Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2013

الخط الأحمر

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس  26 ذو الحجة 1434 –  31 أكتوبر 2013
الخط الأحمر - فهمي هويدي

أحذر من الدببة الذين نصَّبوا من أنفسهم حماة للجيش ودعونا إلى تقديسه، فأساءوا إليه من حيث لا يحتسبون،

 إذ زعموا تارة أنه «فوق الجميع»
وحدثونا تارة أخرى عن أنه يمثل «خطا أحمر» لا يجوز الاقتراب منه ناهيك عن تجاوزه،

وقرأنا أن منهم من طالب «بقطع لسان» كل من داس للجيش على طرف أو ذكره بغير المديح والإجلال.
وقال قائلهم إن أي ذكر من ذلك القبيل يعد إهانة له وإهدارا لثوابت الأمة.

لم أجد فرقا بين هؤلاء وبين دراويش الكمالية في ثلاثينيات القرن الماضي. حين كان غلاتهم يعتبرون المساس بالذات الإلهية من قبيل ممارسة حرية الرأي،
في حين اعتبروا توجيه أي نقد «للغازي» مصطفى كمال أتاتورك مساسا بالثوابت الوطنية ينبغي أن يقابل بكل حزم،

كانوا معذورين آنذاك، فذلك المجتمع المحارب بطبعه وجد في الغازي مصطفى كمال الرجل الذي حقق له أمله وجسد كبرياءه، حين قاد في عام 1920 حركة المقاومة الوطنية ضد جيوش الاحتلال التي توجت بتحرير الأناضول واسطنبول ومن ثم أنقذت الدولة من الانهيار.
ولأنه قاد حرب التحرير فقد أصبحت رئاسة الأركان العامة هي مركز القرار السياسي في الداخل والخارج،
حتى إنه في دستور عام 1921 أصبح مصطفى كمال هو
القائد العسكري العام،
 ورئيس مجلس النواب
 ورئيس هيئة الوكلاء التنفيذيين (مجلس الوزراء)،
وجرى تحصينه ضد المساءلة أمام مجلس النواب،
وبذلك جمع الرجل بين السلطات العسكرية والسياسية والتشريعية وأصبح معلوما للكافة أن الجيش يحمي الدستور والدستور يحمي الجيش، على نحو كاد يوحي بأنه ليس في البلد سوى الجيش.

بعض صفحات هذا التاريخ أصبحت الآن موضوعا للتندر بين الأجيال الجديدة للمثقفين الأتراك.
صحيح أن الجيش لا يزال له احترامه هناك، ولكن الممارسة الديمقراطية نزعت عنه هالة القداسة التي أضفاها عليه البعض.

وأصبح الآن يعامل بحسبانه مؤسسة وطنية شأنها شأن بقية مؤسسات الدولة، وليست متعالية فوق ما عداها.

وهو ما تجلى ليس فقط في تراجع الدور السياسي لرئاسة الأركان، لكنه تجلى أيضا في إخضاع ضباط القوات المسلحة وقادتها للقوانين الحقوقية المقررة في البلاد.
وهو ما أدى إلى محاكمة نحو 300 من العسكريين بتهم التآمر ضد الحكومة، وقبل أسبوعين -في 10/10- أيدت محكمة الاستئناف أحكام السجن لمدة 20 عاما بحق ثلاثة من أولئك القادة بعد إدانتهم في جريمة التآمر التي ارتكبوها قبل 10 سنوات.

من الأمور المثيرة للدهشة حقا، الدالة على الخلل الفادح في ترتيب الأولويات، أن الجدل في وسائل الإعلام حول الغيرة المفتعلة على كرامة الجيش بما استصحبه من مزايدات وترهيب، أخذ حظا من الاهتمام تجاوز بكثير أي قضية حيوية في مصر.

فقد سكت الجميع على إعداد الدستور الجديد في السر،
ولم ينشغل أحد بقضية العدالة الانتقالية المعلقة،
ولم يفهم أحد لماذا يصدر قانون جديد للإرهاب، في حين أن ما هو قائم بالفعل يؤدي الغرض وزيادة.

ولا يزال ملف انتهاكات حقوق الإنسان والمحاكمات العسكرية للمدنيين مؤجلا.
 كما أن ما يجري في سيناء لا يزال بعيدا عن اهتمام الرأي العام، في حين أن أهالي سيناء يضجون بالشكوى من المداهمات والاعتقالات والاجتياحات التي تتعرض لها قراهم، ولا يجدون أذنا تصغى إليهم أو يدا تضمد جراحهم.

إنني أخشى أن نكرر خطيئة مبارك، حين جمد كل شيء في البلد طوال السنوات العشر الأخيرة من حكمه، لكي ينصرف إلى ترتيب مستقبل ابنه وتوليه السلطة من بعده.

وهو ما يفعله المزايدون والمهللون والمهووسون هذه الأيام، حين يؤجلون كل شيء يخيروننا بين أن نشارك في حملة مديح الجيش وتسويق الفريق السيسي أو أن نصمت.

وجزاء الذين يفتحون أفواههم بما يخالف هذا السيناريو أن يتعرضوا للتشويه والتخويف والتخوين.

مثلما استفزتني مقولة أن الجيش ينبغي أن يكون فوق الجميع، فقد أثار استيائي أيضا ذلك الادعاء بأن الجيش خط أحمر،

 ذلك أنني أزعم أن الخط الأحمر الحقيقي الذي ينبغي ألا نختلف عليه هو كرامة المواطن التي باتت تشكل علامة استفهام كبرى في الوقت الراهن.

 أما أن يكون الجيش بمثابة خط أحمر يتفرد به بالمقارنة ببقية المؤسسات الوطنية فذلك تمييز لا مسوغ له، وتزيُّد لا محل له.
لأن احترام مؤسسات الدولة ينبغي أن يظل من مسلمات ومقتضيات إقامة الدولة المدنية التي توقف الحوار بشأنها حتى نسيها كثيرون في غمرة الصراع حول الأنصبة والحظوظ السياسية.

أليس غريبا بعد مضى نحو ثلاث سنوات على الثورة أن نبذل جهدا لإقناع الرأي العام بأن المجتمع لم يسقط دولة الشرطة في عهد مبارك لكي يقيم بدلا منها دولة الجيش؟

...........................................

30 أكتوبر، 2013

الرياضة والسياسة والأمن

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء  25 ذو الحجة 1434 –  30 أكتوبر 2013
الرياضة والسياسة والأمن - فهمي هويدي

لا يهم أن تفوز مصر على دول العالم في البطولة الأوليمبية، إنما الأهم ألا تظهر إشارة رابعة العدوية في الصور.
 هذه هي خلاصة الرسالة التي تلقيناها من الحملة المسعورة التي تعرض لها اللاعب محمد يوسف صاحب ذهبية بطولة العالم في دورة الألعاب القتالية لمنافسات الكونغ فو، الذي ظهر على منصة التتويج في سان بطرسبرج الروسية مرتديا قميصا ظهرت عليه الإشارة التي أقامت الدنيا عليه ولم تقعدها.

أرجو ابتداء ألا يسألني أحد عن الكونغ فو، لأنني بالكاد عرفت أنها رياضة قتالية صينية الأصل من عائلة الكاراتيه،
وذلك ما خرجت به من سؤال أهل الخبرة في الشأن الرياضي.

أرجو أيضا ألا يفهم أن لدي أي دفاع عن تصرف الشاب، لأنني أدرك جيدا أنه أخطأ في تصرفه، وأنه ما كان له أن يقحم الشأن السياسي في المشهد الرياضي، ولذلك فإنه يتعين أن يحاسب على خطئه،

وإنما ملاحظاتي كلها منصبة على حالة الهلع والانفعال الزائد على الحد والعصبية المستغربة التي اتسم بها سلوك الأجهزة الأمنية والرياضية.
(الـ.بي.بي.سي. ذكرت أنه تمت مصادرة الميدالية الذهبية التي فاز بها منه عقب وصوله للقاهرة)

 بل إن ذلك الهلع أصاب بعض مقدمي البرامج التليفزيونية، الذين أصبحوا يتنافسون في التعبئة والتحريض، بعدما نسوا مهنتهم الأصلية وتحولوا إلى «نشطاء» حولوا برامجهم إلى ميادين للتظاهر والهتاف اليومي.

كنت قد انتقدت ذات مرة أزمة خلط الأوراق التي وقع فيها البعض، الأمر الذي جعلهم ينشغلون بمعركتهم ضد الجماعة عن إدراك المصالح الحقيقية للوطن. وتقديم الأولى على الثانية.

 وكتبت مقالة بهذا المعنى كان عنوانها: «إنهم يكرهون الجماعة بأكثر مما يحبون الوطن».
وحين قرأت ما نشر عن قصة صاحبنا لاعب الكونغ فو قلت إنها نموذج عملي يؤيد تلك المقولة، لأن الذين أثاروا الضجيج وهللوا لإيقاف اللاعب الأمر الذي يمهد لشطبه نهائيا من سجلات اتحاد الكونغ فو، وهو ما قد يترتب عليه حرمانه من تمثيل مصر في المحافل الدولية.

وفي هذه الحالة قد تسحب الميدالية الذهبية منه، هؤلاء لم يبالوا باحتمال ألا يتاح لمصر أن تحقق فوزا مماثلا في البطولات العالمية التي ستنظم في الأجل القريب،
وثمة واحدة منها بدأت بالفعل في ماليزيا، ويفترض أن تستمر من 27 أكتوبر إلى 6 نوفمبر.

إذ من الواضح أن الذين أثارهم تصرف اللاعب لم يكترثوا بخسارة مصر للقب وأبدوا استعدادا للتضحية ببطولة العالم في اللعبة.
وكان كل ما شغلهم هو كيفية قمع اللاعب وتأديبه لأنه فعل فعلته.

المسألة ليست بسيطة كما فهمت من خبراء الرياضة الذين رجعت إليهم، لأن إعداد بطل عالمي في أي لعبة عمل شاق يستغرق سنوات وله تكلفته العالية،
 ولذلك فان الدول تعتبر البطل الدولي أو الأوليمبي ثروة يتعين الحفاظ عليها، لأنه يرفع راية بلاده خفاقة في سماء العالم.

أفهم جيدا ان اللاعب كان يتعين عليه أن يحتفظ بموقفه وتحيزاته السياسية لنفسه،
 وأتفق تماما مع القائلين بأن السياسة لها أهلها ومجالاتها،
وأنها لا ينبغي أن تتسلل إلى الفضاء الرياضي حتى لا نضيف أسبابا أخرى للمشاحنة وخلق العداوات،

بل أضيف إلى ذلك أن السياسة ينبغي أن تظل بعيدة عن فضاءات الثقافة والفنون.
 ولنا خبرات طويلة مع روائيين وفنانين أبدعوا في مجالاتهم، لكنهم حين انخرطوا في السياسة فإنهم ارتكبوا أخطاء وكوارث أساءت إلى تاريخهم وشوهت صورتهم لدى محبيهم.

وأنا أفرق هنا بين الرأي السياسي وبين الاشتغال بالسياسة،
وأزعم أن من حق الرياضي والروائي والفنان أن تكون له آراؤه السياسية التي يفضل أن يحتفظ بها لنفسه
 أو أن يعبر عنها في مجال إبداعه، لكنه يقع في المحظور حين يعتبر نفسه ناشطا سياسيا يخوض فيما لا يجيده.

قيل لي إن لاعب كرة القدم المصري هاني رمزي المحترف في ألمانيا نزل إلى الملعب ذات مرة وحيا الجمهور بإشارة لها مدلولها السياسي الذي أعاد إلى الإذهان حقبة المرحلة النازية.
 وهو تصرف كاد يودي به إلى السجن لولا أن التحقيق أثبت أنه لم يكن على دراية بعاقبة تصرفه.

كما أن اللاعب محمد أبوتريكة تلقى إنذارا حين أظهر في إحدى المباريات شعار تضامنه مع غزة.

ولو أن المسؤولين في القطاع الرياضي ضبطوا أعصابهم وامتصوا انفعالهم، لاكتفوا بإنذار لاعب الكونغ فو أو أوقفوه لبعض الوقت أو حتى خصموا جزءا من مكافأته، ولمر الأمر في هدوء واحتفظ الشاب بالإنجاز الذي حققه، وتمكن من أن يحصد لمصر جوائز أخرى في البطولات اللاحقة.

لكن من الواضح أن الحساسية المفرطة التي تجتاح مصر جعلت الأجهزة الأمنية ومسؤولي قطاع الرياضة يسارعون إلى قمع الرجل واغتياله، كي يسحق ويكون عبرة لغيره ولا يبقى لاسمه وجود في ساحة اللعبة.

ان إحدى مشكلات زماننا أن كثيرين من أهل الاختصاص مسؤولين وغير مسؤولين حين اقتربوا من عالم السياسة اختل توازنهم ونسوا الخبرات المعرفية والإنسانية التي تراكمت لديهم، وأصبحوا يتصرفون باعتبارهم رجال أمن فقط.

وما حدث مع بطل الكونغ فو من ترحيل وتقريع وقمع من جانب القيادات الرياضية ليس الدليل الوحيد الذي يشهد بذلك، ولكن أحدث الأدلة التي توافرت لدينا.

ترى كيف كان سيتصرف هؤلاء لو أن صاحبنا رفع صورة الفريق السيسي،
وهل كان سيجرؤ أحد على محاسبته؟

..................

29 أكتوبر، 2013

في تأصيل الأزمة المصريه – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  24 ذو الحجة 1434 –  29 أكتوبر 2013
في تأصيل الأزمة المصريه - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الأزمة في مصر أعمق مما نتصور، واختزالها في مجرد الصراع مع الإخوان يضللنا، لأنه يشغلنا بالعرض ويلهينا عن حقيقة المرض.

(1)

لنعترف ابتداء بأننا نتعامل مع أزمة لم نتفق على تشخيصها،
 والشيء الوحيد المتفق عليه هو أن الأزمة موجودة، وما عاد بوسع أحد أن ينكرها.
وهذا الاعتراف يستدعي معطيات جديرة بالرصد، أزعم أنها تعوق مسعى التشخيص الصحيح الذي تنشده.

من تلك المعطيات ما يلي:

أن خلفيات الزلزال الذي حدث في 30 يونيو أصبحت مثيرة للتساؤل واللغط، الأمر الذي يثير ظلالا من الشك حول مقاصد ما جرى آنذاك.
وشهادات أعضاء حركة تمرد التي سمعنا بها في أواخر شهر أبريل الماضي هي التي تستدعي تلك التساؤلات.

وتلك الشهادات موجودة الآن على شبكة التواصل الاجتماعي، وقد حررها أعضاء سابقون في الحركة،
وتحدثوا فيها عن أدوار لأطراف بعضها يمثل الأجهزة الأمنية، والبعض الآخر ينتمي إلى نظام مبارك.

كما تحدثوا عن أدوار لبعض الشخصيات المخاصمة لنظام الدكتور مرسي، وعن قيام أشخاص من الأثرياء المصريين المقيمين في الخارج بتمويل أنشطة الحركة وتغطية نفقات اجتماعات تنسيقية عقدت في شرم الشيخ سبقت تظاهرة 30 يونيو.

 ليست أمامنا فرصة للتثبت من صحة تلك المعلومات، خصوصا أن ثمة واقعا جديدا تشكل في مصر الآن وانبنى على ما جرى في 30 يونيو.
هذا صحيح لا ريب، إلا أن استعادة الأسئلة التي تثيرها تلك الشهادات لها أهميتها في عملية التشخيص الصحيح التي تدعو إليها.

على الأقل من حيث إنها تدلنا على حقيقة الأطراف التي أسهمت في صنع الحدث وحقيقة الأهداف التي توختها والتقت عليها مع غيرها.
وهو ما قد يوفر لنا الإجابة عن السؤال الكبير التالي:
 هل كان المستهدف هو إنهاء حكم الإخوان فقط،
أم أن تلك كانت خطوة لإجهاض ثورة 25 يناير، ومن ثم توجيه ضربة قاصمة للربيع العربي كله؟

النقص في المعلومات الخاصة بخلفيات ما جرى أفضى إلى تبسيط الصراع واختزاله في المواجهة مع الإخوان وما سمي بالإسلام السياسي،
وهو ما نلاحظه الآن في لغة الخطاب السياسي والإعلامي، التي ما عادت تتحدث عن الديمقراطية أو مستقبل الوطن.
كأن إزاحة الإخوان من المشهد ستؤدي تلقائيا إلى حل مشكلات البلد الأخرى،

 ولابد أن نلاحظ في هذا الصدد أن المطلب الأساسي لحركة تمرد ولخروج الجماهير في 30 يونيو دعا إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تحدد مصير الدكتور مرسي وحكم الإخوان،
لكن ذلك المطلب تطور بسرعة بحيث انتهى بالدعوة إلى قلب المشهد السياسي رأسا على عقب، وتسليم السلطة إلى قيادة القوات المسلحة.

إن التشخيص الصحيح للأزمة في مصر سيظل متعذرا طالما سمعنا رواية طرف واحد لما جرى.
 ولن نستطيع أن نصف التشخيص بالنزاهة أو الموضوعية ما لم يتح لنا أن نسمع رأي الطرف الآخر وروايته.

ولأننا منذ عزل الرئيس مرسي في الثالث من يوليو لا نسمع إلا وجهة نظر ناقديه وخصومه، فإن ذلك سيظل حائلا دون التقييم السليم للسنة التي قضاها في السلطة.
ولا يشك أحد أو يجادل في أن أخطاء وقعت خلال تلك السنة، إلا أن المشكلة أنه ما عاد بمقدورنا أن نميز تلك الأخطاء عن غيرها، ليس فقط لكي تنصف الرجل، ولكن أيضا لكي نتعلم منها ونحاول تجنبها.

(2)

خلاصة ما سبق أن للأزمة المصرية جزءها الظاهر للعيان وشقها الغاطس الذي لا نعرف تفهمه في الوقت الراهن على الأقل، لكننا ندرك أنه موجود، وكان فاعلا في السابق ولا يزال فاعلا إلى الآن.

من ثَمَّ فليس أمامنا سوى أن نحلل ما هو ظاهر أمامنا لكي نحدد دوره في الأزمة التي أدعيها.

 ذلك أنني أزعم أن أسَّ البلاء ومشكلة المشاكل في مصر يكمن في موت السياسة في البلد، الذي أحدث فراغا هائلا تعذر ملؤه منذ إسقاط نظام مبارك، الذي اعتمد على الأجهزة الأمنية في إدارة البلد وتثبيت حكمه طوال ثلاثين عاما.

موت السياسة الذي أعنيه يتمثل فيما يلي:
تدجين الأحزاب وإخصاء القوى السياسية، بحيث تتحول إلى هياكل فارغة الممضون، حاضرة في الصورة وغائبة عن الفعل.

وعملية الإخصاء والتقزيم لا تخضع لها الأحزاب السياسية فحسب، وإنما هي بمثابة لعنة تصيب بقية مؤسسات المجتمع والدولة، سواء كانت مجالس منتخبة أو نقابات مهنية وعمالية أو أي  جهة أخرى تمثل المجتمع وتستدعي دوره.

 وهذه الإماتة التي تأخذ شكل الإلغاء تارة أو الإخضاع تارة أخرى، تعد تمهيدا طبيعيا وضروريا لتمكين الأجهزة الأمنية من القيام بدورها في إدارة المجتمع والتحكم فيه.

هذا الوضع ترتب عليه أن أصبح لدينا أشخاص مهتمون بالسياسة، وليست لدينا قوى سياسية حقيقية.
كما توفر لدينا أناس مخلصون ربما يتحدثون عن الديمقراطية، لكنهم لم يمارسوها أو يختبروها، فلم يتمثلوا قيم الثقافة الديمقراطية.

 وكانت النتيجة أننا حفظنا اسم الديمقراطية لكننا جهلنا قيمها.
وهتفنا لها في مظاهراتنا، لكننا كنا جاهزين للرسوب في أول اختباراتها.
ويخطئ من يظن أن تلك النواقص أصابت فئة دون أخرى، لأن الأمانة تقتضي الاعتراف بأننا جميعا كنا ضحايا تلك الأجواء، وأن التشوهات التي أعنيها لم يسلم منها أحد من الذين شاركوا في اللعبة السياسية.

ذلك وضع لا تنفرد به مصر، ولكنه من سمات مرحلة ما بعد الديكتاتورية، الذي يخيم فيها الفراغ على الساحة السياسية جراء إصرار الحكم الاستبدادي على احتكار السلطة وسعيه الحثيث والدائم إلى حرق بدائله.

هذا الذي أقول به ليس اكتشافا، لأن كل متابع للشأن السياسي في مصر يعرفه جيدا، وإن كانت قلة منهم تجهر به،

وفي الأسبوع الماضي وحده وقعت على مقالين عبرا عن نفس الفكرة،
أحدهما كتبته الدكتورة منار الشوربجي تحت عنوان «ابحث عن الأحزاب»،
وفيه انتقدت الأحزاب التي تنافست في إشهار اللافتات لكنها فشلت في الحضور على أرض الواقع (المصري اليوم ــ 23/10)

 ــ المقال الثاني ظهر بعد ذلك بثلاثة أيام وقد كتبه الأستاذ إبراهيم عيسى تحت عنوان «أحزاب الخواء والهراء»، (التحرير 26/10)
وطرح فيه نفس الفكرة، ووصف فيه القيادات السياسية بأنهم مجرد ضيوف في القنوات الفضائية وخطباء فارغون في قاعات فارغة.
وقال عن الأحزاب إنها مجموعات صالونات وضيوف تلفزيونيون.
 ووصف قياداتها بأنهم «نخبة منتفخة ومنفصلة عن الواقع الحقيقي ومنتمية إلى الواقع الافتراضي».

(3)

في الفراغ السياسي المخيم بدا أن قوى الإسلام السياسي هي صاحبة الحضور الأوفر حظا في الساحة السياسية وهو ما أثبتته خمسة انتخابات واستفتاءات متعاقبة جرت بعد 25 يناير انتهت بفوز مرشح الإخوان في الانتخابات الرئاسية،
 الأمر الذي نقل الأزمة إلى طور آخر، في ظله ظهر بديل في الساحة له شعبيته النسبية، لكنه لا يحظى بالإجماع أو التوافق مع القوى السياسية.

لم يكن البديل جاهزا للحكم، ولا كانت «القوى» السياسية مستعدة للترحيب به أو التعاون معه،
كما أن النخب المصرية تعاملت معه بدرجات متفاوتة من الحذر والتوجس.

وسواء بسبب الأخطاء التي وقع فيها نظام الدكتور مرسي،
أو عملية الحصار والإيقاع التي مارستها القوى السياسية «المدنية» التي ظهرت في الساحة،
أو جراء التدابير التي رتبتها القوى الأخرى غير المنظورة والتي حرصت على أن تبقى في الجزء الغاطس من المشهد.
فالشاهد أن القوى المدنية وجدت مشروعا يجمع بينها تمثل في التوافق على إسقاط حكم الإخوان.

من ثَمَّ ظل الشاغل الأساسي لتلك المجموعات هو كيفية هدم البناء القائم. دون أن تتطرق إلى فكرة البديل التالي.
 الأمر الذي يعني أن الاتفاق كان منعقدا حول ما ترفضه تلك القوى، لكنها لم تتفق على ما يمكن أن تقبل به.

في التعامل مع الإخوان تحديدا بدا أن هناك اتجاهين،
أحدهما معتدل يعترض على الأداء والأفكار
والثاني ضم الغلاة الذين صبوا اعتراضهم على الوجود ذاته.

 الأولون اختلفوا مع الإخوان ودعوا إلى إسقاط نظامهم وإخراجهم من السلطة.
 والآخرون دعوا إلى إقصائهم بالكلية من المشهد وإخراجهم من السياسة من خلال الدعوة إلى استئصالهم واجتثاثهم من المجتمع، سيرا على درب من حاولوا اجتثاث حزب البعث من العراق بعد احتلاله وإسقاط نظامه.

ورغم أن دروس التاريخ علمتنا أنه ليست هناك فكرة تستأصل بقرار سياسي أو إداري، إلا أنه من الواضح أن كفة الأخيرين هي التي رجحت حتى الآن على الأقل،

 الأمر الذي أدخل الأزمة في طور أكثر تعقيدا وأخطر.
 ذلك أن عملية الاجتثاث والاستئصال تعد جراحة كبرى لا سبيل إلى إجرائها إلا بالاستعانة بأدوات الدولة البوليسية مع ما تستصحبه من إجراءات شديدة الوطأة وباهظة التكلفة.

الأمر الذي من شأنه إعادة مصر إلى أجواء عهد مبارك الذي لفظه المجتمع حتى أسقطه بثورة 25 يناير.
وفي هذه الحالة فإن المتضرر الحقيقي لن يكون الإخوان أو الإسلام السياسي فحسب، لكنه أيضا سيكون قيم وأشواق ثورة يناير ذاتها.

(4)

في ظل الفراغ المخيم وإزاء عجز الأحزاب السياسية القاتمة عن الفعل السياسي فإنها رفعت ضمنا شعار:
 العسكر هم الحل.

وهو شعار كان بمثابة إشهار لإفلاس تلك الأحزاب وإعلان عن عجزها عن كسب ثقة الناس وأصواتهم.

وهو ما أشارت إليه الدكتورة منار الشوربجي في مقالها الذي سبقت الإشارة إليه، حين انتقدت تفويض الأحزاب للقوات المسلحة في إحداث التغيير الذي عجزت عن تحقيقه.

 وكان القيادي اليساري الأستاذ عبد الغفار شكر قد أشار إلى ذات المعنى في مقالة نشرتها له جريدة الأهرام،
قال فيها إنه في ظل ضعف جماهيرية الأحزاب المدنية الراهن في مواجهة تيار الإسلام السياسي، فليس أمامها من سبيل للمشاركة في السلطة إلا بالاستعانة بالقوات المسلحة.

هذا وجه آخر للأزمة يعكس مدى استعصائها على الحل.
 ذلك أن الأحزاب المدنية أبدت استعدادا مدهشا للتخلي عن الديمقراطية ومدنية المجتمع مقابل إقصاء الإخوان.

وليس المراد هنا إتاحة الفرصة لتلك الأحزاب لكي تمسك هي بزمام السلطة من خلال ائتلاف أو غيره، ولكن لكي ينفسح المجال لعسكرة المجتمع وترحيل حلمه في إقامة النظام الديمقراطي إلى أجل غير معلوم،

 ما العمل إذن؟
 ليس أمامنا سوى أن نخوض التجربة وأن نمارس فنتعلم من الأخطاء ونستوعب الدرس ــ التي من أهمها أن بلدا بحجم مصر أكبر من أي فصيل أو جماعة، وأن همه وحلمه لن يحله إلى غايته إلا أبناؤه المخلصون، وهم موجودون في كل فئة وفصيل،

 وأولى الناس باستيعاب هذا الدرس هم عناصر الإسلام السياسي الذين يتعين عليهم أن يضربوا المثل في التفاعل مع الآخر واحتوائه،
حتى أزعم أنهم إذا أعطوا إجازة خلوا فيها إلى أنفسهم وحاولوا الاستفادة من تجربتهم في السلطة، فإن ذلك سيعد خطوة مهمة يمكن أن يبنى عليها الكثير من إصلاح ما فسد وترميم ما انهدم،

 إذ ليس المطلوب إنقاذ الإسلام السياسي من مأزقه، لأن الأهم هو إنقاذ الوطن والوصول بسفينته إلى برّ الأمان.

..................

28 أكتوبر، 2013

المنافقون يمتنعون

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 23 ذو الحجة 1434 –  28 أكتوبر 2013
المنافقون يمتنعون - فهمي هويدي

حين تابعت الحلقة الأخيرة من برنامج الدكتور باسم يوسف التي أذيعت مساء الجمعة الماضي 25/10 لاحظت أنه تحدث بحذر ورفق شديدين عن الجيش والفريق السيسي،
حتى قلت إنه بالمقارنة بحلقاته التي كان يخصصها بالكامل للسخرية من الرئيس مرسي والإخوان فإن ما صدر عنه في حلقته الأخيرة كان أقرب إلى الغزل والملاطفة.

لكنني فوجئت بردود الأفعال الغاضبة عليه في بعض الأوساط المصرية.
فبعد ساعات قليلة من بث الحلقة ذكر أحد الضباط المتقاعدين الذي يقدم بحسبانه خبيرا استراتيجيا وثيق الصلة بالأجهزة الأمنية أن الحلقة أثارت الاستياء في أوساط القوات المسلحة.

 وأثارت الملاحظة سيلا من التعليقات على «تويتر» التي كان بعضها مؤيدا في حين عارضها البعض الآخر،
حتى تساءل أحد المعلقين عما إذا كان الأمر سيترجم إلى بلاغ مقدم إلى النائب العام ضد باسم يوسف.

وقال آخر إن وقفة احتجاجية ستتوجه إلى دار القضاء العالي، تعبيرا عن غضب البعض إزاء البرامج،
وقرأت أن الموضوع كان سببا لاشتباك بالأيدي وقع بين المصريين في دبي.
واقترح أحدهم على رسام الكاريكاتير الشهير مصطفي حسين أن يظهر باسم يوسف وهو يمسك خنجرا يطعن به مصر في ظهرها، على غرار ما سبق له أن رسمه عن الدكتور محمد البرادعي، حين اعتبر أن استقالته طعنة لمصر ولنظام الثالث من يوليو.

كثيرة هي القرائن الدالة على تنامي الحساسية في مصر إزاء الجيش، الأمر الذي دفع البعض للدعوة إلى تفرده بأوضاع خاصة تميزه عن بقية مؤسسات الدولة، بما يضفي عليه قدرا من الاستقلالية السياسية، التي تتجاوز بكثير حدود الاستقلالية المهنية المتعارف عليها في جيوش العالم.

وهؤلاء لا يجعلون من الجيش قلعة ودرعا يحمي الوطن فحسب،
ولكنهم يريدون لقيادته أن تصبح لاعبا في الساحة السياسية وطرفا في تجاذباتها وصراعاتها،
 الأمر الذي يحوله في نهاية المطاف إلى دولة داخل الدولة.

وإحدى المشكلات التي نواجهها في هذا الصدد تتمثل في المزايدات التي يمارسها البعض، ليس فقط من بين غلاة المؤسسة الأمنية والعسكرية، ولكن أيضا من بعض الرموز المدنية التي لا ترى لها حضورا أو وزنا ما لم يقترن ذلك بالاتكاء على الجيش والتزلف له.

هؤلاء لا يكتفون بالدفاع عن احترام القوات المسلحة وتقدير دورها النبيل في الدفاع عن الوطن، ولكنهم يريدون تحويل الاحترام إلى نوع من التقديس،
والاحترام صيغة مسكونة بالمحبة التي تحتمل التفاعل والأخذ والرد في إطار الحرص والثقة.
 أما التقديس فإنه يقترن بالخضوع والخوف.
وفي ظل الاحترام فإننا ننحني للقوات المسلحة طائعين
 في حين أننا في ظل التقديس نزعم على كتمان مشاعرنا والانحناء تعبدا وتسليما.

تصادف أنني تابعت حلقة تليفزيونية جرى بثها في الأسبوع الماضي، قام من قدمها بمحاكمة مديرة لإحدى المدارس، يبدو أنها تحفظت على إقحام موضوع الجيش في اليوم الدراسي،

وأثناء المحاكمة قام صاحبنا بتقريع مديرة المدرسة وقام بترهيبها من خلال دعوة وزير التعليم لأن يجري تحقيقا معها،

 ثم قال في ختام حلقته فيما يشبه الهتاف الذي أراد به مخاطبة أولى الأمر أن الجيش ينبغي أن يظل فوق الجميع.
وهو هتاف أشعرني بالاستياء، حتى قلت إن أمثال صاحبنا هؤلاء يدفعون الناس إلى النفوز من الجيش والضيق به، لأنني تمنيت أن يظل الجيش مع الجميع وليس فوقهم.

ما ضاعف من قلقي أن الغلاة والمزايدين الذين تتزايد أعدادهم في الوقت الراهن، خصوصا بعدما تواترت الروايات عن احتمال ترشيح الفريق السيسي نفسه لرئاسة الجمهورية،
 هؤلاء أشاعوا حتى في أوساط المثقفين نوعا من الإرهاب أجده ضارا حتى بعلاقة القوات المسلحة بالمجتمع.

 ألاحظ ذلك في الوسط الإعلامي، بعدما تكررت حالات منع المقالات التي تنتقد عسكرة المجتمع وتدعو إلى إبقاء القوات المسلحة بعيدا عن السياسة، لكي تتفرغ لمهمتها السامية في الدفاع عن الوطن والحفاظ على عافيته وريادته.

في هذا السياق لاحظت أن الدكتور مصطفي النجار، وهو ناشط سياسي من رموز ثورة 25 يناير، منع له مقال كان عنوانه «الجيش مؤسسة أم دولة»، فبثه على موقعه الإلكتروني.
وذكر في تقديمه أن الصحف التي رحبت بكتاباته امتنعت عن نشر هذا المقال بالذات، وحين قرأته وجدته منيرا ورصينا، ومسكونا بالغيرة على الوطن والجيش، وفيه من الصراحة والصدق ما نحن أحوج ما نكون إليه في المرحلة الراهنة.

 لقد استغربت أن يمنع مقال من هذا القبيل في حين تمتلئ الصحف بكتابات ونداءات المهللين والمصفقين الداعين إلى ترشيح وزير الدفاع رئيسا، ومن ثم توريط الجيش في مستنقع السياسة وأوحالها.

أكرر أننا نريد أن نبادل الجيش الاحترام من منطلق الثقة والمحبة، ونرفض أن تكون علاقتنا به قائمة على الخضوع الناشئ عن النفاق أو الخوف.
فخلوا بيننا وبينه أرجوكم، لكي يظل الجيش محاطا بقلوب المخلصين الشجعان، وليس بحناجر المنافقين والمنتفعين،
ولكي يبقى في خدمة الوطن وليس العكس.

...................

Delete this element to display blogger navbar