديدة؟

حين حاولت العثور على إجابة للسؤال وجدت أن الآراء تباينت في صدره.
وإن لاحظت أن ثمة اتفاقا على أنه لا توجد قضية من الأساس،
وأن التشهير بكبار القضاة من النتائج التي حققها النشر بالصورة التي تمت، في تفسير ذلك تعددت الآراء،
 بين قائل إنها تصفية حسابات داخلية في المحيط القضائي بعدما ارتفعت أسهم البعض في ظل الوضع المستجد وبدا أن أسهم الآخرين انخفضت،
وقائل إنها حملة لترهيب القضاة عن طريق تجريح أكبر الرؤوس في محيطهم، وذلك تحسبا لدورهم المفترض في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة،
وسمعت رأيا ثالثا يرجح أن المقصود بالحملة هو استهداف المستشار هشام جنينه رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي يشكل شوكة في حلق أطراف يخشى أن يفضحها استمراره في منصبه الذي لا يجوز أن يعزل منه، طبقا لنص الدستور، ولا سبيل إلى إقصائه إلا باستصدار حكم يدينه.

إن تشويه صورة كبار القضاة ورموزهم النبيلة لا يسيء إلى أشخاصهم فحسب، ولكنه يسيء أيضاً إلى مقام وهيبة مؤسسة القضاء ذاتها،
لكن الأخطر من ذلك هو إقحام القضاء واستخدامه طرفا في تصفية الحسابات السياسية.

 في هذا الصدد يذكر شيوخ القضاة للرئيس الأسبق جمال عبدالناصر قوله في سنة 1970 إن قادة الثورة أحجموا منذ عام 1952 عن التدخل في شأن القضاء لكي لا يهدم أحد الأعمدة الأساسية للبلد،

ولذلك لجأوا لتشكيل محاكم خاصة للثورة وآثروا أن يتحملوا هم مسؤولية أحكامها وأن يكونوا هم قضاؤها.

وكان ذلك هو السبب في تشكيل محاكم الثورة والشعب والقدر التي حققت للثورة ما أرادته دون أن يكون القضاء العادي طرفا فيها، لكن ذلك الميزان اختل حتى فجعنا أخيرا بما صرنا إليه.

.................

Delete this element to display blogger navbar